كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

بيتُ المجاز: حينُ تصير القصيدةُ وطنًا..

متابعة: عبداللطيف الدلال

تونس 27 ديسمبر 2025 – النادي الثقافي الطاهر الحداد

احتضن النادي الثقافي الطاهر الحداد الأمسية الثانية من تظاهرة » بيت المجاز «، التي ينظمها بيت الشعر التونسي في الفترة من 25 إلى 28 ديسمبر 2025، ليؤكد مرة أخرى قدرة القصيدة على جمع الأرواح حول الجمال، واستنهاض الأسئلة الكبرى، وتجسيد الانتماء العميق للأرض والإنسان. كانت الأمسية لوحة حية من التفاعل الثقافي، ثمرة شراكة متينة مع هذا الصرح العريق، منارة الفكر الحر وحاضنة الكلمة الجريئة، حيث اجتمع شعراء ونقّاد وفنانون وجمهور مخلص للشعر، ليمنحوا للكلمة شرعيتها الحيّة ويعيدوا الاعتبار لدورها في زمن يكتنفه الضجيج وتغيب فيه الأصوات الملتزمة.
افتُتحت الأمسية بكلمات ترحيب من مقدم اللقاء، الذي أبرز الشعر كفعل مقاومة جمالية، مؤكدًا على الدور المستمر لبيت الشعر التونسي في صيانة الذاكرة الشعرية الوطنية، وفي خلق فضاءات تحتفي بالاختلاف والتجريب، حيث يُصهر النص الشعري في بوتقة الحرية والإبداع. ثم كانت الكلمة الرسمية للسيد أحمد شاكر بن ضية، مدير بيت الشعر التونسي، الذي سلط الضوء على أهمية التعاون الثقافي في دعم الفعل الشعري، مشددًا على أنّ الشعر ظل وسيظل أحد أعمدة الوعي والحرية، وأن تظاهرة بيت المجاز تمثل مشروعًا ثقافيًا متجدّدًا، يعيد للشعر مكانته في الفضاء العام ويمنحه القدرة على الحوار مع المجتمع، ليس فقط كفن، بل كرافعة للتفكير والتأمل والالتزام الجمالي والإنساني.
هذه الأمسية لم تكن مجرد حدث شعري، بل كانت احتفاءً بالكلمة الحية، وشهادة على أن الشعر قادر على مقاومة الضوضاء، وأن الفعل الثقافي لا يقتصر على العرض، بل يمتد ليكون نبضًا حضوريًا في تاريخ الوعي الجمعي، ورسالة دائمة للتجديد والإبداع.
قراءة نقدية في تجربة شاعر الأرض والوطن
وشكّلت المداخلة الفكرية للأستاذ مراد الخضراوي، تحت عنوان» حسين العوري: شاعر الأرض والوطن «، إحدى المحطات البارزة في الأمسية، حيث قدّم قراءة نقدية معمّقة، توقّفت عند الخصوصية الجمالية والفكرية لتجربة الشاعر حسين العوري، معتبرًا إياها تجربة شعرية متجذّرة في الأرض، متشابكة مع الذاكرة الجماعية، ومحمّلة بوعي الأسئلة الكبرى للوطن والإنسان.
أضاء الخضراوي على مستويات البناء الشعري المتعددة في نصوص العوري، من اللغة إلى الصورة، ومن الموسيقى الداخلية إلى الرمزية الدقيقة، مسلّطًا الضوء على التحوّلات التي تطرأ على المفردة والتراكيب في إطار رؤية متماسكة وصادقة. وقد أظهر كيف ظلّ الشاعر وفيًّا للالتزام بالكلمة، لا بوصفها مجرد أداة للتعبير الفني، بل كفاعل نقدي وأخلاقي يحمل في شعره مرآة المجتمع ووجدان الأمة، في مسار شعري يتقاطع فيه الذاتي بالعمومي، والوجد بالهمّ القومي، مما يجعل تجربة حسين العوري نموذجًا حيًا للشعر المنحاز للحق والجمال في آن واحد.
تكريم… لحظة وفاء واعتراف
وفي أجواء مشبعة بالتقدير والاحتفاء، خُصّصت فقرة بارزة لتكريم الشاعر الدكتور حسين العوري، أحد أبرز الأصوات الشعرية والنقدية في تونس والعالم العربي. لم يكن هذا التكريم مجرد احتفاء بالسيرة الذاتية، بل كان اعترافًا عميقًا بمسار إبداعي امتد لعقود، أسهم في ترسيخ الشعر الحديث، وتعميق البحث النقدي، وإثراء التكوين الجامعي. وقد تمت استعادة محطات سيرته العلمية والفكرية والإبداعية الحافلة، قبل أن يتسلّم درع التكريم من مدير بيت الشعر التونسي، وسط تصفيق حار عبّر عن مكانته الرفيعة في الوجدان الثقافي، وعن اعتراف المجتمع الشعري بمساهماته الجليّة.
وتولّى الشاعر المحتفى به إلقاء كلمة بالمناسبة، جسّد فيها رؤيته الشعرية الفريدة، تلتها قراءة شعرية استحضرت صوته المتميز، حيث تلتقي اللغة بالأرض، والذاكرة بالحلم، في فضاء شعري يدمج بين الانتماء والوجدان، ويجعل من الكلمة فعلًا حيًا يتجاوز حدود الورق ليصبح حضورًا روحيًا متجددًا في المشهد الثقافي.
حين تتجاور الموسيقى والشعر
تخلّلت الأمسية مداخلات موسيقية متميزة للفنان والشاعر الفلسطيني أحمد القريناوي، شكلت جسورًا حسّية دقيقة بين الفكر والنغمة، وبين النص الشعري والصوت، لتعيد تشكيل الفضاء الشعري إلى تجربة متكاملة. وقد أضفت هذه اللوحات الموسيقية هدوءًا وعمقًا جماليًا، مسهّلة تفاعل الحضور مع النصوص، ومؤكدة على وحدة الفنون في مشهد إبداعي متناغم، حيث تتحوّل الموسيقى إلى امتداد طبيعي للقصيدة، تغذيها بالروح، وتفتح آفاقًا جديدة للتلقي والتأمل.

فسيفساء شعرية متنوّعة
وشهدت الأمسية فقرتين شعريتين بارزتين، جسّدت تنوّع التجارب والأصوات الشعرية، فكانت القصيدة فيها فسيفساء متألقة من الرؤى والأساليب. ففي الفقرة الأولى، أطربت الحضور قراءات كلّ من راوية جراد، النوري قم، وصلاح داود، حيث تحركت النصوص بين البعد الوجداني والبعد الوطني، وبين الخصوصية الذاتية والانتماء الجماعي، لتكشف عن قدرة الشعر على استيعاب تضادات التجربة الإنسانية وتحويلها إلى جسر من الإحساس والمعنى.
أما الفقرة الشعرية الثانية، فقد جمعت عبير الكوكي ورحيم بن عامر، في قراءات امتزجت فيها الحساسية الدقيقة بالعمق الفلسفي، حيث تتقاطع الذات مع العالم، ويصبح السؤال الإنساني محورًا شعوريًا وأخلاقيًا، فتتجسد القصيدة في أبهى صورها كمساحة للتأمل والتفاعل، لا مجرد لغة تُقرأ، بل تجربة تُعاش وتترك أثرها في وجدان الحضور.
اختتام على وعد الشعر
وفي ختام الأمسية، وجّه المنظمون أسمى آيات الشكر والامتنان إلى النادي الثقافي الطاهر الحداد، وإلى جميع الشعراء والفنانين والمشاركين الذين منحوا الفضاء هذا النبض الإبداعي، وإلى الجمهور الذي أكّد من خلال حضوره أنّ الشعر ما زال بيتًا مفتوحًا لكلّ الباحثين عن الجمال والمعنى.
وهكذا، أسدل بيت المجاز ستاره على أمسية أخرى من أمسيات الوفاء للكلمة، حيث ظلّ الشعر، كما كان دائمًا، مساحةً للحرية، ومرآةً للذات الإنسانية، ووطنًا لا يُغلق بابه أمام أي باحث عن الصدق والجمال. في هذا الفضاء، تتحوّل اللغة إلى فعل مقاومة، ويصبح الحضور شعورًا جماعيًا، تتلاقى فيه الموسيقى بالنص، والفكر بالوجدان، لتؤكد أن القصيدة ليست مجرد نص يُقرأ، بل تجربة حياة تُستشعر في أعماق الروح.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.