موت گلگامش..

أحمد الشيخ علي
لحظتذاك، لم يكن أكثر من مسافر، نفدت الطرقات تحت قدميه. لا فرق إن كان واقفا على ساحل بحر، أو جالسا تحت شجرة جوز على سفح جبل، أو راقدا في فراشه. وسواء أكان في أرض غريبة، أم في وطنه. حيث تجري بين يديه المياه العذبة، أو تسفي عليه رمال الصحارى البيض
لم يأتِه الموت بوجه مرعب، بل جاءه كنسمةٍ مشوبة بعبق الحقول المغسولة بالندى. كان يغالب أنفاسه، عندما رأى صنوه الذي أخطأ الطريق إلى الخلود قبله. رآه يقف على ضفة نهرٍ لم تبصر به عينٌ من قبل. لم يكن معفراً بغبار القبر الذي حفره له بيديه، وأهال عليه ترابه ودموعه وشتائمه أيضا. كان عاريا، يلمع كتمثال من نحاس، تحت شمسٍ لا تغيب. رآه يمدّ له يده، كمن يدعوه إليه
سقطت عن كتفيه عباءة الملك، لحظتئذ، ومن خلفه كانت مملكته تذوب تحت مطر من دمع ودم. كان جسده يذوب هو الآخر، يصير طينا رائبا. ويداه اللتان أخضع بهما “خمبابا” تحولتا إلى جذور نخلة تضرب في عمق الأرض. أما عيناه اللتان رأتَا أسرار العالم كلها، فقد صارتا نجمتين تائهتين في سماء الأساطير.كان الفرات يجري مصبوغا بصوته الذي همس به قبل أن يتلاشى، وقبل أن تفرد الريح جناحيها، وتخفق به على خرائب أوروك.
