كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أغنية كأنها من شعر حكمت الحاج..

بقلم: علي عبد الأمير عجام

استمعت إلى أغنية “يا أنت” لفريق الروك “بنك فلويد” عشرات المرات، وعشت تفاصيلها ذات مرة بشكل حي على المسرح، ناهيك عن مشاهدتها ضمن فيلم “الجدار” للمخرج آلان باركر، واستعادتها مصورة ضمن حفلات كثيرة للفريق باتت متوافرة للمتلقي. واستمعت لها أيضا في عشرات أخرى من الإعادات بأصوات مغنين آخرين ضمن فرق غنائية أو أصوات انفرادية، لكنني منذ فترة أدمنت مشاهدتها والاستماع إليها عبر فريق روك ألماني بأداء لافت من المغني ثورستن ناثان.
الممتع والغني في ذلك الأداء تقديمه صحبة الأوركسترا (الرابط في التعليق الأول وأغنية “يا أنت” من البداية حتى الدقيقة الخامسة) وهو بالنسبة لي اتصال حيوي بين الروك والنغم الكلاسيكي يثير كثيراً من المشاعر. هذا الاتصال يقودني إلى فهمي للشعر وحيويته في الفكرة المختلفة والمتجددة، وتحديداً فهمي لنصوص الشاعر والناقد والمترجم العراقي حكمت الحاج، ففي الأغنية جوهر غاضب وناقد للمسار الحياتي لانساننا المعاصر مثلما هو شعر صاحب “بغدادات” الذي يلتفت حقاً للماضي بغضب (كما في العنوان العميق لمسرحية الكاتب البريطاني جون أوزبرون: أنظر للماضي بغضب)، وإذ يستعيد محطات من حياته، فهو يبتسم لها بحزن شديد، مثلما هو يمزج بين حداثة الصورة ومجانية الكلام اللازم في قصيدة النثر من جهة ورصانة العربية وسلامتها من جهة أخرى، تأتي الأغنية في هذا الأداء جامعة بين حداثة النغم (الروك) والمرافقة الكلاسيكية الفخمة (الأوركسترا).
في الأغنية التي كتبها المغني روجر ووترز نسمع هذا النداء: “يا أنت، هناك في البرد/ أشعر بالوحدة، وأتقدم في السن/ هل تشعر بي؟”
في غربته/ غربتنا، وصل الحاج في شعره وحياته إلى الحال ذاتها في الأغنية ولكن بكثير من البأس والعزم كأنه يردد ما يقوله المغني: “يا أنت/ لا تساعدهم على دفن النور/ لا تستسلم دون قتال”.
ومن قرأ نصوص الحاج المتأخرة سيجد في نص “سفينة الحيارى”: “لكني الآن أعرف ما أريد/ سأخطو فوق الأرض/ سأمضي إليك/ وليكن فرحي دائماً/ وليكن موتي انتصارا”.
وكما في الأغنية: “يا أنت/ هل تساعدني في حمل الحجر/ افتح قلبك، أنا عائد إلى المنزل/ لكنه كان مجرد خيال/ وكان الجدار عاليًا جدًا، كما ترى”. نقرأ في نص “إنصاف” الذي يلعب فيها لعبة استحضار امرأة على هيئة بلاد أو العكس، يرجم الشاعر قارءه بحجر ثقيل يبدد في رأسه كل وهم عن البلاد، أي بلاد: “في بلادي/ سياج طويل من الوهم/ أو من معرفة باطنية/ يجعل الإنصاف صعباً”.
لعل النداء الذي تنتهي إليه الأغنية: “يا أنت، هناك في الطريق/ دائمًا تفعل ما يُؤمرك به/ هل يمكنك مساعدتي؟/ يا أنتَ، هناكَ وراءَ الجدارِ/ هل يمكنكَ مساعدتي؟/ يا أنتَ/ لا تُخبرني أنه لا أملَ على الإطلاق/ معًا نستطيع الوقوف/ مُتفرقين نسقطُ”، هو ما تجد صداه حين تقرأ شعراً لحكمت الحاج، هو أن تعدو هلعاً ثم تتوقف فجأة عند طفل يبتسم لك من نافذة. أن تشعر بعطش لا يرويه سوى عصير الكرز المكثف البارد. أن يرميك النص شمالاً وجنوبا فتحتاج كوباً من قهوة سوداء كي تستوعب ذاتك وتقف عند نقطة محددة. أن تلاحق المعاني الممزقة كما أرواحنا وأفكارنا وكأنك تسمع لهدير صاخب من موسيقى “الهيفي ميتال”.

* الصورة لحكمت الحاج في بيتي بعمّان 2000.
* رابط الأغنية على يوتيوب:

One response to “أغنية كأنها من شعر حكمت الحاج..”

  1. صورة أفاتار strawberrysublime1fd2acba25
    strawberrysublime1fd2acba25

    معلم يكتب عن معلم، شكرا للشاعر والناقد والإعلامي القدير علي عبد الأمير، وأنت تمنحنا هذه الإطلالة على جانب آخر من جوانب إبداع حكمت الحاج.

    أحبكما وأفتخر بصداقتكما.

    Liked by 1 person

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.