لقيتان..

أحمد الشيخ علي
لُقية 1
في كتاب قديم لا أذكر أنني اشتريته، ولا أدري من جاء به إلى مكتبتي وتركه بين كتبي، وجدت ورقة سمراء مطوية بعناية، فتحتها برفق خشية أن تتكسر من فرط رقتها. كنت كلما أفتح طية منها أشعر كما لو أن حياة تنبعث فيها، كانت الورقة تتململ بين أصابعي، حتى أن شيئا من الرهبة تسرب إليّ، وسرت في جسدي رعدة لا أعرف كيف أصفها. كانت الطيات قليلة في حقيقتها، لكنها بدت بلا نهاية.
ثمة ضوء بارد انبعث من حواشي الورقة والفرجات التي فيها.
وضعت الورقة على المنضدة التي أجلس إليها، وكمن يعالج لغما أرضيا قابلا للانفجار، رحت أحاول فتح الورقة بأطراف أصابعي، مضيّقا من عينيّ، اتقاءً للبريق الذي كان يشتد ثم يخفت ليشتد مجددا.
أخيرا تمكنت من نشر الورقة، في اللحظة نفسها التي انبثق منها ضوء صارخ أحال الغرفة إلى بياض محض، وعمى تفاديته بذراعي التي كففت بها بصري لا إراديا، ليتبع ذلك دويُّ انفجار صرخ، ثم تردد متسلسلا في سمعي.
ما هي إلا برهة وهدأ بعدها كل شيء. فتحت عينيّ لأرى ما جرى على حقيقته. لقد كانت هناك شظية صغيرة من برق معقودة بسلسلة من رعد، إنها كسرة البرق نفسها التي عثرت عليها بهيأتها هذه، مرمية عند عتبة ليلة من ليالي طفولتي. كنت أخذتها، ولممت عليها أصابع يدي برفق، وكما يفعل قط انسللت بها إلى فراشي.
غفوت تلك الليلة محتشدا بأحلام مضيئة، فيها أشجار من حلوى وفوارات موسيقى وأطفال بأجنحة، وفي الصباح، لحظة أفقت، وجدت يدي ما تزال مضمومة الأصابع، وعندما فتحتها لم أجد لقيتي الصغيرة. بحثت عنها في الفراش، تحت الوسادة وبين الأغطية والشراشف، بحثت عنها في سنواتي اللاحقة، ولم تكن هناك.
***
لقية 2
في زاوية مهجورة من حياته التي عثر عليها محشورة في صندوق خشبي، أقرب بهيأته إلى تابوت بأقفال وسلاسل، وجد وجهه مخططا بالأبيض والأسود. لم ينج من الصدأ الذي خدش بشرته هناك، سوى ابتسامة بقيت تلهو على شفتيه، لا مبالية بقطارات الوقت التي لا محطات لها، ولا تصل إلى غاياتها…
…
بدا وجهه كبيرا في الصورة التي بحجم كفه، وعلى حاشيتها مكتوب بقلم حبر أسود، زحفت عليه كائنات الصدأ هو الآخر:
“الخسارات تدلّنا، لا نحتاج إلى خرائط”.
لم يتذكر أنه كتب هذه الكلمات، وإن كان الخط شبيها بخطه، ولم يعرف على وجه اليقين ما الذي قصده من كتبها، سواء أكان هو أم شخصا آخر غيره.
…
مرر أصابعه على خرائط وجهه في الصورة، كان ملمسها حرشفيا على غير ما كان يعهده من بشرته، لذا أبعد يده، واكتفى بالنظر إلى ابتسامته هناك. أغاظه أن يرى شفتيه تتسعان، بينما تضيق عيناه.
…
كان قميصه من غبار، وشعره الذي يشبه حجرا أسود لمعت على أطرافه أهداب ضوء باهت، ولا شيء آخر يستحق الذكر، سوى ذلك الصوت الرتيب الذي انبعث من مكان قصي في الصورة لعجلات حديدية على فواصل لا نهائية في سكة حديد تتلوى بلا هوادة في براري حياته المحشورة في صندوق خشبي، أشبه ما يكون بتابوت.
