– مرثية إلى الطاهر أمين
علي بن نخي
الواردون يدوِّنون موتًا سبقتهم إليه اللغة، والغادون يلوّحون برايةٍ تلطخت بحبر التأريخ. وحدك كنت ترتّل المأساة بمقاييس منضبطة، توازن الضمور على الحافّة؛ حافّةٌ، نبرةٌ مهشّمة. كنت بَكَّاءً يكدّس مرارةً في الشفتين، جملًا سُمّية، أو لعلّك كنت صيدلانيًّا بقاربٍ خشبي، أو خزان أخلاطٍ دوائية.
إلى م تهزّ الأجراس؟ تهمس أنّنا نفتقر إلى تقانة الامحاء؛ إلى الدُّربة -تقول- كأنّ الذاكرة رأس جديٍ مقطوع. أسأل: إلى متى؟ فتهمس: حتى نعاشر بؤسنا. أشيح كأنّ الدرس لم يبدأ. كانت حقيبتك ملأى بعدّة الدمع: إزميلٌ وفرجارٌ ومبرد، منشارٌ ومطرقةٌ آلية. منحنيًا على الطاولة المعدنية عدت تهمس بشفتين مزمومتين: لماذا لا نرتضي لحمنا، التشوّه القديم، لم لا ننظر في الخطوط بعينين مقلوبتين؟
كان الكير منتفخًا، والفرن مشتعلًا، حين مسّت الصحراء جلدك، ومسست في خزانة غرفتك الجرداء قميصًا رطبًا، كان ساحلًا استوائيًّا، قشرةٌ، إنها الغور. عاريًا تلعثمتَ بسأمٍ؛ أبديٌّ هذا البرق. راح صوتك في المعابر يفتُّ العظام، كانت العتمة جهاز قياس تردّدات التحلل. قرأتَ الأرقام وحلّلتها.
وفي اللحظة التي غبتَ فيها، بعينيّ الآليّتين بدأتُ أقرأ أسماءك على جدار قبوي: رموز يأسك تطفو وتتّقد، قانيةً، تصوغ مخاضًا، مخاض ولادةٍ تعرّقت منه الآثار المنصوبة عند بوابة البلدة. كانت ولادتي، ولادتي التي تُنظَّم كمشهدٍ أوبرالي. شُرّعت في لحظة موتك الشرفات. كونشيرتو البداية كان أذنا عاملٍ تنهمر المياه على رأسه في المغتسل. علاماتٌ فوق الجدار، سابحةً في القبو. حشرات ضوءٍ تتهاوى ميتةً على براميل الخيزران حيث يُخمَّر الدم، دمُ الذبائح.
في ذلك القبو نفسه، في غرفتك القصيّة، في تونس، كتبتَ توسُّلَك الموت، تسوّلَك إيّاه، وكتبنني -دون أن تدري- أشنةً لامعة. اليوم، أكتبك في الكويت؛ عاشقًا أدمن الانطواء على هاويته، على كلماته؛ مقابسات تُستَلّ من تقلّص عمودها الفقريّ نخاعًا. أيها المكتمل في اللامنجز، في الأكرة المنخلعة، في الشذرة، في مسرحيٍّ استدار وغاص في مقعد المشاهدة.
لك أن تغيب. لخمسة أعوام كانت تطول لحيتك، وفي عينيك -لخمسة أعوام- كانت الطفولة تتضاعف. طفولةٌ تتبخّر؛ وحول حيّك، النوافذ والعتبات، ما زالت تمارس طورًا سحريًّا من الترقّق، في فراغها يتجسد نسيانك البربريّ بقامتك المنتصبة، بانحنائك، بجلوسك حين تموضع مرفقاك على ركبتيك أثناء النقاش.
حوارٌ تعلّقت حلقاته بمسامير غرستها بزجاج السماء. تصدّعت أجفانك، رغم أنّك زجّاجٌ، واطرد تدفق نبيذك من كِسَر عينيك. كنتَ الذبيح الذي توسّد حزنه الحانة. أشباحك وثّابةٌ في الحمّى، الانتباه الذي يشدّ أصفاده سكرًا؛ يمضي في كلّ اتجاهٍ، في السكون، أفكر؛ لعلك كنت الأجنّة إذ تحاول أن تتعضّى في الرحم الغيمي.
الشمس فاكهةٌ أرجوانيةٌ تقضمها الآن من على تلّةٍ صخريةٍ تستقبل البحر. وفي جيب قميصك علبة سجائر “مارس” تكفي لأبدٍ لم يتسع لبراءة حزنك. ذلك المكمن الذي راودتَه شعرًا، بجذاذاتٍ جمعتَها من “حيّ الورود”. الرملُ ينساب. إنها رقدتُنا يا أمين؛ وأنت، الطاهر منّا، تنعم بالهواء والنزق المشع.
أضف تعليق