كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

قصيدة، وأربعة شعراء..

التقديم والترجمة: علي بن نخي (شاعر من الكويت)

اطلعت في موقع “الحوار المتمدن” على قصيدة كتبها ونشرها باللغة الانجليزية الشاعر العراقي حكمت الحاج* بعنوان: Say Hail to Upcoming Manfa, Comrade ، مع تصدير لها يقول إن القصيدة مهداة “عمدا” إلى الشاعر العراقي أيضا حسين علي يونس، وهنالك هامش في آخر القصيدة. وما إن فرغت من قراءتها، حتى شرعت فوراً في ترجمتها دون أدنى تردد. ولم يكن إقدامي هذا محكوماً بدافعٍ عاطفيٍّ فحسب، وإنما حرّكه بعدان رئيسيان، قد لا يخلو جوهرهما من عاطفة أيضاً، الأوّل، ذاك التوقّد الخفيّ الذي استبطنته برودة الجمل في بنائها المدرسيّ المتقشف؛ لغةٌ بدت فيها القصيدة كفتاةٍ خجولة، تواري عاطفةً جامحة خشية وصمها بالضعف. والثاني، هو الطبيعة الحوارية للنص، إذ تمثل القصيدة “تنويعاً شعرياً” على سطرٍ للشاعر العزيز حسين علي يونس؛ إننا هنا إزاء “كتابةٍ على الكتابة”؛ صخرةٌ تهزّ سكون الغدير لحظة هبوطها القاع.
النبرة الهادئة في إنشاد الخسارة والفوات، هو ما لفتني في النص هذا؛ إنهيارٌ يُعلَنُ خافتاً بلا نواح، وأسطرةٌ للذاتيّ في معركةٍ يحجبها واقع مُعاش، فلا نكاد نرى شيئاً منها خارج فضاء القصيدة؛ المكمن الحميمي للكارثة. ثمة نصرٌ قادم -يعلن النص- لكنه لا يلوحُ بأيٍّ من علاماته -على النقيض- يبدو العالم متداعياً وموزّعاً على منافٍ شتى.
يأخذ المنفى هنا هيئة “التوطّن” حيناً، و”التغرّب” حيناً آخر، دون أن يستقرّ في أيٍّ منهما. إنه منفىً متحرّك، أو هكذا تتبدّى لي القصيدة؛ منافٍ مجهولة لا نعلم “الأين” أو “الحين” الذي ستأتي منه. لا توجد علامة تشير إلى نصرٍ في هذه المواجهة، التي هي ضرب من الشتات؛ مفتتح لهزيمة قادمة. لعلّ النصر في النهاية ليس قادماً من نهاية أو من تمام رحلة، أو من الموت، ولا حتى في الخلاص من الأذى، وإنما يكمن في “العَوْد”؛ خطوٌ مستمر، تشظٍ مستعاد، وذاتٌ تُستردُّ في منفى جديد.
ووجدت للقصيدة في أصلها الانجليزي بعدا تاريخيا أيضًا، يتأرجح بين السياسي والأدبي. وتحاشيًا للإيغال في تعقيدات التأويل، سأكتفي بالإشارة إلى العلامة المكانية الدالة. ثمة خيطٌ خفيّ يربط هذا النص بقصيدة الشاعر العراقي سعدي يوسف الشهيرة “تحت جدارية فائق حسن”، والدال المكاني هو “ساحة الطيران” ببغداد. افتتح سعدي قصيدته بـ “تطير الحمامات في ساحة الطيران. ارتفعنا معاً.. في سماء الحمائم..”، ويختم قصيدته بإيماءة تشبه اقتسام الإرث؛ الوطن وقد صار منفى، موزّعًا بين القتيل وطفله والمقيمين تحت الجدار. “وطني، زهرة للقتيل، وأخرى لطفل القتيل، وثالثة للمقيمين تحت الجدار”.
جدير بالذكر إن الشاعر حكمت الحاج يقيم حالياً في منفاه الأوروبي، فيما يعيش الشاعر حسين علي يونس في مسقط رأسه البغدادي.
وإليكم قرائي الأعزاء، قصيدة الشاعر حكمت الحاج باللغة الانجليزية، متبوعة بترجمتي لها إلى اللغة العربية.

Say Hail to Upcoming Manfa, Comrade..
A poem by: Hikmet Elhadj *
(This poem is deliberately dedicated to the poet Hussein Ali Younis)
We left you in the Manfa, comrade,
and left you alone in the diaspora.
Every step is a resurrection,
Every word is an exhalation,
Every hope is a death,
Every breath of wind in the cold country is a breeze from the heights of Baghdad that crushes it and turns it to ashes.
All the sadness we shed as strangers,
You suffered from it on the revolutionary corner in “Tayaran Square”, when
Our hair has turned white and lingered, and
The sea between us became a mirage
We will not meet again, my friend, for that is a dream.
The Tigris and Euphrates are the dream of mothers who save their milk for the return of their sons from the battlefronts.
Why do I see you standing in this Sunset?
Get up, my friend, and read to us the Verse “Al-Hujurat,” for victory is coming despite everything, my friend.
Say Hail to Upcoming Manfa,
Victory is coming with the dawn, Comrade.

* The Iraqi poet Hussein Ali Younis says in one of his poems: “My friends left me and left me alone in exile.” This is my poetic variation on this immortal verse.

حيِّ المنافي الآتية، يا رفيق..
شعر: حكمت الحاج *
ترجمة: علي بن نخي

(الإهداء بتعمد إلى حسين علي يونس)

في المنفى تركناكَ،
وحيدًا في الشتات
يا رفيقي تركناكْ

عودٌ كلُّ خطوٍ والكلمات الزفرات
آمالنا موتٌ…
كلُّ نفحةِ ريحٍ باردة
في هذا البلد
نسمةٌ
من بغداد؛ الأعالي،
تهبُّ
لتسحقها رمادًا.

غرباءَ، أرَقنا الحزن الذي عانيتَه
في الركن الثوريّ من “ساحة الطيران”.

شعورنا ابيضَّ، تلكّأ في مكثه،
والبحرُ سرابًا بيننا حال

حلمٌ
لن يتأتى -ثانيةً- أن نلتقي
يا صديقي.

دجلةُ والفراتُ؛ حلمُ الأمهاتِ
إذ يدّخرن الحليب للقيا أبنائهنّ
العائدين من جبهات القتال.

لماذا أراكَ واقفًا في الغروب؟
إنهض واقرأ يا صديقي
سورة “الحجرات” علينا
فالنصر قادمٌ رغم كلِّ شيء،
صديقي
حيِّ المنافي الآتية،
فالفجر قادمٌ، يا رفيق.

* يقول الشاعر حسين علي يونس في إحدى قصائده: “تركَني أصدقائي في المنفى وذهبوا إلى المنفى”، وقصيدتي هذه تحية شعرية إلى هذا البيت الرائع.
————
* القصيدة منشورة في موقع الحوار المتمدن ويمكن الاطلاع عليها حسب الرابط التالي:
https://www.ahewar.org/eng/show.art.asp?aid=4627

2 responses to “قصيدة، وأربعة شعراء..”

  1. صورة أفاتار strawberrysublime1fd2acba25
    strawberrysublime1fd2acba25

    قصيدة بالغة الرهافة والعمق، شكرا صديقي الشاعر حكمت الحاج فقد استطعت النفاذ إلى أقاصي أرواحنا بقصيدتك التي بدت مثل رصاصة تنغر في عقل المتلقي، معلنة ما فيها من حرارة وشراسة بقدر ما فيها من الهمس المؤلم.

    قصيدة تقول كل شيء من دون ثرثرة، متصادية بوعي مع الرافع النصي الذي أسهم في نشوء هذا البناء الشعري المكتنز بمحمولات إنسانية متعاشقة مع الذات وهي تتلقى ذلك البيت الرائع للصديق الشاعر حسين علي يونس: “تركَني أصدقائي في المنفى وذهبوا إلى المنفى”.

    شكرا مرة أخرى صديقي الشاعر حكمت، وشكرا لصديقي الشاعر حسين، وشكرا كبيرة للصديق الشاعر والمترجم علي بن نخي الذي استطاع ببراعة نقل ما في هذا النص من جمال، لقد منحتم المتلقي لحظة إبداعية ثمينة ليس من الشائع اقتناصها.

    أحمد الشيخ علي

    Liked by 1 person

  2. صورة أفاتار Fethi Rahmani
    Fethi Rahmani

    ليس هذ النصّ مجرّد ترجمة أو تعليق أو كلام على الكلام وكتابة عن الكتابة، بل هو تفاعل عميق لمرجعيات ورؤى وتجارب وأجيال صنعت إبداعا على الإبداع من خلال إعادة صياغة “ثيمة” المنفى: هل هو في المكان؟ أم في الذات؟ أم في اللغة؟ أم في غير ذلك كلّه؟

    دائما كنت أدعو أصدقائي إلى العودة إلى حوارات حكمت الحاج وعلي بن نخي والمنشورة هنا حول الفلسفة والشعر لما فيها من ثراء وتأصيل واستشراف.

    Liked by 1 person

اترك رداً على Fethi Rahmani إلغاء الرد

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.