كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

صيغتان لمشهد واحد من المأساة نفسها..

أحمد الشيخ علي

ساحرات مكبث 1
وقفَتْ مثل شجرة سامة على حافة النهر الذي كان من دم برائحة الفجيعة، نحيلة وطويلة برداء من شوك وألم، خلفها تقرفصت عارية عجوز بلا وجه، هي ظلها. وبين يديها، ارتجفت تحت دثارها المغزول من أحشاء المنسيين عجوز أخرى، هي صورتها في النهر.
….
قالت وهي تنظر إلى الشمس التي تولد على مهل في الأفق البعيد:
“الصولجان بيده، وسيفه لن يلج غمده. ذلك قدره حتى ينطفئ، ويبرد جسده بعيدا عن عرشه. لا تاج يليق به، ما لم يكن مرصّعا بعيون الغرماء، ومغسولا بدماء أبنائه الذين ينسلهم مع العواصف، وينثرهم في الجهات”.
….
زحفت العجوز الظل بتؤدة، وهي تفحّ كأنها ريح بين درفات النوافذ الموصدة: “سيكون وحيدا. رأسه الذي بحجم ستة أيام وسبع ليالٍ، سيحمل من الأسرار والدسائس ما لا تقوى عليه الجبال، ولا تطيقه وديانها”.
لائذة بالعجوز الشجرة، هسهست العجوز الظل: “لن يعرف السكينة، وعيناه لن تلتقي أجفانهما أبدا”، ومضت تردد اسمه الذي يتوهج كمشعل، بينما كان ماكثا خلف ظله، ينفض ما علق بعباءته من بقايا الحرب.
….
قالت العجوز الصورة وهي تخرج من نهر الدم:
“نهاره الذي يريه وجهه، سيقتله غيلة في الليل، هكذا ستمضي سنواته، سيكون بابه مغلقا عليه، ولن يعرف من الحب سوى الخيانة، ومن الفضيلة لن يعرف سوى اسمها الذي سيمحوه بأظفار يديه”.
…..
كان مكبث غير بعيد، يسمع ويرى، وفي يده سيفه الذي تعثر عليه مسيل ضوء الشمس التي أشرقت رويدا، وقد صار الدم على نصله أسود، وكذلك قلبه.
———-
ساحرات مكبث 2

على موعد لا بديل عنه، في الزمان نفسه، والمكان عينه، التقت المرأة الغراب، بالمرأة العقرب، والمرأة الذئب.
كان القمر قديما وشاحبا، تتعثر جدائله بشجر الغابةالتي كأنها مرسومة بالرماد، وكان أنين الحرب المديد، يترجّع في الأودية، قبل أن تكسر رعدته طعنات الرحمة التي يهبها المنتصرون لأعدائهم وأصدقائهم، قليلي الحظ، على السواء، فلا يسمع حينئذ سوى ذلك الوطء الحذر على الأحراش.
….
قالت المرأة الغراب وهي تنزل من غيمتها، كما لو تدلت بحبل من ضوء: “رأيته مزهوا بمجده، وفي رأسه يلوح حلم أشد قسوة من الهزيمة. رأيته واقفا في ظلام سحيق، عيناه مخيطتان، وفمه بئر تخرج منها أفاع من نار. رأيته على هيأته تلك، وقد سرق التاج، واعتلى العرش”.
….
من العدم انبثقت المرأة العقرب، فجفلت الغابة، وتراجع الفجر خطوة، وأصغى الليل لكلماتها المنقوعة بالسم: “إنه ثمرتي الشائكة، سألقي على قلبه لذائذ العمى، وأترك عينيه تشتعلان بلا ندم، سيكون له يده التي تقول وتصغي لها الممالك، وسيكون له خنجره الصامت الذي يفتح الأبواب عنوة، ويحوز الخزائن. إنه خنجري الذي لا يراه حيٌّ سواه، إلا مرة واحدة”.
….
تسبقه ويسبقها العواء، وثبت المرأة الذئب، وفي عينيها جمرتان، وشفتاها من دم. فركت جلدها بالليل الموشك على الموت، ولعقت رذاذ القمر العالق بأغصان الأشجار وسيقانها، ثم قالت: “غاية ما تقبضه كفاه هو الموت، ثيابه موت، وتاجه موت، سريره موت، وزوجه موت، ولن يولد له سوى الموت. أسمع خطواته تقترب، وأشم سريرته التي تخبئ في نطاقه نصل الموت”.
….
هنا، في تلك اللحظة توقف مكبث، كان أصغى لرؤى الشؤم التي نثرتها ساحراته بين يديه. توقف برهة، أغمض عينيه، وملأ صدره بنسيم الفجر الملتاث برائحة الدم المحترق، ثم عاد أدراجه برشاقة فهد، متحسسا خنجر الغدر تحت ثيابه.
***

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.