بقلم: حكمت الحاج *
كانت “سمية” زميلتي أيام الدراسة في “المعهد العالي لفنون السينما والتلفزيون” ولم تتعد علاقتنا حينها حدود الزمالة، لذلك، وربما لهذا السبب، فقد حافظنا على علاقتنا الجميلة المتوازنة طيلة تلك السنوات. ورغم ان الحياة العملية وخطط المستقبل فرقتنا، إلا أنني بقيت محافظا على التواصل مع سمية، واللقاء بها بين فينة وأخرى، على غداء سريع، او عشاء عمل نناقش فيه مشاريع ربما ينفع أحدها لكي نشتغله معا.
وذات عشية، وجدت “سمية” تتصل بي وتطلب لقائي على جناح السرعة، للضرورة والأهمية، كما قالت وهي تحدد الميعاد والمكان.
وهكذا التقينا.
قالت لي “سمية” وبدون مقدمات أن لها صديقة عزيزة عليها، هي بمثابة أخت لها بل وأكثر، وهي في أمَسِّ الحاجة إلى مساعدتي ومشورتي.
– لكن يا سمية يا عزيزتي، لقد أغلقت ورشة “المسرد” للكتابة الدرامية منذ زمن، وجاءت العمليات التي أجريتها على عيني اليمنى لكي تؤكد تركي للورشة، علاوة على الفشل المالي الذي لاحقني كلعنة، لذلك لا أجدني مفيدا لك ولا لصديقتك المحترمة بكل تأكيد.
لقد كان والدي رحمه الله يقول: إذا ألحت المرأة عليك في موضوع ما، فكل ما عليك فعله هو أن تستسلم لها بهدوء، أو أن تلوذ بالفرار بسرعة.
وهكذا تعرفت على “قدم الورد”.
ومع أول لقاء ثلاثي لنا في ورشتي التي كانت شبه مغلقة منذ مدة، كفتني “قدم الورد” مؤونة السؤال عن معنى اسمها الغريب نوعا ما.
قالت لنا يومها إن أباها سماها في الأول “قدم خير” وهو اسم يستعمله أكراد كردستان العراق لإطلاقه على مواليدهم من الإناث، ثم تغير بفعل النقاشات واعتراضات أمي وأخواتها إلى “قدم سعد”، ثم تغير إلى “قدم السعد” وذاك تماشيا مع عروبة وأصالة عائلتنا، ولكن، وبقدرة قادر، وبعد زيارة جدي لأبي لنا للتهنئة بميلادي، استقر الجميع على أن اسمي سيكون في العائلة وفي بيان الولادة وفي كل الوثائق الرسمية، “قدم الورد”.
ولم ننتظر طويلا لموعد تال في يوم ثان، بل اقترحت “سمية” أن نبدأ بالعمل اليوم، وعلى الفور، وقالت وهي تشير إليها بنظرة محفزة إن “قدم الورد” جاهزة تماما لكي نبدأ. أليس كذلك؟
وفرشنا على الطاولة المستطيلة أوراقنا وبعثرنا فوقها أقلامنا الملونة، وباقي مكونات علب القرطاسية لكل منا، ورجتنا “سمية” أن نغلق هواتفنا النقالة أو أن نضعها في وضع الصامت في الأقل تلافيا لقطع حبال التركيز.
وبدأنا بالسيناريو الأول..
سيناريو بعنوان “وجدان”.
– [ ] في مدينة “تاء” الصاخبة، عاشت امرأة شابة تدعى “قدم السعد”. كانت صانعة أفلام موهوبة ولديها عين ثاقبة للتفاصيل وشغف برواية القصص. كان مشروع “قدم السعد” الأخير عبارة عن فيلم وثائقي عن تعقيدات العلاقات الإنسانية، مع التركيز على الخطوط غير الواضحة بين الحقيقة والوهم.
وعندما تعمّقت “قدم السعد” في بحثها، وجدت نفسها تتساءل عن طبيعة الحقيقة. ما هي الحقيقة، وكيف نحددها في عالم مليء بالأكاذيب وأنصاف الحقائق؟ راودت هذه الأسئلة ذهنها عندما شرعت في تصوير جوهر المشاعر الإنسانية في فيلم روائي قصير.
لم تكن “قدم السعد” تعلم أن حياتها الخاصة سرعان ما ستصبح نسيج عنكبوت مقدس في شبكة من الغدر والخداع والخيانة والحسرة. وبينما كانت تبحر في المياه العكرة للحب والخسارة، ستواجه الحقائق القاسية للتجربة الإنسانية وجهاً لوجه.
جلست “قدم السعد” في غرفة تجارب الأداء ذات الإضاءة الخافتة، وكانت الكاميرا مثبتة على كتفها وهي تراقب الممثلين الطموحين وهم يؤدون مشاهدهم. كانت تراقب باهتمام، باحثة عن تلك الشرارة من العاطفة الجياشة التي من شأنها أن تبعث الحياة في فيلمها الأول.
عندما غادر آخر ممثل في تجربة الأداء الغرفة، أطلقت “قدم السعد” تنهيدة حزينة، وفركت عينيها المتعبتين. لم يتمكن أي منهم من التقاط جوهر الشخصية التي كانت تفكر فيها. كانت قد بدأت تفقد الأمل عندما دخل رجل طويل القامة أشقر الشعر، يفوح عطره من بعيد.
كان اسمه “وجدان”. وكان هناك شيء ما في الطريقة التي كان يحمل بها نفسه للفت انتباه “قدم السعد”. وعندما بدأ في إلقاء سطور دوره، شعرت “قدم السعد” برعشة تسري في عمودها الفقري، وقطرة عرق تنزل من إبطها الأيسر نحو مجاهل غابة الجسد. كان هذا هو. كان هذا هو الممثل الذي كانت تبحث عنه.
عندما بدأ التصوير، سرعان ما أدركت “قدم السعد” أن “وجدان” كان أكثر مما تراه العين. فقد انغمس في الدور بشغف يكاد يكون مخيفًا، مما أضفى إحساسًا بالأصالة على الشخصية لم تتوقعه “قدم السعد” أبدا.
ولكن مع مرور الأيام، بدأت “قدم السعد” تلاحظ تناقضات خفية في سلوك “وجدان”. كانت هناك لحظات يختفي فيها لساعات متتالية ليعود بلمعة غامضة في عينيه، وقلق. اضح. ثم كانت هناك الهمسات التي كانت تلاحقه أينما ذهب، وشائعات عن علاقة غرامية شاذة وفاضحة هددت بأن تلقي بظلالها على الفيلم نفسه.
شرعت “قدم السعد”، المصممة على كشف الحقيقة مهما كان الثمن، في رحلة ستقودها إلى طريق مظلم وملتوٍ. ومع كل اكتشاف، وجدت نفسها منجذبة أكثر فأكثر إلى شبكة من الخداع والخيانة التي من شأنها أن تختبر حدود عقلها.
وعندما قامت بتجميع أجزاء ماضي “وجدان”، كشفت عن قصة حب وخسارة، وعاطفة وخيانة. عرفت الشياطين التي كانت تطارده، والأسرار التي أخفاها عن العالم.
لكن لا شيء كان يمكن أن يهيئها للحقيقة النهائية، الكشف الذي من شأنه أن يحطم كل ما كانت تعتقد أنها تعرفه. عندما واجهت “وجدان” في المشهد الأخير والحاسم، أُجبرت على مواجهة الظلام الكامن في قلبها.
في النهاية، أدركت “قدم السعد” أن الخط الفاصل بين الحقيقة والخداع لم يكن واضحًا دائمًا. في بعض الأحيان، تكون أعظم الخدع هي تلك التي نقولها لأنفسنا، الأكاذيب التي نصدقها لنحمي أنفسنا من حقائق الحياة القاسية.
بينما كانت “قدم السعد” تنظر إلى أفق المدينة، والكاميرا إلى جانبها، كانت تعلم أن فيلمها لن يكون كما كان. لم يعد الفيلم مجرد قصة عن العلاقات الإنسانية، بل أصبح انعكاسًا لرحلتها الخاصة عبر شبكة متشابكة من الحقيقة والخديعة.
وبينما كانت تشاهد النسخة النهائية من الفيلم الروائي الطويل هذه المرة، أدركت أن أقوى القصص أحيانًا هي تلك التي تجبرنا على مواجهة أعمق مخاوفنا ورغباتنا. في النهاية، لم تكن الحقيقة في حد ذاتها هي المهمة، بل الرحلة التي قمنا بها للعثور عليها.
وهكذا، استمرت “قدم الورد” في تأليف السيناريوهارت و سرد القصص والحكايات، كل واحدة منها عبارة عن نسيج من الضوء والظل، والحقيقة والخداع، منسوجة معًا في رقصة الحياة المعقدة، وبقينا معها نعاضدها في مشاريعها الفنية لعلها بذلك تستطيع مكاشفة ماضيها وتفتيته ومن ثم رميه خارج الحلبة، ليكون الفن وحده شاهدا على الحقيقة.
أضف تعليق