تقديم: حكمت الحاج *
– [ ] هذا فصل من رواية شعرية جديدة للشاعر العراقي الشاب بشار عبد الله بعنوان “من يسكب الهواء في رئة القمر” . الرواية غير منشورة لحد الآن، لكنها فازت هذه السنة بإحدى الجوائز الأدبية التي تمنحها منشورات ناجي نعمان للثقافة بالمجان، بلبنان، (جائزة الاستحقاق الأدبي لعام 2005) كما أبلغني الشاعر شخصيا بالخبر. إلى ذلك فإن بشار عبد الله مهتم بالتنظير لقصيدة النثر ونقدها والكتابة عنها تأليفا وترجمة عن اللغة الإنكليزية التي درسها ويجيدها، وأصدر في هذا المجال رفقة شعراء آخرين كتاب بعنوان “الاجتثاث والمغادرة”، (الموصل 1995)، كما انه تعزى إليه تلك المحاولات الدؤوبة أوائل التسعينات من القرن الماضي لاستبدال مصطلح قصيدة النثر بمصطلح “القصاصة” فيما يشبه الحمى العراقية وقتها من اجل الاعتداء على تسمية قصيدة النثر بعد الضيق بها. ويخيل إلي ان هذه الرواية التي بين أيدينا فصلها الأول بعنوان “من يسكب الهواء في رئة القمر” ما هي الا امتداد لتلك المحاولات التي كان بشار عبد الله في طليعة الجيل الذي سمي بجيل التسعينات والذي وجد في السرد وفي قصيدة النثر ما يقض مضاجعهم الشعرية فراحوا يقذفون ذاك وهذه، بقدر ما فهموا بشكل واع تماما تلك الوشيجة الأكيدة ما بين الحكي والاستعارة الشعرية في سبيل صنع قصيدة نثر عربية صحيحة.
قراءة سعيدة لكم في هذه الرواية الجميلة، علما وأنني قد حصلت على إذن نشر فصلها الأول من مؤلفها نفسه، وسمح لنا بالنشر في موقعنا ” إيلاف”، حيث سننشر فيه ايضا حوارا مطولا كنت أجريته مع بشار عبد الله بمناسبة فوزه بالجائزة المشار اليها أعلاه. (حكمت الحاج)
– [ ] القسم الأول من رواية “من يسكب الهواء في رئة القمر” من تأليف بشار عبد الله:
تصدير/
في زمن يضيع فيه كل شيء، لا بأس أن تضيع الفكرة..
– 1 –
مشحوذة كَيَدِ موظف ضريبة هذه السنة ملأنا جيب حزيرانها بالموتى، ووشمناها بلحظة مرارة كانت تهرول خارج السياق. وشمناها وعدنا بها الى شِفاه السياق، ثم كضحكة وخطتها الحرب، انزلقنا إلى ضغينة ظلت تفغر فضاءَها في فراغ المزولة.
والسبت ظل حاسر السماء؛ من فوديه تتدفق مصائر من بايعوا المعلم الصارم وملأوا بطنه بكلام لا يفقههه الحواة، كلام تتلاطم في أحواضه تنبؤات التاروت العاقلة واستغاثات بحر إيجة الغاص الى العنق بأحلام غريقة وعقلانيات ابن مسافر التي استقطرتها تجسداته الأربعة والستون من بذور التغيرات وأسرت بها إلى نهارات طاب لها المقام في صومعة السعد المحمولة على أكتاف أربعة معلمين: باباجي، سري يوكتسوار، كَورو ناناك والطوخي الفلكي.
حملوه ومضوا به خارج الكلام، غادروا به ليصير الكلام حطاما طافيا فوق أمواج الشتائم، أيام كانت الشتائم أنواعاً، منها العَمْ مودي و العنقودي وصمون الجيش المقفّى بالأجبان كلّها سوى الـ (كيري) الذي كان يخدش حياء الآريات ويحرج الفرسان الآريين في الربايا. ومن الشتائم المطعمة بأمزجة مذيعات الاعلان وغنجهن المسكوب داخل عبوات الرطانات من شربت فرات ومينو والقائمة مفتوحة لتشمل نقيع التمر ونقيع النسيان والتناسي، هذا الى جانب شتائم الغاز الخام، والمنقى لتعبئة مقدحات المرَّة الواحدة، مع اعتذار الشتامين عن تلبية النداء القادم من مقدحة الافق المحمولة على كتفي سعد محمود وزاريه الملاك.
وكان يمكن ان تبتلع القائمة في طريقها ما يندفق من عبوات الكَلامور والغيرلين واخواتهما المتضاحكة على كل انج هانئٍ فوق نجوى كرم ولطيفة وانغام وديانا حداد وما يتصاعد من جيلهن خارج الحدود الاقليمية، وكذلك ما تعلمن ان يدلكنه على الطريقة العبرانية بين اثدائهن من النادرين، وعلى بطونهن من الزنبق، وعلى افخاذهن من اللوتس، وبين اوراكهن من النعناع والزعتر وعلى عصافيرهن من التوسيرام والليزر، العطر والسلاح، وعلى اقدامهن من البلسم، ولكن الشتائم وجدت لها ايضا ممرا عند سابع منعطف للكسوف جهة النهار، وبقي الحطام معلقا بين تعفف الطفو وشبق الموج.
ومد المعلّم يد غفلتِنا واقتلع بها من سماء السابعة عصرا اخر غَسَقٍِ حطَّ على زرقتها المحكوكة، جريا على صرعة اقتلاع الحطاطين على الجينز المحكوك ومؤخرات النساء المحكوكة على الظرفية لحظة يدمدمن: ما كان الفقر ليحط عندنا، لو لم يعرف اننا اكفاء في مهاجمته. لكن، لم تكن هناك خيول او بغال ولا حتى حمير. والبقر لم يتشابه علينا بعد ان تقمص ابقارهم جنون الموهومين بانتصار موانع التفكير ودشداشات شاكر المهفهفة فوق احذية البلدوزر.
كل شئ ممكن اذاً، ما دام في السنة شئ اسمه حزيران وخلفه الاف علامات الاستفهام. طابور الاسئلة كجيش الاسكندر لا ينتهي وكالأنكشارية لايفتح مسربا لأنطلاقة اجوبة.
أضف تعليق