كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

“صفاقس” التونسية تتلألأ ديسمبر القادم:

حينما تتحوّل المدينة إلى عاصمة للثقافة والضوء، في ليلة يتألق فيها العالم..

بقلم: عبد اللطيف الدلال

في شهر ديسمبر المقبل، لن تظل مدينة صفاقس مجرد مدينة تونسية نابضة بالحياة فقط، بل ستتحول إلى خشبة مسرح عالمي تتلاقى فوقها الحضارات، وتتمازج الفنون، وتتناغم الإيقاعات مع الأحلام، في ليلة تُعيد تعريف العلاقة بين الرياضة والثقافة، بين الجسد والروح، وبين التحدّي والجمال.
حيث ستحتضن القاعة الأولمبية بالمدينة النسخة الثالثة من الحدث الدولي HFC3–The Global Collision، الذي يتجاوز حدود النزالات ليصبح احتفالًا بالإنسان بكل أبعاده؛ احتفالًا بتنوّعه، بفنونه، وبسفريته عبر الثقافات، حيث تلتقي العزيمة بالإبداع، ويصير الأداء الجسدي لغة عالمية يتحدث بها الجميع.وإن كانت البطولة في ظاهرها حدثًا رياضيًا ضخمًا، فإن جوهرها الحقيقي يذهب بعيدًا في اتجاه آخر: احتفال عالمي بالهوية التونسية، بالتراث، وبقدرة الثقافة على صناعة الدهشة.
هذه النسخة ليست مجرّد بطولة، إنها رواية تُكتب على إيقاع الطبول وأضواء المسرح، حيث تتحوّل صفاقس إلى فضاء يتنفس الفنّ، ويستقبل العالم بوجهه المتوسطي الدافئ.
بعيداً عن الصورة النمطية للمدينة كقطب اقتصادي، يكتشف الزائر أنّ صفاقس متحف مفتوح للذاكرة.
هنا، يلتقي البحر بالأسوار العالية، وتتحاور الأسواق القديمة مع الأزقة المتشابكة، وتُعيد المدينة العتيقة رسم ملامح الزمن.
خلال أيام الحدث، ستصبح صفاقس نقطة تلاقٍ بين زوّار قادمين من أكثر من 22 دولة، وبين مواطنين يحملون في لهجتهم وحركتهم وأطباقهم نكهة الأصالة التونسية.
الحدث العالمي لا يروّج للمدينة عبر الرياضة فقط، بل عبر فلسفة الضيافة، التي تجعل من صفاقس فضاءً ثقافياً يُجسّد العراقة والحداثة في أسمى صورها.
اختيار صفاقس لم يكن اعتباطيًا. فهذه المدينة العريقة، التي تشكل ذاكرة تونس الاقتصادية والثقافية، تحمل روحًا متفرّدة تجعلها اليوم في موقع يجمع المتوسط بالقارات الخمس.
أسوارها العتيقة، سوقها العربي النابض، جزيرة قرقنة المتكئة على زرقة البحر، والمشهد الحضري الذي يزاوج بين الأصالة والحيوية الحديثة… كلها عناصر جعلت من صفاقس مرشّحة مثالية لتكون منصةً لحدث يعبر الحدود، ويقدّم صورة جديدة عن تونس: بلد ثقافة، وضوء، وتنوّع، وإبداع لا ينضب.
# التراث في قلب الافتتاح #
سيكون الحفل الافتتاحي عملا فنيا متكاملا، لا برنامجا مرافقا لبطولة رياضية فقط. ليلة يجري التصميم لها بعناية ليذوب فيها الفن بالتراث، وتتمازج فيها الذاكرة الشعبية مع نبض الحاضر، فتولد لوحة حيّة تتجاوز حدود العرض نحو طقس احتفالي يعيد تعريف معنى الافتتاح نفسه.
في تلك الليلة، سيعلو إيقاع جزيرة قرقنة المبلل بملح البحر وبأغاني البحّارة القدامى، وكأن صوت الموج هو أول من يعلن انطلاق الحدث. تتسلل نغماته إلى الحضور، فتستيقظ ذاكرة البحر: شباك الصيادين، رائحة الخشب الرطب، وحنين المسافات المفتوحة. ثم تنطلق الرقصات الفولكلورية التي تحمل نبض الهوية التونسية المتجذّرة. خطوات الراقصين ليست مجرد حركة، بل استدعاء لقرون من العادات، للأعراس الريفية، للمواسم، للبهجة التي تحملها الوجوه حين يلتقي الناس حول الطبول والزمور واللباس التقليدي.
وتأتي عروض فنون القتال التقليدية لتضيف بعدًا آخر للوحة. حركة الجسد هنا ليست استعراض قوة، بل جماليات متناسقة تُبرز فلسفة الجسد المنضبط، الجسد الذي يُقاتل بروح، لا بعنف؛ الجسد الذي يتقاطع فيه التاريخ الشرقي مع الحداثة الرياضية. الكونغ فو، الساموراي، الجودو، المواي تاي… كلها تتحول إلى رقصات صامتة تحكي عن الانضباط والطاقة الداخلية.
ثم يتبدّل الإيقاع حين يعلو صوت الراب التونسي، بحضوره الشبابي المتمرّد وروحه التي لا تخضع للقوالب. موسيقى تصعد من الأزقة، من المدارس، من يوميات الشاب التونسي المعاصر. حضورها في الافتتاح يربط بين الجذور والمستقبل، بين التقليدي والحديث، بين البحر والمدينة، بين الماضي والغد.
وتتولّى الإضاءة السينمائية آخر اللمسات، فتحوّل الحلبة إلى فضاء مسرحي عالمي، مسرح تُروى عليه قصة تونس من خلال لغة الضوء. الألوان تتبدل حسب الإيقاع، الظلال تنحت الحركات على الأرض، وكل لحظة تصبح مشهدًا دراميًا له هالته الخاصة.
هذه الخلطة الفنية تجعل الافتتاح معرضًا للفنون الحيّة أكثر من كونه مقدمة لنزالات قتالية. وكأن تونس تقف أمام العالم لتقول: “ثقافتنا ليست تفصيلاً جانبيًا… إنها قلب الحكاية وجوهر الصورة.” فالنسخة الثالثة من HFC تأتي بروح مغايرة، روح تتجاوز الرياضة لتقترب من المهرجان الثقافي–الحضاري. برنامج الافتتاح، الذي اختير له عنوان “إيقاعات قرقنة والروح المقاتلة”، لم يكن عرضًا فنيًا فحسب، بل قصيدة بصرية تُعيد إحياء الذاكرة التونسية عبر الموسيقى، الرقص، الفلكلور، وفنون القتال التقليدية.
من الإيقاع البحري “القرقني”، الذي يحمل سحر المتوسط وعمق التراث، إلى العروض القتالية الشرقية التي تمنح للحركة بُعدًا روحيًا، ثم إلى الراب التونسي الذي يحضر كصوت الشباب وروح العصر، يجد الجمهور نفسه أمام لوحة فنية جامعة: قوة الجسد، أناقة الروح، أصالة الماضي، وحداثة اليوم… كلها تلتقي في مشهد واحد.
# سياحة تُكتب بالحركة والألوان #
على الرغم من أن الحدث يبدو من الخارج مجرد منافسة رياضية تحمل صخب الحلبة وحماسها، إلا أنّه في أعماقه يبوح بطبقة أعمق وأكثر إشراقًا، نافذة واسعة تُفتح على صفاقس، لتتحوّل البطولة إلى منصة حية تجمع بين الثقافة والسياحة، وتربط بين ضيوف العالم في فسيفساء إنسانية مترابطة. فالحضور الدولي اللافت، الذي يضم 32 مقاتلًا من 22 دولة، لا يأتي بمفرده، بل يترافق مع وفود من الإعلاميين والسينمائيين والباحثين الثقافيين والسياحيين، الذين يجدون في صفاقس فرصة لاكتشاف روح مدينة تُشبه كتابًا مفتوحًا، تتداخل فيه صفحات الحجر والملح واللهجة ونبض البحر المتوسط الهادئ. يبدأ الزائر رحلته الحسية من الأزقة العتيقة، حيث الزمن يهدأ ليمنحه فرصة التقاط الأنفاس، والحجارة القديمة تحتفظ بحرارة آلاف الأقدام التي مرت من هنا، بينما تعبق رائحة الجلود والأعشاب والعطور الشرقية، كأنها ترانيم صامتة. وفي الورشات الصغيرة، يستمر الحرفيون في طرق النحاس بدقة متناهية، كأنهم يؤدون طقسًا يوميًا مقدسًا، تتحوّل فيه كل ضربة من المطرقة إلى نغمة تكمّل سيمفونية المدينة. وفي الأسواق والمطاعم الشعبية، يكتشف الزائر أن الثقافة ليست حكرًا على المتاحف، بل تتجلّى في المذاقات: رائحة “الشرمولة” مع طعم السمك الطازج، وطبق واحد يجمع نكهات البحر المتوسط وروح المطبخ الشعبي التونسي، فيما تتحوّل الطاولة إلى مسرح صغير من ضحكات وأحاديث وحركة ملاعق وحكايات تطير في الهواء قبل أن تستقر في ذاكرة الزائر. وعندما يصل إلى جزر قرقنة، يجد للبحر لغة أخرى؛ صمتًا ليس فراغًا، بل امتلاءً بنسيم البحر وصوت الشباك وخطوات الصيادين الذين يعرفون البحر كما يعرف الأب أبناءه. هناك، على صفحة الطبيعة البيضاء، تسمح القرقنة للزائر بأن يترك خلفه ضجيج المدن ويستعيد توازنه على إيقاع الموج، بينما يظل البحر، عبر الموانئ وسفنها الخشبية، ذاكرةً حية للملاحين والرحّالة الذين عبروا المتوسط، حامليًا معهم تجارة وأغاني ولهجات، ليس منظرًا فقط، بل هوية كاملة تتكرر مثل لحن قديم يعرفه أهل المدينة ويحفظونه عن ظهر قلب.
# عندما تصبح الرياضة لغة ثقافية #
منذ تأسيسها، حملت منظمة HFC International رؤية غير مألوفة في عالم الرياضة، رؤية ترى في الفنون القتالية أكثر من مجرد منافسة، بل جسرًا للتواصل بين الشعوب ومنصة لصناعة السلام الثقافي. ويختصر مؤسسها التونسي العالمي أيمن بلحاج هذه الفلسفة في عبارة أصبحت شعارًا للمنظمة: “نحن لا ننظم بطولة قتالية فقط… نحن نخلق فضاءً حضاريًا يلتقي فيه الإنسان بالإنسان، مهما اختلفت لغاته وثقافاته. القتال يمكن أن يكون فنًا… والفن يمكن أن يكون سلامًا.” وهذه الرؤية ليست شعارًا نظريًا، بل تنبض في كل زاوية من تفاصيل الحدث، من العروض الفنية التي تسبق النزالات، إلى الفضاءات الثقافية المصاحبة، وصولًا إلى الجلسات المفتوحة التي تجمع الوفود والجمهور، لتمنح صفاقس لحظة استثنائية تُترجم فيها الرياضة إلى لغة عالمية أساسها الاحترام والتعايش.
ما يميّز HFC 3 هو أنها لا تقدم الرياضة مجرد استعراض للقوة، بل كلغة إنسانية عالمية أقرب ما تكون إلى الفن، لغة تُكتب بالجسد وتُفهم بالاحترام وتُترجم بالتواصل بين الشعوب. ومن هذه الرؤية ولدت فلسفة البطولة، فلسفة تقوم على مزج متقن بين مدارس قتالية متنوعة، تتكامل لتمنح الحدث روحًا فريدة؛ ففي قلب هذا المشهد، تتقدّم الفنون القتالية الحديثة بكل ما تحمله من احترافية وتقنيات دقيقة، بينما تحضر الفنون التقليدية بوصفها ذاكرة القتال الأولى، حيث يندمج الانضباط مع الحكمة وتستعاد القيم التي تجعل من القوة وسيلة للسمو قبل أن تكون غاية. وتكتمل اللوحة بالفنون الاستعراضية التي تحوّل الحركة إلى لغة بصرية آسرة، والفنون الموسيقية التي تمنح اللحظة إيقاعها الداخلي، لتصبح الضربة والخطوة والتنقّل جزءًا من سيمفونية حيّة، فيما تتداخل الفنون البصرية والإضاءة لتحوّل الحلبة إلى فضاء مسرحي عالمي، تتحرك فيه الأجساد وسط ظلال وألوان مصممة بعناية مسرحية، بينما تفتح فنون التواصل بين الثقافات الباب أمام لقاءات إنسانية صادقة، تجعل من البطولة مساحة للتعارف وتبادل التجارب والاقتراب بين الشعوب.
وبهذه الروح، لا تبقى الرياضة مجرد منافسة على اللقب، بل تتحول إلى احتفال ثقافي شامل، يشبه عروض المسرح والرقص المعاصر، حيث تمتزج الحركة بالمعنى، ويتآلف الجسد مع الموسيقى، وتولد لحظات فنية خالدة تمتدّ خارج أسوار الحلبة لتستقر طويلًا في ذاكرة كل من حضر وشاهد وعاش التجربة. وخلال أيام البطولة، تشهد صفاقس حركة سياحية واقتصادية غير مسبوقة، تتجاوز مجرد استقبال زوار، لتتحوّل المدينة بأكملها إلى فضاء حيّ ينبض بالاحتفال والإبداع، حيث تمتزج الفنادق والمطاعم بالأسواق التقليدية، وتصبح المدينة العتيقة منصة مفتوحة للمشي والاكتشاف والمشاهدة والتصوير، في لقاء حيّ بين الماضي العريق والحاضر الحيوي، فيما يجد الفنانون والناشطون الثقافيون فضاءات للتعبير وإبراز مواهبهم أمام جمهور متنوع متطلّع.
بهذه الطريقة، لا تضيف البطولة حدثًا جديدًا إلى رزنامة المدينة فحسب، بل تعيد رسم صورة صفاقس نفسها وتمنحها موقعًا جديدًا على الخارطة الثقافية العالمية، حيث تتلاقى الرياضة مع الفن، ويلتقي الإنسان بالإنسان، لتقدم المدينة نفسها للعالم كفضاء للإبداع والحياة بكل أبعادها. تتجاوز البطولة كونها حدثًا دوليًا عابرًا لتصبح مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يعيد إلى صفاقس روحها الإبداعية الأصيلة ويعزز مكانتها في الفضاء المتوسطي، ويعيد للمدينة دورها التاريخي كمهد للفنون والابتكار، ويفتح أمام الشباب أفقًا واسعًا لصقل مواهبهم وتنمية قدراتهم من خلال التطوع والمشاركة الفاعلة، بينما تتحول شوارعها وساحاتها إلى منصات للإبداع والتجربة، وتتنفس المدينة الحياة على مدار أيام الحدث، مؤكدة مكانتها ليس فقط كمدينة رياضية، بل كمدينة تتنفس الإبداع والتنوّع، تعرض للعالم صورة تونس الحديثة التي تجمع بين التقليد والحداثة، الأصالة والانفتاح، الروح المتوسطية العميقة ونبض العالم المعاصر، لتقف صفاقس أمام العالم كلغة حية، لغة الفن والحياة والإبداع.
# كرنفال عالمي في قلب المتوسط #
من 18 إلى 20 ديسمبر، ستتحوّل صفاقس إلى مدينة تنبض على إيقاع أيام غير مسبوقة، حيث تتداخل الرياضة بالفنّ، وتتمازج الأضواء مع الحكايات القادمة من خمس قارات. ثلاثة أيام ستشهد خلالها المدينة برنامجًا متعدّد الأوجه، غنيًا بالتفاصيل، يعكس تطلّع تونس إلى ابتكار تجربة حضارية جديدة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية التقليدية.
ففي هذه الفترة، ستستقبل صفاقس مؤتمرات إعلامية دولية تُنقل مباشرة إلى العالم، يجتمع فيها الصحفيون، صُنّاع المحتوى، والوفود الرياضية في فضاء واحد يضع تونس في قلب الخريطة العالمية. تليها جلسات قياس الوزن المفتوحة للجماهير، التي أصبحت في البطولات الكبرى طقسًا جماهيريًا قائمًا بذاته، يتيح للناس أن يقتربوا لأول مرة من أبطالهم مباشرة، ويروا لحظات الترقّب التي تسبق النزالات الكبرى.
كل هذا سيحوّل صفاقس إلى كرنفال حضاري متكامل، يعكس الوجه الجديد لتونس: بلد قوي بثقافته، غني بتاريخه، وصادق في رغبته في الانفتاح على العالم دون أن يفقد هويته.
بهذه التظاهرة، تُعلن مدينة صفاقس التونسية ميلاد مرحلة جديدة من حضورها الثقافي. فهي اليوم تُقدّم نفسها كمدينة تحتضن الفنّ مثلما تحتضن العمل، وتقدّم الإبداع كجزء من هويتها، لا كاستثناء عابر. ستصبح وجهة للسيّاح، الباحثين عن الثقافة والتنوّع، وللشباب الراغبين في اكتشاف عالم يلتقي فيه الشرق بالغرب، والحداثة بالجذور.
لن يكون هذا الحدث مجرّد بطولة، بل رواية تونسية مضيئة تُكتب بالحركة، الإيقاع، البريق، التراث، والجمال. رواية تُرفع على مرأى العالم، وتشهد فيها صفاقس لحظة ميلاد هوية جديدة أكثر جرأة وأكثر إشراقًا.
إنها ليلة تقول فيها تونس للعالم، بصوت عالٍ وواثق:
“هنا… في هذا الركن من المتوسّط، نؤمن أنّ الثقافة أعظم أبطالنا، وأن الجمال هو لغتنا المشتركة.”

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.