كناية/ مساحة للحلم وأفق للحقيقة- مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة، تعنى بالخيال والحرية والحداثة والتجريب- رئيس التحرير: حكمت الحاج

_

أحمد الشيخ علي

دخل من النافذة نصف المفتوحة، وجلس إلى المكتب الصغير في زاوية القاعة.
كان الباب مواربا في القاعة العلوية التي بدأنا نجتمع فيها، دخل صبيّان، ثم دخل ثالث، وجلسوا في مقاعدهم. وفي اللحظة نفسها دخل عدد منا، نحن الصبية اليافعون، من النوافذ المفتوحة والمغلقة، ومن دون ضجيج جلسوا جميعا في مقاعدهم.
كنت أول من دخل القاعة، ولكن لا من الباب دخلت ولا من النوافذ. وجدت نفسي أدور بين مقاعد خالية، وكان نشيج بعيد، وكلمات غير بيّنة تصلني كما لو أنني أشمها أو أراها مضببة، لا أسمعها.
بلا جهد عرفت مقعدي وجلست فيه.
….
كنت أرى القاعة، وأراني فيها، رأيت الصبية يملأون القاعة، ويجلسون في مقاعدهم صامتين.
حدست أن أستاذنا الذي وقف، وتحرك إلى منتصف القاعة سيلقي علينا محاضرة. هو أستاذنا دون ريب، ونحن تلاميذ صغار، هذا ما أدركته، رغم أنني لم أكن طالبا في هذه المدرسة من قبل، ولم أر هذا الأستاذ الوقور، ولم أتعرف على أحد من هؤلاء الصبية الذين يجلسون مثلي في مقاعدهم، وعيونهم تتبع خطوات أستاذنا الذي كان يوزع نظراته بيننا وعلى شفتيه ما يشبه ابتسامة.
أردت أن أسأله عن شيء شغلني، ولكنني لم أدر ما هو. أظنني نسيته، عندما لم أجد فمي.
اقترب مني، ومن دون أن يكلمني همس لي بشيء، كأنه موعد لا شك سيتحقق، وسيبقى معي إلى الأبد.
….
مر الوقت سريعا وبطيئا، وكنت أجلس وحيدا في انتظار أن يحين ما همس لي به أستاذ خرج من النافذة التي دخل منها ذات يوم.


أضف تعليق