حينما يأتي “الشعر” من “مستعمرة العقاب”..

بقلم: حكمت الحاج *
ليلى إينانا سلطان Leila Inanna Sultan شاعرة سويدية شابة، وُلدت عام 1993 تعيش في ستوكهولم وتعمل في مجال المكتبات، ويبدو أنه معطى ليس هامشيًا في حالتها، إذ ينعكس في علاقتها بالنص بوصفه أرشيفًا وذاكرةً وموقعًا لإعادة التنظيم. اسمها الأوسط “Inanna” يحيل مباشرة إلى الإلهة السومرية، وهو ما يفتح أفقًا دلاليًا مزدوجًا بين الأصول الشرق-أوسطية والكتابة الاسكندنافية المعاصرة. ديوانها Straffkolonien (=: مستعمرة العقاب) هو عملها الشعري الأول. وواضح أن العنوان يحيل ضمنيًا إلى قصة بنفس الاسم In the Penal Colony لفرانز كافكا، غير أن الإحالة هنا ليست تناصًا مباشرًا بقدر ما هي إعادة توظيف لفكرة الجسد بوصفه موقعًا للعقوبة والكتابة معًا.
وإذا ما قلنا أنه ثمة شعرٌ يُكتب لكي يُقرأ، وثمة شعرٌ يُكتب لكي يُستجوب، فإن ديوان “مستعمرة العقاب” للشاعرة السويدية ليلى إينانا سلطان ينتمي إلى الصنف الثاني.
نحن لسنا هنا أمام شعر بالمعنى الغنائي التقليدي للكلمة المتعارف عليها، بل أمام جهاز لغوي أقرب إلى غرفة تحقيق. اللغة نفسها تتحول إلى سلطة: تسأل، تقاطع، تشكّك، وتعيد ترتيب الوقائع. الجملة لا تُقال بوصفها تعبيرًا، بل بوصفها إفادة.
ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، ينبثق الشعر.
تفتتح الشاعرة السويدية ديوانها “مستعمرة العقاب” باقتباس من الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
هل كان السيف دوما
هو معيار للحقيقة؟
والذي هو في أصله بيتان لدرويش وردا في قصيدته “من فضة الموت الذي لا موت فيه”، حيث يقول ما نصه:
هل كان معيار الحقيقة دائما سيفا
لأخفي فكرتي مذ طار سيفي؟
وبوضع العنوان من فرانز كافكا، والاقتباس من محمود درويش (ثمة اقتباس ثان من قصيدة لدرويش تجدونه على الصفحة 165 من الكتاب)، يتضح لدى القاريء أنه سيكون أمام شعر مقاوم رافض للانصياع.
الشعر هنا ليس في الزينة البلاغية، بل في الانزياح البنيوي:
في تحويل اللغة الوظيفية إلى لغة قلقة. في جعل ما هو إداريٍّ روايني، وجوديًا. وفي تحويل الجسد من موضوع للعقاب إلى نصٍّ يقاوم القراءة النهائية. لهذا يمكن قراءة “مستعمرة العقاب” بوصفه كتابة “ما بعد-غنائية”، بل ربما كتابة “ما بعد-شعرية”، حيث لا يعود الشعر تعبيرًا عن الذات، بل تفكيكًا للآليات التي تُنتج هذه الذات.
في هذين النصين، أو قل، هاتين القصيدتين اللتين نقدمهما لكم اليوم مترجمتين لأول مرة الى لغة الضاد، لا تتقدّم اللغة بوصفها أداة للتعبير، بل بوصفها جهازًا للفحص والاختبار. نحن لا نقرأ قصيدتين مستقلتين، بل نعاين مرحلتين من بنية واحدة: من السؤال إلى الاعتراف، ومن الاستجواب إلى إعادة تشكيل الصوت الإنساني.
في النص الأول، يبدو الخطاب حياديًا، إجرائيًا، أقرب إلى استمارة أو مقابلة رسمية. تُطرح الأسئلة ببرودة، وتُبنى الجمل كما لو كانت تسعى إلى جمع المعطيات. غير أن هذا الحياد الظاهري يخفي توترًا عميقًا: إذ لا يُطلب من المتكلم أن يقول الحقيقة فحسب، بل أن يصوغها وفق نموذج محدد سلفًا.
أما في النص الثاني، فإن هذا التوتر ينفجر. تتحول الأسئلة إلى ضغط، واللغة إلى أداة تطويع، والجسد إلى موضوع للفحص والإذلال. هنا لا يعود الاستجواب بحثًا عن الحقيقة، بل يصبح ممارسة تُعيد إنتاجها، أو تُكرهها على الظهور بالشكل الذي يريده النظام.
وما بين النصين، يبرز عنصر حاسم: هو “الوساطة”. فالصوت لا يصل مباشرة، بل يمر عبر مترجم، ثم عبر ما يشبه آلة لغوية تفرض شروطها. وهكذا تتدرج اللغة من خطاب إنساني إلى خطاب مُقنَّن، ثم إلى صيغة تكاد تفقد إنسانيتها.
إننا أمام كتابة لا تُعنى بما يُقال فقط، بل بكيفية قوله، وبالشروط التي يُسمح فيها للقول أن يكون مقبولًا أو مسموعًا. لذلك، فإن هذين النصين لا يقدّمان شهادة، بل يكشفان عن الآلية التي تُنتج الشهادة ذاتها. إنه “القمع” والقهر بأعلى تجلياته الناعمة، في “مستعمرة العقاب”.
—
النص الأول:
الاستجواب..
قصيدة: ليلى إينانا سلطان*
ترجمة: حكمت الحاج
– هل يمكنك أن تذكري اسمك ورقمك الشخصي
هل يمكنك أن تؤكدي موافقتك على إجراء المقابلة
بلغة ليست لغتك الأم؟
– يمكنني الانتظار
حتى يصل المترجم!
– هل يمكنك أن تشرحي وضعك العائلي؟
هل يمكنك أن تقدّمي شرحًا موجزًا
أو مفصلًا للوضع السياسي
والأمني في بلدك؟
هل يمكنك أن تشرحي بمزيد من التفصيل
الوضع الأمني عمومًا ووضعك الشخصي
خصوصا، في بلدك؟
هل يمكنك أن تشرحي بمصداقية
بعض المواقف الصعبة التي عشتها
نتيجة لما تصفينه من أحوال في بلدك؟
هل يمكنك أن تشرحي بمزيد من الدقة
ما تشيرين إليه؟
هل يمكنك أن توضحي
ما إذا كان ما تصفينه
مستمرًا
أم منقطعًا
هل يمكنك أن تتذكري
بمزيد من التفصيل
بعض الوقائع
التي ذكرتها
في مقابلة سابقة؟
هل يمكنك أن تؤكدي
روايتك
من خلال تقديم تفاصيل
أكثر دقة؟
حسنًا،
أية كلمة كنت ستستخدمينها
هنا على سبيل العادة؟
هل يمكنك أن تُقرّي بأن كل ما قلته
حتى الآن كان صادقًا؟
– لكل إنسان الحق الكامل في الحياة!
—
النص الثاني:
ما بعد الاستجواب..
قصيدة: ليلى إينانا سلطان*
ترجمة: حكمت الحاج
– هل تطلب من المترجم أن يترجم؟
– يبدو أنك غير راضٍية
عن مقدار ما عانيته..
هل يمكنك أن تعطيني رقمًا
لعدد القتلى
يكون معقولا؟
هل يمكنك أن تعطيني رقمًا
وسُلَّمًا للتقييم
يجعلانك راضية؟
هل يمكنك أن تعطيني مؤشرًا
على أيّ نوع من أنواع التعذيب
يستوفي معاييرك وشروطك؟
– هل ترغب
أن أقف هنا
على أربع؟
هل تريد
أن ألعب معك
لأجعلك تقتنع
بخضوعي؟
هل تريد
أن أزحف
ذهابًا وإيابًا
على أرضك؟
هل تريد
أن تجلس على ظهري
كقطعة أثاث؟
أنا،
أنا ابنة أبي
وابنه أيضًا..
في بلدي،
لدينا من الذوق الرفيع
ما يجعلنا نغطي رؤوس الناس
قبل أن نعاملهم
بهذه الطريقة
– أيها المترجم
ما الذي تنتظره
هيا ترجم
أريد أن أسمع
ما الذي لديها لتقوله
اجعلها تكلم بلغة الآلة..
—
– هل أنت مستعدة للتحدث؟
أنت تفهمين
أنه سيكون من الصعب
الحصول على الدعم
إذا لم تكوني مستعدًة
للتحدث..
سيكون الأمر أصعب عليك
إذا لم تكوني مستعدًة
للتحدث عن
الشلل
والأذرع الملتوية
والساقين
وما بين الساقين!
إذا لم تكوني مستعدًة
للتحدث عن
أشدّ الخطايا
والأحداث
في حياتك..
أنت ترين:
فمن خلال التضحية
يمكنك أن تبلغي
عمقًا
وحكمة
لم تبلغيهما من قبل.
—
مع كل سؤال
حمامة
ببطنٍ ممتلئٍ بالفولاذ
تنفجر
سيفًا وحجرًا،
حمامة
مخدِّرة
ترقص
منخفضة الطيران
تهدل
حتى تنفجر
من بطنها
سحب
تقتل
على نحو أعمى.
– تطلب من المترجم أن يترجم
ما الذي يجعلك تظن
أنه يمكنك أن تطرح
مثل هذه الأسئلة عليّ؟
…….
