كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

مُدوّخًا في الشارع..

علي بن نخي

لأيامٍ، مشيت على الحافّة، بجيبٍ خالٍ إلّا من بضعة دولاراتٍ اشتريت بها مثلجًا أزرق، كان ذلك خطأً، أرهقني القيظ، دخلت المتجر، على كرسيٍّ خشبيٍّ مضعضعٍ، أرخيت ساقيّ بعد مشيةٍ طويلةٍ، ظهري.

كان المتجر ما زال معتمًا، وشيئاً فشيئاً اعتدت الإضاءة الخافتة. فتورٌ يحفُّ الأرففَ الآن، قميص البائعة الرّقيق، النّمش، أحدس أنّها جاوزت الأربعين، ربّما في آخر الثلاثينيات.

بدت الغضون رقيقةً وكانت لائذةً، بين الرّكام، أوراق وقراطيسَ وكرتونات، استندت الى الطاولة الرفيعة، وتحدثتْ إلى زبونةٍ، شعرت لوهلةٍ أنّها صديقةٌ قديمةٌ، تحدثت، وهي تمسك نظّارتها. كلتاهما تشيان بالسّحنة النّاعمة ذاتها، الأجفان، تجعيدة خفيفة تنساب من الخدّ حتّى الشّفتين.

أتبحث عن كتابٍ محدّد؟ بادرتني. أجبت: أبداً، قادني الحرّ مصادفةً، هنا. أريد أن أستريح قليلاً، هل عندك ماء؟ ….. شربتُ، سألقي نظرةً خاطفةً لا أكثر.

دلفت إلى غرفتي، حاملاً ثلاثة كتبٍ اقتنيتها دون أن أدفع دولاراً واحداً. وضَعتُ الكتب على الرّفّ المحاذي للنّافذة، الرّفّ الذي أسميته المطبخ. خلعت حذائي وجوربي. دخلت المغتسل الذي لا يفصله عن سريري سوى ستارة زرقاء. الماء يذكّرني بالفتور الذي كان، هناك، في المتجر.

أفقتُ مبتعداً قليلاً عن الحافّة. حوالةٌ ماليّةٌ، ثدي إيفيلين. لم يعد لديّ ما أخشاه. حين جلستُ إلى الكرسيّ الخشبيّ، تسلّلت قطّةٌ رماديّةٌ، لا أعرف من أين، لست أدري، مرارةٌ، ثمّة شيءٌ تهاوى أمس، تهاوى بمرارة أمس. الشّمس، والمثلّجُ الأزرق، الماء، قطع الحلوى الملوّنة في كفّ طفلٍ أسمر، كان يعبر الشارع. الآن، أهزّ رأسي والسّجادة السّوداء، تلتفُّ ببطءٍ. كورونا، هواءٌ باردٌ، النّافذة. القطّة تمشي، فوق كتب إيفيلين تستلقي والطّرقات، يسيل فيها الحليب.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.