القصيدة: إلفريده يلينيك
الترجمة والتحشية والتعليق: حكمت الحاج *
جلّادٌ شبق
مُستثار
بلا رحمة
ظلّ
يفلت
وينسلّ
المساء
هو
أو
أنتَ
مرّة
أخرى
تُخرج
سمكةً
زرقاء
بطنها
الأزرق
لتفضح
السمكة
الزرقاء
أعلى
أسفل
ثم
ليل
لكن
اخرج
يا “غوته”
اخرج،
هذا المساء
لا يحتمل
الوزن
ولا الحكمة
ولا القافية.
الهامش:/
ظهرت إلفريده يلينيك لأول مرة بمجموعة من القصائد الراديكالية التي تمزج ما بين الحكايات الشعبية الألمانية، وبين آرثر رامبو، وإعلانات مزيل العرق، وتجعلنا “نتذوّق الدم الحامض للشمس”.
يضم كتاب “تحت جلد الصباح” مختارات من قصائد يلينيك المكتوبة بين عامي 1966–1968، صادر عن دار “موديرنستا” للنشر باستوكهولم، وقامت بترجمتها الشاعرة السويدية صوفيا ستينستروم.
إن هذه النصوص تحتوي على قدر كبير من القسوة المميّزة لإلفريده يلينيك، لكنها تتضمن أيضًا خفّة غير مُقلقة، وهي خفّة نادرة في الأعمال التي ستجعلها لاحقًا كاتبة معترفًا بها عالميا وعلى نطاق واسع.
وُلدت إلفريده يلينيك عام 1946 في مورزتسوشلاغ، النمسا، وهي كاتبة مسرحية وروائية وشاعرة. نالت جائزة نوبل للآداب عام 2004.
التحشية:/
«لغتي تناديني من الجانب، تناديني إلى الجانب، تنادي على أيّ حال من الجانب، ولا تحتاج إلى أن تُصيب بدقة، ولا تحتاج أصلًا إلى ذلك، لأنّها تُحقق غايتها من خلال ألّا تقول شيئًا، بل أن تتكلم بصرامة المسافة»، كما يقول هايدغر عن تراكل، هكذا قالت يلينيك في كلمتها التي ألقتها عند تسلّمها جائزة نوبل للآداب عام 2004.
اللغة تنادي بلا شك، سواء الكاتب أم القارئ، وربما يصبح المرء أثناء القراءة، أكثر مما هو عند قراءة قصيدة أكثر استرضاءً. في البداية يكون القارئ سلبيًا، لكن بعد القراءة يصبح النص حرًّا في أن ينفجر، إن أراد.
على القارئ أن يتوقّع أن يُساء التعامل معه قليلًا من قبل لغة يلينيك وطاقتها الشعورية، وأن يكون داخل عالم الكتاب، وأن يُساءَل بوصفه قارئًا.
إن البقاء زمنًا طويلًا داخل لغة هجومية كهذه لدى يلينيك كان أمرًا مُزعجًا ومُلهمًا في آن واحد، لي أنا، وللمترجمة السويدية. فالقصيدة تضرب بحيث تفرض، من خلال مزاجها الخاص، شيئًا ينبغي متابعته. إنها لا تترك القارئ في سلام.
“لذا لا راحة الآن! فهنا أصداء يلينيك الشعرية الشبابية في صداها السويدي: بعض النبرات خافتة، وأخرى بارزة، وأخرى منكشفة وقد تغيّرت”، كما كتبت صوفيا ستينستروم في مقدمتها للكتاب.
التعليق:/
القصيدة بوصفها حادثة لغوية: هكذا أصف قراءتي في قصيدة «المساء» لإلفريده يلينيك، بحكم كوني مترجما لها إلى العربية. وهي تُقرأ لا بوصفها نصًا شعريا مكتمل البنية، بل باعتبارها حادثة لغوية قصيرة، كثيفة، تتعمّد إيقاف المعنى قبل اكتماله. إنها قصيدة لا تبدأ من صورة ولا تنتهي بدلالة، بل تتحرّك عبر ضربات لفظية متتابعة، كما لو أنّ اللغة نفسها تتقدّم خطوة ثم تتراجع، تاركة أثرها جارحًا.
هذا المنطق يتطابق بدقة مع ما تصفه المترجمة السويدية صوفيا ستينستروم في مقدّمتها حين تشير إلى لغة الشاعرة بوصفها «قرعًا عنيدًا» لا يُخضع القارئ بل يعرّض به ويسيء إليه. فـ«المساء» لا تسعى إلى بناء مشهد، بل إلى توليد توتّر: توتّر بين العنف والكشف، بين الجسد والمرجع، وبين الحاضر الشعري والسلطة الكلاسيكية.
تبدأ القصيدة بصورة «الجلّاد الشبق المُستثار»؛ صورة لا تُحيل إلى مجاز أخلاقي بقدر ما تضع القارئ مباشرة أمام طاقة عارية، حيوانية، غير قابلة للترويض. ثم تنتقل فجأة إلى «السمكة الزرقاء» التي «تفضح بطنها الأزرق». هنا لا تعمل الصورة بوصفها رمزًا، بل بوصفها كشفًا جسديًا: عرضٌ، تعرية، انفضاح. اللغة لا تصف، بل تُجبر الصورة على الظهور.
هذا الانتقال الصادم بين مجالين غير متجانسين -العقاب والجسد- يُجسّد ما أشارت إليه مقدمة الكتاب من مزجٍ فجّ بين العالي والمنخفض، بين العنف والرقة، وبين الثقافة الرفيعة ومفردات الإعلان والاستهلاك. القصيدة لا تُوفّق بين هذه العناصر؛ إنها تضعها في حالة تصادم مباشر.
في هذا السياق، تأتي الجملة الشعرية بصيغة الأمر: «اخرج يا غوته اخرج» بوصفها ذروة السلبية للقصيدة. ليس الاستدعاء هنا تكريمًا ولا حوارًا مع التقليد، بل طردًا صريحًا للمرجع الكلاسيكي. غوته، بوصفه رمزًا للشعر المنضبط والموزون، يُقصى من «المساء» لأن هذا المساء لا يحتمل الوزن ولا الحكمة ولا الاكتمال. الأمر هنا ليس موقفًا ثقافيًا فحسب، بل إجراء لغوي: إخراج المرجع من النص كي تبقى اللغة وحدها، بلا أسانيد.
تزداد دلالة هذا الموقف حين نضع القصيدة ضمن إطار العنوان الأصلي للديوان: Gedichte (قصائد). عنوان محايد، بارد، يكاد يكون إداريًا، ينزع عن الشعر هالته ويقدّمه بوصفه تصنيفًا لا وعدًا. في المقابل، اختارت الترجمة السويدية عنوانًا مختلفًا تمامًا: under morgonens bila (تحت جلد الصباح)، وهو عنوان حسيّ، جسدي، يفتح أفق التلقي على مستوى التجربة لا النوع الأدبي.
قصيدة «المساء» تعيش داخل هذا التوتر: لقد كُتبت بروح Gedichte -الاقتصاد، القسوة، ورفض الزخرفة- لكنها تُقرأ تحت مظلّة عنوان يَعِدُ بالجسد والكشف. هذا التحوّل ليس خيانة للنص، بل خيانة ضرورية تُعيد توزيع العنف على القارئ، وتُهيّئه لتحمّل الضربة.
أما من حيث السياق التاريخي، فإن هذه القصيدة تنتمي بوضوح إلى المرحلة الشعرية المبكرة لـ إلفريده يلينيك، حيث يظهر ولاؤها الجمالي لرامبو لا على مستوى الاستعارة فحسب، بل على مستوى الموقف من اللغة ككل. ومثلما الأمر عند رامبو المتأخر، لا تُستخدم اللغة هنا للتعبير، بل للتخريب؛ وليس لبناء المعنى، بل لفضح المعنى. ومن هنا يمكن فهم هذه القصيدة بوصفها تمرينًا مبكرًا على ما ستفعله يلينيك لاحقًا في أعمالها الكبرى: تفكيك اللغة من داخلها، واستخدام الشعر لا ليُنقذ المعنى، بل ليكشف عُريه.
بهذا الوضوح، تكون «المساء» قصيدة ليست لتُقرأ بهدوء، بل لتُلقى في وجه القارئ. أو على حد تعبير صوفيا ستينستروم، هي قصيدة تبصق في وجه القاريء، ولا تُسألُ عمّا تعنيه، بل عمّا تفعله. إنها بهذا التحديد، تضع نفسها في صميم المشروع الشعري الذي سيقود إلفريده يلينيك لاحقًا إلى تفجير اللغة ذاتها من داخلها، في مسرحياتها وفي رواياتها الكبرى، مثل تحفتها “العاشقات”: لغة تعرف منذ البداية أنّها لا تُنقذ أحدًا، ولن تفعل ذلك.
(ح. ح)

أضف تعليق