بقلم: حسين علي يونس
ثمة خيط رفيع يفصل بين القصة القصيرة جدًا وقصيدة النثر، رغم أن هذا الاختلاف قد لا يتجاوز حدود مفهوم التسمية الاصطلاحية التي يضعها صانع النص لنصّه، سواء أكان كاتب قصيدة النثر قاصًّا، أم كان كاتب القصة القصيرة جدًا شاعرًا.
فصانع النص مُطالَب ابتداءً بتحديد هوية عمله، لأن العمل محكوم بحدود تضبط كينونته، ولأن فعل الخيانة سيطارده بحكم أنه سيترك ما أوجده هجينًا يخور بين الأجناس ليعيش غريبًا.
ولأن هذا قد يثير أسًى لدى البعض، خاصة إذا ما كان النص الذي بين يديه يتكوّن من الشعر والقصة معًا، فهذه الازدواجية في الكتابة، بصرف النظر عن كونها ميزة وفضيلة، قد تثير إشكالًا وجوديًا للنص وللكائن داخل النص، لأن اكتساب الهوية والتسمية من مسلّمات حياتنا من الألف إلى الياء.
فلكي يمرّ الكائن بسلام لا بدّ من أن يكتسب هويته، خاصة إذا كان كاتب القصة القصيرة جدًا شاعرًا، رغم أننا نعرف ابتداءً أن التسمية هي التي ستحسم هذا الإشكال الأجناسي في تحديد هوية النصوص.
إشارة واحدة تكفي لحل هذا الإشكال؛ فإذا وضع كاتب النصوص كلمة «قصائد نثر» أمام مخطوطته فستكون كذلك، وإذا وضع كلمة «قصص قصار» فستكون كذلك أيضًا.
وهنا أسمح لنفسي بأن أستشهد بثلاثة نصوص لأحمد الشيخ علي من كتابه هذا «فوق الغيم في غرفة»، الصادر حديثا عن “منشورات كناية”، من أجل اكتساب قطعية حكمي هذا لمشروعيته، لأن النصوص اعتادت منذ ظهورها على تلقّي الضربات القاسية.
إليكم هذه النصوص:
حداد
جثتّ على ركبتيها، وأغمضت عينيها. وذهبت في بكائها عشرين سنة، وعندما أفاقت كان النّهار يوشك أن يجفّ على ستارة نافذتها وشراشف سريرها وثوبها الأسود.
تنفّست، كأنّها تكتشف الهواء لأوّل مرّة، تفحّصت الغرفة بنظرات مرتابة، حتّى رأت مرآتها…
اقتربت منها. ومرّرت أصابعها على وجهها هناك، كانت تريد أن تقول شيئا، لكنهّا أغمضت عينيها ثانية، وجثت على ركبتيها. مسترسلة في بكاء صامت…
ربما عليّ أن أقف، هناك، عشرين سنة، على أمل أن تفتح عينيها مرّة أخرى.
هل هي قصة أم قصيدة نثر إنها قصة وقصيدة نثر ؟
شراكة
جلسا متجاورين أمام شاشة التلفاز، كانت مستغرقة في مشاهدة فيلمها المفضل، الذي بقيت تعيده خمسين سنة دونما ملل، أما هو فقد ذهب في رحلة صيد النمور من على ظهور الفيلة، تلك الرحلة التي بدأتها ناشيونال جيوغرافيك قبل مئة سنة ولم تنته بعد.
كانا يستمتعان بوقتهما كثيرا، وهما ينظران إلى شاشة التلفاز المطفأة في الصالة.
هل هي قصة أم قصيدة نثر؟ إنها قصة وقصيدة نثر .
باب
لم يعلم أحد بوجود باب سرّي هناك، حتّى هو لم يكن يعلم بذلك، دخل غرفته، وأخذ كتابا من على الرّفّ، وبدأ بتقليب أوراقه المزدحمة بكلمات لم يقرأها، حتّى وصل إلى صفحة بيضاء في آخر الكتاب، نظر فيها طويلا، مرّر يده عليها، وعند نقطة خالية في بياضها رسم بإصبعه بابا لا مرئيّا، كان مغلقا، فتحه. ودفعه برفق، وبهدوء دخل منه، وأغلقه وراءه، ولم يعد منذ ذلك الحين.
هل هي قصة أم قصيدة نثر؟ إنها قصة وقصيدة نثر.
2
القصة القصيرة يجب أن تكون منكسرة، وخائبة الأمل ككاتبها تمامًا. يجب أن تكون القصة هشّة ومنثلمة ومضطربة، لتجرّ النار إلى قرصها”، محكومةً بالعطف. والميل نحوها يجب أن يكون أناركيًا محضًا.
يجب أن تكون القصة دون غيرها «سبينوزية» بإطلاق. فدون هذه الاشتراطات يموت الدافع إلى إيجاد القصص وإنشاء محتواها وسردها.
وبما أن «اللغة هي فعل تشكّك» في المقام الأول كما يقول ليفيناس، فإن الأطروحة -القضية التي نتبنّاها في أي نص- هي فعل تشكّك يفضي إلى القضية ونقيضها، الذي قد يوصلنا إلى المركّب الذي يتشكّل من الضدّين، في ظلّ تلاطم أمواج بحر السرد في حديقة النصوص اللامتناهية المحكوم عليها بالفناء.
3
النصوص القصيرة «تكسر الخاطر»، يشكّلها حدث منقطع، والبطل فيها يتأرجح في مكانه وفي العالم، ولهذا تُحيل النصوص القصيرة إلى الشعر، بينما تُحيل النصوص الطويلة إلى النثر.
«الحياة في الموت والموت في الحياة»، كما يقول هيراقليطس.
في كتابة النص القصير، توجد أشباح تترنّم بما قد يحدث في الماضي والحاضر والمستقبل.
4
في القصة الطويلة تختلط الأزمنة، ولأن هذا شكل من أشكال العيش في الحاضر، يمكننا القول إن القصة الطويلة محكومة بمتلازمة الحنين إلى الماضي، الذي قد لا يكون جيدًا للقصة القصيرة، ولأن النوستالجيا تجعل النصوص تغوص في الكآبة والعتمة، وقلّما تجعلها تبحث عن الهواء في الأعلى، حيث تمدّ الشمس بساطها على سطح الورقة.
5
من مميّزات القصة القصيرة أنها تبحث عن العلوّ عبر آلية تجنّب الحشو ومراكمة الأحداث بشكل عشوائي.
بمَ تفكّر القصة؟ إنها تفكّر بما تحتاج إليه. إنها تفكّر بنفسها بتقشّف، كما يفكّر الشاعر:
“فوق الغيم في غرفة”
«مثل أغنيةٍ مرِحةٍ في عزاء». بهذه الجملة التي تُظهر الوجه بضدّيه (حزينًا وفرحًا) ندخل إلى مجموعة أحمد الشيخ علي، الكائن المأساوي الذي اعتاد أن يرى الحياة منتكسةً، متعذّرًا فهمها، جميلةً وقبيحةً في آنٍ، تمرّ عبر الأحزان.
ففي كتابه المعنون «فوق الغيم في غرفة»، لا بدّ من القول إن الذي يعيش في كتابه هذا هو أحمد الشيخ علي، الشاعر الذي عرفته منذ ثلاثة عقودٍ ونيف؛ الشاعر الذي يعيش في شخصياته الهشّة والمنثلمة، والذي يقع في إشكاليةٍ مع الآخر، حاضنًا أحزانه وخيبات أمله، مؤمنًا بحياته وبما يمكن مسكه من لحظاتٍ سعيدةٍ فيها.
هذه هي ثروته منذ عرفته في منتصف الثمانينيات. مرّ بظروفٍ صعبة قاتمة، حمل الودَّ دائمًا لمعارفه وأصدقائه كما يحمل الماء في صينيةٍ عراقية، وكان وفيًّا لحسّه بالكائن الذي يتسرّب أمام عينيه.
6
بينما أكتب هذه التلويحة التي ربما تأخّرت بسبب مشاغل الحياة، وبسبب أنه كان موجودًا حاضرًا كشاعرٍ وصديق، من الواضح أن ثمة غيابًا ينتظرنا، وثمة حضورًا يتسرّب ليتبدّد في ثقب النهاية الذي سندخله ذات يوم.
لا تستهويني الكتابة عن الشعر بقدر ما تستهويني الكتابة عن الشعراء، فهم حالة استثنائية نافرة، على عكس نصوصهم التي يُعاد إنتاجها وتتكرّر في قوالب وثيمات وخبرات.
تطفو على سطح ما يُنتجه الشاعرُ الذي لا يمكن تقسيمه وتهشيم كيانه إلى وحداتٍ صغيرةٍ لمعرفة كُنه الشاعر–الإنسان، الذي يلبس قناعًا مغايرًا لنصّه؛ فهو واضح، وليس بالإمكان التعامل معه بشكلٍ مجزّأ. كنصّه، لا يمكن تجزئة الحياة والنظر إليها من ثقب الباب.
7
بعد سنواتٍ من تشتّتنا، وبعد الحرب الطائفية التي أكلت الكثير من سنوات حياتنا، التقيت بأحمد الشيخ علي الذي غاب بشكلٍ مفاجئ وافتقدته رغم كل تلك السنوات، لكنه ظهر بنفس هيئته القديمة، مكتسيًا بالثلج الذي اكتسى شعر رأسه ولحيته. كانت تلك إضافة الزمن، لكنه ظلّ أحمد القديم، الذي عانى طويلًا من ضنك العيش والقهر السياسي الذي كان يضعنا بين ضفّتيه الصخريتين.
8
جمعنا المكان وفرّقتنا الأحداث الكبيرة. الحرب الطائفية ومآسي العوز أوجدت لنا واقعًا جديدًا تمثّل بهجر الأماكن القديمة، ثم انشغلنا بحياتنا وأعمالنا، وفجأة وجدنا أنفسنا شيوخًا يثقل علينا المرض.
تقاعدنا عن العمل، وقريبًا سنتقاعد عن الحياة. خلفنا أجمل الأشياء وراءنا، وها نحن نحتفظ بذكرى ما مررنا به من أحداثٍ جسام. فقدنا أصدقاءنا وأحلامنا، وها نحن نمسك بـ «الوشالة» منها دون كثير أمل.
أمسك بكتاب أحمد الشيخ وأقرأ قصصه التي تشبهه كثيرًا، وأقرّر أن أكتب عنها وعنه بضع جمل.
9
لما كتب الشيخ تلك القصص، لطالما اعتقدت أن القصة لا توحي بالثقل الذي يكاد يكون حكرًا على الرواية، وكنت أعتقد أيضًا أن السذاجة امتيازٌ للقصة القصيرة وأعدّها فضيلةً تُدخل المرء -وليس القصة وحدها- في خانة الملائكة.
فهي كائنٌ صغير، خفيف، يوحي بالسهولة لكنه صعب ومعقّد. إن خلق كائنٍ صغيرٍ وتقديمه إلى الناس شغلةٌ بالغة الصعوبة حقًا، ولهذا يندر أن تجد قصّاصًا مثاليًا في جمهرة القصّاصين المكتظّة.
نادرةٌ هي القصص المثالية في العالم، وهذه ليست مقدّمةً، ولا هي وجهة نظرٍ محصّنة بمفاهيم فنّ القص كما وردت لدى كبار صنّاع هذا الفن: أندرسن، تشيخوف، موباسان، بورخيس، بوتزاتي، إسحاق بابل، كاثرين مانسفيلد، محمد خضير، ريموند كارفر، أليس مونرو، زوشينكو، همنغواي، يوسف إدريس…
القصة القصيرة المكتوبة بشكلٍ جيد لا تستخدم الحشو والإطناب بسبب مساحتها الضيّقة؛ فحين تُمنح مساحةً محدودة يجب أن تُستثمر بشكلٍ مثالي، لأن الإطناب والحشو، اللذين يبدوان من أوليّات كتابة الرواية بسبب مساحاتها الكبيرة، سيُضيعان جهد كاتب القصة داخل المساحة.
لهذا تميل قصص أحمد الشيخ علي إلى الإيجاز، ويحكمها إيقاع الشعر. يعالج الشيخ نصوصه في هذه المجموعة بحنكة معلّم قاصّ، لا بحنكة شاعرٍ عجنته المجازات والتقشّف. نصوصه تميل إلى الضربة التي تضع حدًّا للحدث داخل نصّه.
10
حين قرأت نصوصه تذكّرت نصوص المعلّم إبراهيم أصلان، أحد الأثيرين لديّ، فوجدته يمسك بمساحةٍ صغيرةٍ ويملؤها بالكثير من الدفء.
القاصّ الجيّد هو الذي يتعامل مع سطح الورقة ببخلٍ شديد، فكلما كانت المساحة محدودةً صعب عمله، وأصبح عليه أن يتعامل كما صائغ الذهب بميزانه الصغير شديد الدقّة، لأن تأرجح الميزان سيُعرّضه للخسارة في عمله.
حين تريد أن تكتب قصةً، عليك أن تُوجد كائنًا يورّطك في متابعته، وأن تتعاطف معه بصفته مخلوقًا صغيرًا يُدعى «مخلوق القصة»؛ جنيّ المصباح الذي تخلقه بنفسك بصفتك خالقه، ثم تصدره لغيرك لينظر في أمره، ليكتسب مشروعيّته بصفته كائنًا يمرّ في ليل العالم.

أضف تعليق