أحمد الشيخ علي
كثيرا ما أترك يديّ ورائي، لا أعني أنني أشبكهما خلف ظهري، فذلك أمر لا أحبه، كونه يذكر بهيئة تكبّر وغطرسة يكررها أسياد موهومون، حتى لو لم يكونوا يجيدونها، أو أنها لا تناسبهم مطلقا. أو أنها حركة تناسب من هم أكبر سنا، لو أحسنت الظن بمن يقوم بها.
ما أردته ببساطة، أنني أغادر المكان الذي أكون فيه، وأترك يديّ على وضعهما كيف كانتا، تارة تمسكان كتابا كنت أقرأ فيه، وأخرى أتكئ بهما على المنضدة، أو على إفريز الشرفة، مرات أتركهما كما هي عادتي عندما أنام وأضعهما تحت رأسي.
كثيرة هي الأوضاع التي أترك يديّ بها، وعندما أعود وأجدهما على تلك الصورة، أنتمي إليهما، وأندغم فيهما بهدوء حتى لا أشعرهما بمغادرتي وعودتي.
أحيانا يطول الوقت، وتبقى يداي هناك، بينما أكون هنا أو في أي مكان آخر. ربما أحتاج إلى يديّ، أو إلى واحدة منهما، بل قد يضيق الأمر علي عندما أحتاج إلى جزء صغير من إحداهما، أمر مزعج جدا عندما تستحكّك عينك أو أرنبة أنفك أو قوقعة أذنك، ولا تجد يدك لتفعل ذلك.
اعتيادي على ترك يديّ خلفي والمغادرة من دونهما لم يكن أمرا جديدا، إنه تصرف بدا لي عفويا. لا أدري متى بدأت به، ولكنني على يقين أن ذلك الأمر كان يحدث منذ طفولتي، وفي مرحلة المدرسة الابتدائية كنت أغادر البيت صباحا، وأترك يديّ متعلقتين بحقيبتي المدرسية، كنت أدخل المدرسة خفيفا، وفي الصف أثناء تلقي الحصة أتنبه إلى أنني تركت حقيبتي مع يديّ في البيت، ولن يكون بإمكاني كتابة الواجب، لذلك كنت أحفظ ما يكتبه المعلم على اللوحة الخضراء في جيب من جيوب رأسي التي تكثرت بحكم الحاجة وما يتطلبه كل موقف مشابه.
يداي بريئتان، ونظيفتان، ولا أذكر أبدا أنهما تلوثتا بشيء وبقيتا ملوثتين ولو ساعة واحدة.
دائما أشذب أظفار أصابعهما، وأعتني بهما كما تعتنيان بي، وأحبهما على الرغم من عدم معرفتي بما تكنّان نحوي من مشاعر، ربما تحترمانني، وتطيعان أوامري، وتصطبران على عبثي بهما. في بعض الأحيان أتركهما حائرتين منسدلتين إلى جانب جذعي، ومن دون أن أخطط لشيء أرتجل استدارة مفاجئة وأغادر المكان تاركا يديّ غارقتين في حيرة، ومعلقتين في هواء الغرفة كما لو أنهما تطفوان في كبسولة فضائية بوضع فقدان الجاذبية.
الحيرة والخوف والفرح والترقب والمشاعر الأخرى لا تظهر على يديّ ومع ذلك فأنا أقرأ ذلك من دون حاجة فعلية لتحقيق مباشر بالأمر، كل ما علي فعله هو إغماض عيني والاستغراق في التواصل معهما، من دون شعور بالمرارة أو تأنيب الضمير..
الآن وقد صرت كبيرا، واقترب عمري من عقده السادس، صرت أحتاج يديّ كثيرا، لذلك صرت لا أتركهما إلا في مناسبات قليلة، ولاحظت أنهما متمسكتان بي بشكل أكبر، تسنداني، وتحافظان على توازني عند المشي أو صعود السلالم، وتمنعان احتكاكي أو تدفعان الناس من حولي في الأماكن المزدحمة، وهذا الأمر جعل يديّ عرضة لإصابات وكدمات وخدوش وحتى كسور غير متوقعة، وقد حدث ذلك مرة، عندما تعثرت وهويت على الأرض وتسببت بكسر مضاعف في الرسغ والمرفق ليدي اليسرى.
كانت يدي اليمنى رحيمة بي، وأعانتني كثيرا في رعاية يدي المصابة، كانت تضعها في السرير، وتشد عليها الغطاء، وتقوم بحك جلدها المكشوف والقريب من الفراغات بين جلد يدي والجبيرة الجبسية التي كانت تتناوب بين الاشتعال المحموم والتجمد الناشف، وكنت أرقب ذلك بعين الرضا والامتنان، على الرغم من الألم الذي يصاحبني، ويجعلني أشعر بالندم جراء صنيعي بيديّ خلال السنوات الماضية، كنت ألوم نفسي على ذلك الجفاء وعدم المبالاة التي تسامحت فيها مع نفسي وارتضيت الابتعاد عن يديّ، على الرغم من محبتي لهما، وحاجتي إليهما. ولعلمي الأكيد من أنهما تحبانني وتتمسكان بي وتطيعان أوامري من دون تلكوء أو امتعاض.
أكثر من خمسة عقود مضت وأنا ألعب هذه اللعبة الغريبة، أترك يديّ بمحض إرادتي، وأعيش ساعات قد تطول بعيدا عنهما.
كان جسدي يتغافل عن تصرفي ذاك، يتركني أقوم بهذه اللعبة، من دون اعتراض أو استياء، أعيش خفيفا بجسدي، ألتفت برأسي، وأمشي برجليّ، وأنظر بعينيّ وأسمع بأذنيّ وأفعل ما أريد مع هذا الجسد المذعن.
ما لم أكن أحسب له حسابا، أنني بدأت أعيش حالة من التمرد الذاتي، بدأت أعضاء جسدي تتآمر علي، وتخذلني في أشد لحظات احتياجي لها.
صباح أمس، استفقت مبكرا كعادتي، ذهبت إلى الحمام لأغسل وجهي وأفرّش أسناني، إلا أنني لم أجد رأسي، فقد بقي على وسادتي، كانت عيناي تنظران نحوي بحياد، وقد بدوت مثل كتلة هلامية غير متناسقة ومثيرة للضيق، لولا أن تداركت يداي الأمر وحملتا رأسي عنوة وركبتاه على كتفي، كان الأمر شديد الصعوبة، مع يد مكسورة مثقلة بجبيرة من الجبس.
عند الظهيرة كنت جالسا في الصالة أفكر في ما جرى بينما كنت أتحسس رأسي، ولم أتنبه إلى انسحاب هادئ قامت به رجلاي، رأيتهما تتناوبان الخطو متجهتين إلى الباب، ولما لم تعرفا كيف تفتحانه، عادتا إليّ، واستقرتا كما لو لم يحدث ما يستدعي الاستغراب.
مساء أمس كان الأمر أكثر غرابة، فقد ذهبت إلى السرير متماسكا، تحسست نفسي، ووجدت كل شيء في مكانه، استلقيت على سريري، وبيدي اليمنى حملت يدي اليسرى ووضعتها على صدري بصورة تمنع الإضرار بها، أو جعلها تسرب الألم إلى روحي المتصابرة.
مرت دقائق طويلة كنت فيها أحاول النوم، لكنني كنت أخسره باستمرار، مرت ساعة أو أكثر، وأنا أتململ في سريري، ولكن على حين غفلة، سكن كل شيء، استويت جالسا في السرير، أنزلت ساقيّ، وتلمست قدماي برودة البلاط، يداي كانتا مرسلتين إلى جانبي، ورأسي يتلفت في ظلام مشوب بضوء غامض. بهدوء ومن دون ضوضاء نهضت، وخطوت إلى الباب، فتحته، فدخل ضوء كثير إلى الغرفة، راكضا مثل طفل عابث، تبعته بعينيّ، رأيته يفيض على جسدي الذي بقي ساكنا في السرير، كنت هناك، مستلقيا على ظهري، ورجلاي ممدودتين بتوازٍ دقيق، بينما كانت يدي اليمنى تمسك بيدي اليسرى برفق، وقد استرختا على صدري، أما رأسي فقد كان مائلا قليلا، بعينين مفتوحتين تنظران نحوي بصمت.
*
أضف تعليق