الرواية العراقية، أم الرواية في العراق؟
بقلم: حكمت الحاج *
منذ أن رُفِعت الأقلام عن العراق، وجفَّت الصحف، وسُمح للخراب أن يُملي خطابه، كُتب الكثير الكثير من السرود، لكن لم تُكتب “الرواية العراقية” بعدُ.
هذا ليس حكمًا قاسيًا، بل هو نداء للتفكير خارج خط الاستفهام الذي صاغته هيئة تحرير مجلة “الأقلام” الموقرة حين تسأل: هل لدينا رواية عراقية بعد العام 2003؟ وهل هي امتداد لتقاليد الرواية المؤسسة من قبيل “النخلة والجيران”، و “سابع أيام الخلق”؟
أولاً، وقبل كل شيء، ما من رواية “عراقية” إلا بوصف العراق نفسه سؤالًا، لا جوابًا. إذ إن الرواية، بوصفها جنسًا أدبيًا حديثًا، ليست مرآة لواقع ما، بل هي اشتغال على “شكل” هذا الواقع، أي محاولة لتركيبه سرديًا، لا لنقله توثيقيًا. ما جرى بعد العام 2003 هو أن العراق كواقع قد انكسر إلى شظايا رمزية، وحين يحدث هذا، لا تعود الرواية امتدادًا لما سبق، بل قطيعة بنيوية معه، إن لم نقل قطيعة معرفية، بالأشمل.
* بين الرواية والرواة: من التمثيل إلى التهشيم *
الرواية العراقية قبل 2003 كانت – برغم حداثتها الشكلية أحيانًا – تحاول أن تنقل “صوتًا” وطنيًا، أو ما يمكن تسميته بـ “منظومة سردية مركزية” إزاء العالم. حتى عند جبرا ابراهيم جبرا، فؤاد التكرلي، أو محمد خضير، كنا نرى حنينًا إلى الوطن، إلى وحدة الحكاية، إلى مركزية الرؤية، حتى لو تشظى الزمن أو تفككت البنى. كانت الرواية، بمعنى من المعاني، تمثّل العراق، تتحدث عنه، تسرده.
أما بعد 2003، عام الغزو، فالرواية لم تعد “عن العراق”، بل “في العراق” ، أو على أنقاض العراق. وهذا فارق جوهري. لقد تغير موقع الراوي نفسه: لم يعد الراوي شاهدًا على التحول، بل بات ذاته موضع الانكسار. لم يعد الراوي الحكّاء يسرد من موقع خارج الحطام، بل صار يروي من داخله. إنه لم يعد يسمي الأشياء، بل يتلعثم بها.
* “ما بعد الحداثة”، أم “ما بعد العراق”؟*
الرواية في العراق بعد الاحتلال الأميركي له، ليست مجرد “امتداد” تاريخي لما قبلها، بل هي خروج على هذا الامتداد. إنها كتابة تحت وطأة التفكك: تفكك الجغرافيا، تفكك الهوية، تفكك اللغة، تفكك المرجعيات، الخ. ولهذا، فهي ليست “ما بعد حداثية” فحسب، بل هي “ما بعد وطنية”، “ما بعد سردية”، وربما – أحيانًا – “ما بعد أخلاقية”.
لقد تحوّلت بغداد في هذه الروايات إلى فضاء عدمي، لا وجود فيه لمركز، ولا لسلطة تُنظم المعنى. في روايات سنان أنطون، محسن الرملي، أحمد سعداوي، إنعام كچه چي، وحتى نجم والي، نرى مثلا هذا التبدد المتكرر: المدن تذوب، الشخصيات تتعدد وتتقنع، الموت يصبح يوميًا حتى في اللغة، والواقع يختلط بالكوابيس. الرواية لم تعد تروي، بل تتقيأ.
* الرواية بوصفها “جريمة جماليات”*
إذا كانت الروايات المؤسسة للسرد العراقي قبل 2003 قد مارست نوعًا من الالتزام الأخلاقي/ الجمالي تجاه المكان، فإن ما نراه بعد 2003 هو التمرد الكامل على هذه “الآداب” والمواضعات. فالرواية الآن تكتب العراق بوصفه جريمة مستمرة. لقد ألغت مركزية البطولة، هجّرت الذات من النص، وفتّتت السرد لصالح مشهدية تواطئية. أصبحت الرواية مسرحًا للضحية والجلاد معًا، بلا إمكانية تمييز بينهما، ولو بشيء من الرحمة.
هل هذا سيء؟
على العكس. إنه وعي جديد يتشكل بأن الرواية ليست وثيقة بل أن الرواية أداء. إنها ليست سردًا للحقائق بل تفكيك لأوهام الحقيقة. وهذا يتسق تمامًا مع تحولات “ما بعد الكارثة” التي يعيشها العراق. فكما قال والتر بنجامين: “الرواية تتوقف حين تتوقف التجربة التشاركية”، والتجربة العراقية التشاركية قد انهارت بعد 2003، لذلك فالرواية لم تعد حكاية، بل أضحت شظايا سردية.
* رواية الجثة من “النخلة والجيران” إلى “فرانكشتاين في بغداد”*
إن المقارنة ما بين الروايات المؤسسة للسرد العراقي، وبين ما تلا العام 2003 ليست مقارنة في المستوى الفني بقدر ما هي مقارنة في الرؤى. كانت “النخلة والجيران” لغائب طعمة فرمان رواية عن الطبقة الشعبية الكادحة في مدينة تواجه التحولات الاجتماعية الكبرى. بينما جاءت “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي رواية عن جسد مركب من أشلاء القتلى يحاول أن يستعيد العدالة. أيهما أقرب إلى العراق اليوم؟ فرمان أم السعداوي؟ الجواب المرعب هو: “فرانكشتاين.. هو الأقرب”، بطبيعة الحال.
لكن المفارقة أن فرانكشتاين هُو العراق، لا بطله. فالرواية تحوّلت من خطاب إلى جثة. من مشروع حداثي إلى تشريح لليومي. وهذا يتطلب منا، كممارسين للنقد، أن ننتقل من تحليل المحتوى إلى تحليل الوظيفة، بالاستعانة قليلا بغريماس ومربعه النقدي الشهير. أي: علينا أن نسأل ما الذي تفعله هذه الروايات، لا ما الذي تقوله.
* رواية بلا هوية؟ أم هوية بلا رواية؟*
بعض النقاد يتحدثون عن “ضياع الهوية” في الرواية العراقية ما بعد 2003، ولكن ربما الأجدر بنا أن نعكس السؤال: أليست الرواية بعد 2003 قد بدأت أخيرًا تصوغ هويتها بوصفها سؤالًا لا جوابًا؟ أليست هي التجربة الجمالية الأولى التي تعترف بتشظي العراق جغرافيا وتاريخيا وطبقيا وهُوويا، بدلًا من محاولات ترقيعه رمزيًا؟
إنها ليست رواية بلا هوية، بل رواية تكتب بلا سلطة معرفية سابقة. وهي بهذا تقترب من جوهر الرواية الحديثة: التشكيك، التساؤل، خيانة التقاليد، والتجريب العنيف في الشكل والمحتوى.
يجب الكف عن تلك الخرافات المستهلكة وتحرير الروائيين الجدد منها: جلال خالد، اليد والأرض والماء، في سبيل الزواج، مجنونان، الرواية السجنية، الرواية الريفية، الرواية النضالية، وكل قائمة المزاعم تلك، والتي لا تلزم أحداً إلا قائلها. الرواية ببساطة هي ابنة الطبقة الوسطى صاحبة الوقت والفراغ والتعليم لكي تقرأ. فهل لديك طبقة وسطى؟ ستكون لديك رواية إذن.. وكفى!
* ختامها: الرواية بوصفها فعل مقاومة، بوصفها ضد الرواية!*
لا تنتمي الرواية العراقية بعد 2003 إلى مدرسة معينة، ولا إلى تيار بعينه. إنها ليست رواية فئة أو طائفة أو جماعة أو أيديولوجيا. إنها أشبه بفعل فردي هارب من التصنيف، ولهذا يصعب قولبة هذه التجربة تحت مفردة “ما بعد”. إنها تكتب نفسها ضد نفسها. تنفي مركزية الحكاية، وتنهار داخل اللغة.
الروايات التي يكتبها العراقيون الآن ليست امتدادًا للروايات المؤسِسة، بل هي ضدّها، بل وفي قطيعة معها. انها تؤسس لقيمة الاعتراف “بالفقدان والهجران والنفي” وليس “بالحنين”، فكفَّتْ عن أن تكون مشروعًا جمعيًا، بل جهدًا فرديًا مرتبكًا، يكتب نفسه ضد اللغة، وضد الذاكرة، ضد السلطة. وربما حتى ضد العراق نفسه. وهذا بالضبط ما تحتاجه الرواية العراقية اليوم: أن تتخلى عن الأمل الخشبي في ما يسمى “الوطن”، وأن تكتب “العراق” بوصفه أثرًا، لا موضوعًا. أن تكتبه بوصفه علاقة، لا مكانًا. أن تكتبه بوصفه حدثًا، ولكنه بكل بساطة، حدثٌ لم يحدثَ بعدُ.
حاشية:/
✅ هذه إحالات لروايات قرأناها للغرض:
1. أحمد سعداوي – فرانكشتاين في بغداد
2. محسن الرملي – حدائق الرئيس
3. سنان أنطون – وحدها شجرة الرمان
4. سعد محمد رحيم – مقتل بائع الكتب
5. إنعام كچه چي – طشاري
6. الرجع البعيد – فؤاد التكرلي
7. النخلة والجيران – غائب طعمة فرمان
# نشر هذا المقال في مجلة “الأقلام” الصادرة ببغداد خريف 2025 العدد رقم 3/ للسنة 62، وهو عدد خاص بالرواية العراقية المعاصرة.
تجدون المقال منشورا أيضا في موقع مجلة كناية الرقمية الثقافية المستقلة وفق الرابط التالي:
# هنا نسخة من المقال بصيغة پي دي أف كما ظهر في مجلة “الأقلام”، العدد المذكور أعلاه:
https://www.mediafire.com/file/qyn3wpo8bnjm0wd/%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585%25D8%25AA_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AD%25D8%25A7%25D8%25AC_%2528%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B1%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A9_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25B1%25D8%25A7%25D9%2582%25D9%258A%25D8%25A9_%25D8%25A8%25D8%25B9%25D8%25AF_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25BA%25D8%25B2%25D9%2588%2529_%25D9%2585%25D8%25AC%25D9%2584%25D8%25A9_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A3%25D9%2582%25D9%2584%25D8%25A7%25D9%2585_2025.pdf/file
أضف تعليق