قصيدة: ويليام ستافورد
ترجمة: علي بن نخي
ثمة خيطٌ تتبعه. يمضي في الأشياء
التي تتغيّر. لكنه لا يتغيّر.
يتساءلون عمّا تسعى إليه.
عليك أن تشرح الخيطَ،
ولكن عصيٌّ عليهم أن ينظروا.
لن تضلّ، في قبضك إياه.
المآسي تحدثُ؛ يُجرَحُ الناس،
أو يموتون، وأنتَ في ألمٍ تشيخ.
لا فعلَ يحدُّ امتداد الزمن.
أنتَ لا تُفلت الخيط أبدًا.
—————-
* العنوان في النص الأصلي هو The Way It Is، وتتراوح ترجمته الحرفية الأدق بين خيارات عدّة، أذكر بعضها لإشراك القارئ في حدث الترجمة:
١- هكذا تسير الأمور
٢- هكذا يكون الأمر
٣- الأمر كما هو
٤- على هذه الحال
٥- على النحو هذا
٦- على نحوه
٧- إنه هو
٨- ها هو
٩- هكذا هو
وهي جميعًا ترجمات معقولة للعنوان. غير أنّي آثرت اختيار كلمة “النحو”، لما وجدته فيها من وقعٍ وجوديٍّ وقدري، ومن طاقة لغوية أدق. “النحو” في العربية يستبطن معنيين متلازمين: الأوّل الطريق أو القصد، والثاني العلم الذي تُعرف به أحوال الكلام إعرابًا وبناءً.
وإذا تأمّلنا العنوان، وجدنا أنّ ستافورد يبدأ بكلمة “The Way”، التي تعني حرفيًا “الطريق”، غير أنّ اللبس يقع في التحديد الماهوي؛ “It Is” ، لأمرٍ يظلّ غير متعيّن، سواء في العنوان أو في متن القصيدة. المتعين الوحيد في النص هو “الخيط”، وهو عنصر ذاتي لا يُدرَك إدراكًا عموميًا، وهو -كما تبيّن القصيد- الأمر الذي لا يسهل نقله أو يصعب شرحه للآخرين.
حتى ضمير “أنت” لا يمنح هذا التعيّن، إذ يظلّ معلّقًا بين مخاطَب خارجي وآخر داخلي، أقرب إلى صيغة المونولوغ. أمّا الخيط نفسه، فليس له مدلول ناجز، سوى كونه ما يُمسَك ويُتَّبع، دون توصيف مادي أو رمزي مكتمل.
يمكن النظر إلى هذا الخيط بوصفه منطقًا شخصيًا ناتجًا عن رؤية الفرد للعالم-الحياة، رؤية لا تخضع للتداول العام. وفي النهاية تبدو هذه الرؤية-الخيط قدرًا يقود الفرد إلى نهايته؛ قدرًا يُمارَس بوصفه اختيارًا، ويُعاش في الوقت نفسه كمسار لا فكاك منه.
الأمر مشابه في اللغة؛ فنحن حين نتكلّم أو نكتب نُعلن عمّا نريد قوله، لكننا في الوقت نفسه نُعلن -من حيث لا نقصد، ربما- قانون اللغة نفسه؛ مفاصلها، وقواعدها، والشروط التي تجعل القول ممكنًا ومتحقّقًا. هذه القوانين لا نختارها بالكامل، لكنها تحكمنا وتوجّهنا، وتعمل فينا بوصفها قدرًا لغويًا نمارسه وننقاد له في آن.
بهذا المعنى الوجودي واللغوي معًا، وجدتُ “النحو” كلمة جامعة للطريق الذي نختاره ونحدّده، وللقانون الداخلي الذي يحكم هذا الاختيار ويقوده، لغةً وعيشًا.
أضف تعليق