.
حسين علي يونس
قبل أشهر قرأتُ عملًا رائعًا، لا أعتقد أنّ أحدًا من أساطين ناثرينا الكبار كتب ما يضاهيه في حيوية لغته وجمال أسلوبه.
هذا العمل كتبه فنان ديكور اهتمّ بالمسرح والتمثيل، يُدعى غانم بابان، وجد نفسه في خانة اليسار العراقي، فعاش حياته منفيًّا ومشرّدًا في عدة دول أجنبية، بسبب نزوات دكتاتور اسمه صدام، حكم العراق بالحديد والنار.
لم يكن غانم بابان عَلَمًا يُشار إليه بالبنان، لكنه وضع كتابًا واحدًا، لم يكتب غيره، هو ” أسفار التيه العراقي” دوّن فيه سيرته الحياتية، فكتبها كما تُكتب الرواية.
حال شروعـي بقراءة كتابه، تذكّرت فردينان سيلين، الكاتب الذي عاش منفيًّا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم عاد في نهاية حياته ليعيش في جنوب فرنسا، مهمَلًا بسبب مواقفه السياسية.
تذكّرت كتابه الخالد والمؤثّر “رحلة إلى أقاصي الليل ”
وحين انتهيت من قراءة كتاب بابان، شعرت بندمٍ كبير، لأنني لم أتعرّف إلى هذا الرجل، رغم أنّني كنت أراه يتجوّل بعد عودته من المنفى مع بعض الأصدقاء المشتركين بيننا ، إلى أن نُشر كتابه الرائع بجهود أصدقائه ومعارفه، الذين تكفّلوا بطباعته على نفقتهم الخاصة بعد رحيله بشهر أو شهرين.
قلت لنفسي: لقد أخطأ الرجل في تجنيس عمله؛
فما كان عليه إلّا أن يكتب على غلاف كتابه كلمة ” رواية”
ليكون عملًا خالدًا على رفّ ذاكرة الرواية العراقية الشحيحة.
هل سيحفظ اسمُ غانم بابان شبه المجهول كتابَه؟
أم أنّ كتابه هو الذي سيحفظ اسمه؟
هذا ما نأمله للرجل
الذي مرّ في العالم
وترك أثرًا
لا يُمحى.

أضف تعليق