“الحب 2003″، قراءة في الرواية الشعرية للشاعرة الدكتورة بشرى البستاني..

بقلم: قاسم حسن علي
إلى أخي وصديقي الجميل حكمت الحاج: ما كان لي أن أقرأ “الحب 2003″، الرواية الشعرية للشاعرة بشرى البستاني، وأعبر سطورك الرائعات التي لا تجافي دقتك وروعتك في الدلو إلى مضمار أنت فارسه وحكمه في عين الوقت، ألا وهو مضمار الشعر الحداثوي والنثر عموما. إلا وجاءت أسطرك زاخمة بالتساؤلات والافتراضات، أولها: هل نحن أمام رواية؟ أم اللعبة الجمالية التي يقترحها الراوي؟ وعاوت السؤال بصيغة أخرى: هل نحن أمام نص من الأجناس الادبية؟ وهنا كنت محقا بتعاميم الحرفة، لكن ماعلينا..
إننا ونحن نقرأ هكذا نوع من الإنجازات هو عدم نسياننا لقراءاتنا السابقة لروايات من هذا الجنس وذاك وهذا التجنيس اعتقد رأيناه في الكوميديا الالهية والملاحم ومنها كلكامش واعتقد ان الشاعرة او الراوية كان لها العنان أمام موطئ قدم من هذا المضمار فدخلت منه لتبث منها نتائج الضربات الموجعة التي تلقتها من صدمة الفعل العسكري والركام المحيط بها كشاعرة. وأكدت أنت القول بأن النص ينوس بين السرد الذي يبني عالما والشعر الذي يكثف هذا العالم بنبضه وهنا علينا ان نتذكر ما قرأناه من ان الحداثة العربية كما قلت والتي عانت كثيرا من الشكل خاصة مع استقرار واجب في الكيانات الادبية عامة كما هو عند غيرنا والتي غزتنا أو وردت الينا بعد الخمسينات من القرن الماضي من مدارس متنوعة وسياقات غير معروفة عندنا .
ان الراوية/ الشاعرة بشرى البستاني قد لعبت في ساحتها وملعبها وتقلدت بادواتها الشعرية لكن في ريتم يساعدها على التصدير والتعبير الملحمي ان شئنا القول.. أما ان نتساءل كما انت تساءلت: كيف يعمل النص داخل التوتر وأي طاقة يولدها من احتكاك الاشكال؟ الموضوع هنا هو لعبة الشاعر او السارد ولامناص لنا من ان نسمع وقد نتوتر معا.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل سيصل النص، هل سيؤثر، ويفلح بالتعبير.. الحرف هنا هو حرف الراوي وعليه تترتب نتائح اي فعل يمر من بين اصابعه وينفس به عن نفسه، وهو كما تفضلت من ان السرد هنا قد لا يرقى في التعبير بصوت عاشق عن العراق وأي عراق.. عراق انخدوانا يندابا وعشتار – تلك التي الشواهد الرمزية كما وصفتها انت، وانا أصفها بالامتدادات العميقة لهذه الزهرة الفارشة ذراعيها واطلالتها على أفق الأرض التي وصفتها بالذاكرة المضيئة وليس ومضة لحظة مأساوية نالت منها أعاصير عارمة في خضم أحداث شائكة.
اقد سكنت أمام النص بضراعة لاتوصف وقتا لايقل عن ثلاث ساعات من الصمت أتلقى نزول ذكريات ذلك الزمن الذي عشته بكلها وبأدق التفاصيل ..الموت منها والرماد والانتشال والدمار والحريق والصرخات الخ الخ.
قررت أن لا أتوتر أمام عاصفة نص رهيب متوتر بلا نشيج وصممت أن أنظر جمال ضربات الأصابع على كونشرتو عارمة لبيانو أسمع منه لأول مرة ذلك السلم العنيف من المشاعر، نعم غادرت التوتر لأني عرفته من أول العزف، لا بل عرفته منذ زمن طويل بكل أوجاعه، وأصررت على أن أبقى منصرفا إلى التوحد.
أمام الانتقالات السريعة المبهرة وسط حرائق العراق والتوحد من صوت أنثوي يسوق الكلام من بارجات النار والجحيم وسط أعاصير ونثارات الاشلاء وتتلقى شظاياها بصدرها ومفارق شعرها وجلدها وصراخاتها كلها وأوصالها المرتبكة. إنه نص بحق رهيب.. إنه موارج تشحن النار من دهاليز العذابات تسوقها أنثى بكل افتراشها الانساني والصميمي. نعم، شاهدت بشرى بذاتها وكينونتها حاضرة على مدرجات القصيدة وأمام هذا الهواج الأسود لهيجان العالم بأسره، ورأيت محمود درويش حاضرا يدعم روح القصيدة ورولان بارت ودريدا وفوكو يدفعان بالمفاهيم والنصوص إلى عمق التصلي بالألم..
لقد انتصر النص علي وهذا حق. إنه نص خلق ليفتح ذراعيه إلى نوعه المتنغم بالشعر.
والغريب ان بشرى كانت حاضرة كعادتها في معمعة الاصوات بكلها. وأنت عقدت ربطة عنقك لتدلل بها عن ثقابة هذا الكتاب والنص بعينه حين قلت إن الكتاب لايكمن في الموضوع
بل في شجاعته الشكلية:
دخان يملا التفاحة الممتدة على
أربعمئة وثلاثة وستين ألف كم٢
دخان .. دخان
دخان الصواريخ
دخان المتفجرات ، دخان الحرائق
دخان الارواح ، والاحلام والارجوان
دخان قرنفل العراق ، ونخله وانهاره
كانت الارض مجروحة
يومض وجه العراق
وحدائق “أور” تبعثرها القدم الهمجية.
لقد جاء نص المقاطع الخمسة عشر من نص بشرى البستاني هذا، متشظيا عارما بانتقالات حذقة إلى العنجهيات التي مورست على شعب محاصر جائع المريض ، لا بل مأساته كادت تكون إلى حد فقدان الوعي حتى الإنساني البسيط الذي كان يتصف به شعب سقط صريعا سريعا من جراء حالات كثيرة من الاستغفال السياسي والتاريخي وحتى الإنساني والتي لم تغفلها الشاعرة من خلال الإدراج الألمعي التي امتازت به :
جثث جثث
مداهمات واحتدام
أبواب البيوت تنسف في أنصاف الليالي
البيوت العراقية تسرق في أعماق الليالي
رجال ، نساءصبية يقذفون في المدرعات
أطفال يصرخون : إلى أين..
لم نكن وقتها بحجم المأساة لكننا تدربنا على لسعة الأسواط والانغمار في الماء المالح بتداول الأيام أو بالأحرى سلمتنا الأمنيات الفارغة للغير إلى مواجهة غير متزنة مع الأقدار حينها كنا متلبدين بين صفائح الوعي المفروضة بين حيطان الأسى لا رغبة لنا بالغد ولا ذاكرة لنا بمفردات الأمس الذي ولى مع الجرح الغائر وبالتالي جاء علينا اليوم لتفتح لنا الأخبار حقائب المقذوفات القادمة من سقائف الغلبة إلى أوحال الشعارات والكلمات والقصائد المراهقة.
سيظل النص الشعري الروائي لبشرى البستاني شاهدا على النقاط الدموية من تاريخنا الذي عاندنا أنفسنا على كتابتها في ساعة غفلة وعنجهية لنضيف إلى تاريخنا المكتوب سلفا تاريخا متأرجحا بين الرهانات. نعم، نحن كتبناها عن إرادة.
فتحية تقدير للتي أذنت على أسماعنا الصماء تكبيرات الألم والدم والتضاؤل ، وهيجت فينا قصيدتها/ روايتها الكثير من الكثير لكنها تظل تلك الكوه التي تشرف على مساحة العراق الكبير الذي لا أراه متعافيا ولن يراه بعدي ولدي.
