بقلم: فتحي الرحماني
لا يمكن أن نقارن عمر الرواية بعمر المسرح أو الشّعر مثلا، وهذا ينعكس على المدوّنة النقدية الخاصّة بكلّ فنّ من هذه الفنون من جهة، وبمسار التطوّر الذي قطعه كلّ منها. لذلك أصبح من الدارج في الشعرالحديث عند النقّاد وعند القرّاء على السواء عن الشعر العمودي والشعر الحر والرباعيات وقصيدة النثر، والأمر نفسه في المسرح إذ استقرّ الحديث والتمييز بين المسرح التراجيدي والمسرح الكوميدي أوالعبثي أوالتجريبي ومسرح الظلّ والمونودراما وغيرها. لكنّ الأمر يختلف عندما ننظر إلى الأجناس السردية ومنها الرواية التي اعتبرها البعض “متباينة الوجوه” والتي اختزل الروائي الأنجليزي إي.آم. فورستر تعريفها في قوله “الرواية عمل نثري تخييلي بطول معيّن”.
1.جهد التجنيس:
يذهب الكاتب والناقد الفرنسي إيف ستالوني في كتابه (الأجناس الأدبيّة) نقلا عن ديكرو وتودوروف إلى أنّ مسألة الأجناس الأدبية هي “من أقدم مسائل الشعريّات. فمنذ العصر القديم وحتّى أيّامنا هذه لم ينقطع الجدال حول تعريف الأجناس وعددها وعلاقاتها فيما بينها”. ويعتبر أنّه منذ أرسطو انحصر تصنيف القول في ثلاثة معايير هي بنيات الخطاب الكبرى المحدّدة لجنسه وتتمثّل في: الوسائل (وهو معيار شكلي) والمواضيع (وهو معيار مضموني) والصيغ (وهي أفعال الكلام ووظائفه).
وبهذا استقرّ في المدوّنة النقدية أنّ التجنيس هو بمثابة البطاقة التصنيفية التي تفرض نفسها من زاوية أنّها أداة إجرائية تحدّد معايير انتماء نصّ أو عمل فنّي إلى جنسه، لأنّ الجنس هو مقولة تُمكّننا من ضمّ عدد من النصوص بعضها إلى بعض بناء على مشتركات بينها وخصائص تميّزها عن غيرها.
ويمكن القول أنّ هذه الجهود النقدية المتعلّقة بالأجناس الأدبية قد تطوّرت مع المدارس البنيوية الحديثة التي استفادت بدورها من البحوث في علوم الطبيعة ولاسيّما علم البيولوجيا. فالتجنيس وتصنيف الكائنات إلى أنواع وفروع هو عمل اختصّت به البيولوجيا ثمّ تمّ تطبيقه على الفنون والآداب واللغات. إذ تعلّمنا البيولوجيا أنّ الكائنات تنقسم إلى أجناس، وكلّ جنس منها ينقسم بدوره إلى أنواع، وكلّ نوع يتفرّع إلى زُمر وفئات، وهذه إلى وحدات. فإذا أجرينا هذا التقسيم على الأجناس الأدبية كما فعلت البنيوية سنجد مثلا السرد أو الحكي جنسا تتفرّع عنه أنواع منها الرواية والرواية القصيرة والقصّة والقصّة القصيرة… ومثل هذه التصنيفات تجعل مقولة الأجناس في مواجهة ثنائية الوحدة والتعدّد وهو ما يدفعنا إلى البحث عن الخصائص التي تشدّ الفرع إلى الأصل وفي الوقت نفسه نطرح سؤال الكم المتعلّق بمدى تواترتلك الخصائص وحضورها في شيء مّا حتّى ينتسب إلى الصنف الأعلى منه ؟
إنّ الأمر شبيه بعلاقة اللغة باللسان وبالكلام في لسانيات دي سوسير لتصبح معه مقولة الجنس الأدبي بنية ذهنية مجرّدة، وهو ما يؤكّده الكاتب الفرنسي لويس بلاديه في قوله ” الجنس نوع من نموذج أوّلي. من تخطيط أمّ. من ماهية يمثّل كلّ عمل تجسيدا لها وإنجازا مفردا لصيغتها المجرّدة “. وهو ذاته رأي اللساني ميشال ريفاتار عندما اعتبر أنّ “الجنس الأدبي هو البنية والأعمال تقليبات لها”.
ورغم أنّ هذه التصنيفات النقدية مهمّة في التمييز بين أنواع الكلام وهي التي تساعد القارئ على تقبّلها وفهمها ولكنّها تظلّ “معالم” يهتدي بها الكاتب والقارئ على حدّ سواء ولا تُلغي هي نفسها – رغم صرامتها أحيانا – فكرة وجود تنوّع واختلافات داخل الوحدة. فالجنس الأدبي يتضمّن في نفسه شروط نفيه، ويحمل في طيّاته بذور الخروج عنه. كما لا ينبغي أن نغفل عن أنّ النقد نفسه – كما الإبداع تماما – ينتمي إلى مدارس فكرية متباينة ويرتكز على أسس ومقولات فلسفية متنوعة توجّه اختياراته ومجالات بحثه. وهو لذلك يتغيّر ويتطوّر على مرّ العصور.
2. الرواية والتجنيس:
نعثر على رأي طريف عن الرواية للباحثة والمترجمة الفرنسية مارت روبير في كتابها (رواية الأصول وأصول الرواية) تقول فيه: “يعترف المؤرّخ للرواية الحديثة بأصول نبيلة تنتحلها هي أيضا وتنسبها أحيانا لنفسها. إلاّ أنّها في الواقع طارئ طارف على الأدب. عامّي ترقّى فصار وسط أجناس أزاحتها شيئا فشيئا كأنّها انتهازيّ بل مُغامر.” وتضيف الباحثة – وهي تشير إلى أصل نشأة الرواية في إطار اللهجات الأوروبية وبلسان رومي دارج في مواجهة لسان لاتيني فصيح- قائلة “كانت الرواية في منزلة جنس قاصر منبوذ فصارت قوّة لا نظير لها. وهاهي اليوم تهيمن وحدها أو تكاد على الحياة الأدبية. فقد أبطلت إلى غير رجعة الفئات الأدبية القديمة وورثتها. فتملّكت أشكال العبارة كلّها، واستخدمت الطرائق كلّها من غير حاجة إلى تبرير ذلك الاستخدام”.
وكأنّ الرواية بهذا المعنى “تأكل أخواتها” على حدّ عبارة الكاتبة الأنجليزية فرجينيا وولف (نقله إيف ستالوني في كتابه المذكور أعلاه). وبذلك تربّعت الرواية على عرش الأدب عامة واستحوذت على كلّ أشكال السرد قديمها وحديثها وهضمتها لما تتميّز به من مرونة أجناسية وبسبب التطوّرات الاجتماعية والثقافية التي أحاطت بها حتّى أصبح البعض لا يتحدّث عن الرواية وإنّما على “طيف الرواية”، وحتّى أنّ كاتب مثل غي دي موباسان ضجّ في وجه النقّاد قائلا “من منكم يتجاسر بعد ذكر عناوين روائية مختلفة على القول أنّ هذه رواية وتلك ليست رواية؟ من قال لكم أنّ تلك الأعمال روايات؟ ما تلك القواعد الزعومة؟ من أين أتت؟ من أقامها؟ على أيّ مبدإ أو أيّ سلطان وأيّ استدلال؟” ( أورده إيف ستالوني في كتابه).
ومع ذلك فقد صنعت الرواية في القرون الأخيرة ذائقتها الخاصّة وجمهورها الخاصّ، وعضدها النقد الأدبي الذي رافقها وصنع لها بمقولاته ومعاييره “أفق انتظار” يتلقّى من خلاله الجمهور هذه الأعمال ويستقبلها.
3. مخاتلة الأنساق السردية :
يبدو أنّ قدر النقد أن يلاحق الإبداع، ذلك أنّ الأوّل صارم حاسم يضع معايير الأجناس ويضبط قواعد القول انطلاقا من استقراء المتشابه في النصوص، بينما الثاني منفلت متحرّر ومع ذلك يظلّ هو السبب في وجود النقد ومبرّرا لوجوده، ولعلّ الدليل على صحّة هذه الفرضية ضعف شعر العلماء قديما و”فشل” بعض تجارب الأكاديميين في كتابة الرواية وإبداعها اليوم.
ومع التحوّلات العميقة التي شهدها عصرنا وتراجع بعض “السرديات الكبرى” أو انهيارها وتشعّب المدارس الفكرية (ما بعد الحداثية خاصّة) لم يعد ممكنا الحديث عن “صفاء أجناسيّ” أو “نقاء” في مجال السرد، فقد نشأت نصوص “هجينة” لا تتنكّر للأب (السرد) أو للأم (الرواية) ولكنّها لا تذكر اسميهما بالضرورة.
فمنذ موجة الرواية الجديدة في الستينات من القرن الماضي مع آلان روب غريّيه وناتالي سارّوت وميشال بوتور وآخرين نشأت المخاتلة في بنيات الرواية وأشكالها وفي ثيماتها ومضامينها خاصّة مع استجلاب بنيات جمالية جديدة من الشعروالمسرح والانفتاح على تقنيات سينمائية وتقنية جديدة. إذ سعى هؤلاء الروّاد إلى الخروج عن القوالب الجاهزة والسُّبُل المسطورة، فبحثوا عن أدوات جديدة انطلاقا من إحساس بالرّفض للسائد ورغبة في التجديد والتجريب. وحتّى رولان بارت الذي أبدى مخاوفه في البداية من هذه الموجة ومن نضوب معين الرواية أو إعلان موتها، قد وجد في هذا التوجّه ما بعد الحداثي ما يغني التجربة السردية وينفتح بها على آفاق جديدة. فالنزعة التشكيكية والميل نحو السخرية وفقدان الثقة بالسرديات الكبرى بعد تشوّه الواقع ومساءلة كلّ شيء بما في ذلك السرد نفسه وتقنياته المألوفة، كلّ هذه الأمور تحوّلت إلى مصادر إثراء للرواية الحديثة.
ورغم كلّ هذا البحث والتجريب، فإنّ الرواية الجديدة لم تتجاوز مفهوم الجنس الأدبي الروائي بقدر ما حاولت وضع لمسات جديدة عليه بالتغيير في عناصره، فكسرت خطيّة السرد، ولم تعد تسيربأحداثها نحو الانفراج، وصار يمكن للشخصية القصصيّة أن تختفي ثمّ تعاود الظهور مجدّدا، وأصبحت الأشياء لا تقلّ أهمية عن الشخصيات الآدمية، وحلّ التلميح محلّ التصريح في لغة شعرية تعتمد الرمز والإيحاء، ولم نعد نستند في الرواية الجديدة على مرجعية أخلاقية أو فكرية واضحة بل صار السرد نفسه يفكّك هذه المرجعيات ويفكّك نفسه ويسائلها من خلال تقنية الميتا-سرد..
4. الرواية القصيرة ومشكلة الشرعية والتجنيس:
نعتقد أنّ ما أنجزته الرواية الجديدة في ستينات القرن الماضي رغم ما واجهته من صعوبات وخصومات نقدية ترك أثره في مسار الرواية وجعل الكتاب يقفون طويلا أمام تجاربهم، وهو ما يؤكده موقف نجيب محفوظ الذي صمت نحو خمس سنوات لتقييم مسيرته الروائية قبل أن يطلّ من جديد على جمهوره بتجربته الروائية الذهنية (الشحّاذ، اللصّ والكلاب، الطريق..) التي استلهم فيها الكثير من تقنيات الرواية الجديدة.
ويبدو أنّ منجز الرواية الجديدة سيفتح الباب أما تنامي أشكال السرد الوجيز مثل القصة القصيرة والقصيرة جدّا والرواية القصيرة.
وككلّ ولادة جديدة قد تكون عسيرة و قد يُصاب فيها المولود بعاهات، بدأت الرواية القصيرة في العالم العربي بالتشكّل والظهور كما يقول الكاتب والناقد العراقي حكمت الحاج: “ظهر في السنوات الأخيرة اهتمام متزايد بمفهوم الرواية القصيرة المعروفة أيضا بعدّة مسمّيات منها: الرواية المصغّرة أو الوجيزة أو النوفيلا والنوفيليتا، وهذه الأعمال الأدبية المكثّفة تتحدّى المفاهيم التقليدية للسرد، وتُقدّم تجربة فريدة للمتلقّين”.
وكما واجهت النوفيلا في الغرب صعوبات رغم أنّ كبار الأدباء في العالم كتشارلز ديكنز وإرنست همنغواي وغوته وستيفان تسفايغ وجورج أورويل قد كتبوا في هذا اللون، فإنّ الرواية القصيرة قد تواجه المصير نفسه في العالم العربي خاصّة وأنّها تفتقر إلى مدوّنة نقدية تسندها، كما أنّها تصطدم بمواقف سكولاستيكية محافظة وصارمة منبعها رسوخ تقاليد في القراءة والتقبّل ومخاوف ومحاذير على مصير السرد والرواية نفسها، فكلّما ذُكر اسم الرواية القصيرة يتراءى للبعض شبح “أوديب” القاتل قادما من بعيد.
ومن الأسباب التي قد تجعل البعض يتحفّظ على هذا النوع السردي الجديد غياب جهاز نقدي ومفاهيمي واضح يسهّل التلقّي والاستقبال.لأنّ قارئ الرواية القصيرة سيفكّر أوّلا في التصنيف الأجناسي لما يقرأ، فأنت تُقبل على الكتاب متوقّعا جنسه، وحتّى وإن رأى القارئ (التقليدي خاصّة) الكاتب والنّاشر يتواضعان على تحديد جنس الكتاب منذ غلافه وعنوانه (بوضع عبارة “رواية قصيرة” في مثالنا) فإنّه حتما لن يتجاهل هذا الميثاق والعقد حتّى وإن لم يستسغه، ولكنّه لن يخفي في المقابل تفاجؤه به، وقد يقابله بكثير من عدم الارتياح لأنّه لن يجد في مخيلته ما به يستقبل هذا العمل، وقد يحدث ألاّ ينخرط في ذلك العقد الذي اقترحه عليه الكاتب والنّاشر فيسعى إلى تصنيف العمل تصنيفا مغايرا حسب ما رسخ في ذهنه من معايير نقدية وتقاليد القراءة، كأن يقول مثلا “هذا قصّة. وهذه رواية بغضّ النظر عن حجمها وطولها..” لأنّ التجنيس يخلق لدى القارئ توقّعا وأفق انتظار هو بمثابة جهاز الاستقبال الذي به يفكّ شفرات أيّ عمل. وأفق الانتظار قد يؤدّي إلى ردود فعل متباينة قد تكون اندهاشا وانبهارا وقبولا وإعجابا وقد تكون خيبة أمل وتشويشا والتباسا أو رفضا.
وممّا يزيد الأمر تعقيدا أنّ الرواية القصيرة تقع على التخوم تماما لنظريّة الأجناس الأدبية، ففيها من القصّة وفيها من ملامح الرواية وفيها من الشعر والمسرح والسينما والفنون التشكيلية… أي أنّها نصّ قلق يصدر عن كاتب قلق، فينتقل هذا القلق إلى القارئ نفسه. ذلك القارئ الذي تعوّد على تمضية الوقت والاستمتاع والتسلية بقراءة الروايات في أوقات فراغه، فإذا به مدعوّ إلى التفكير العميق في الموضوعات وفي تقنيات الكتابة، وإذا به يتخلّى عن راحته واسترخائه ومسلماته وأوهامه وقناعاته لينخرط مع الرواية القصيرة في معركة الفهم والتفكيك ومساءلة كلّ شيء.
5. الرواية القصيرة ومحاولات التعريف:
كما ذكرنا سابقا لا يعثر الباحث خاصّة في العالم العربي على الكثير من النصوص النقدية التي تناولت الرواية القصيرة، ومع ذلك سنتوقّف عند بعض المحاولات التي سعى أصحابها إلى تحديد ملامح هذا النوع السردي انطلاقا من مرجعيات ومقاربات مختلفة. بعض هذه المقاربات تاريخي ربط الرواية القصيرة في العالم العربي بالنوفيلا في الغرب، مذكّرا بأصل كلمة “نوفيلا” في اللاتينية novus التي تعني الجديد، ونشأتها التي ترجع إلى عصر النهضة في إيطاليا خلال القرن الرابع عشر مع النوفيلا الشهيرة “ديكاميرون” لجيوفاني بوكاشيو.
وبعض من المقاربات الأخرى اكتفى أصحابها بالتركيز على المعايير الكمية ومقاييس الحجم، من ذلك ما ذهب إليه الناقد العراقي د. شاكر الأنباري حين حدّد حجم الرواية القصيرة بالقول: هو الحجم الذي ” لا يمكن النظر إليه على أنه حجم لقصة قصيرة، ولا يمكن النظر إليه على أنه حجم لرواية طويلة، وهو حجم غير محكوم بعدد معين من الكلمات، فالفنّ لا يخضع لمثل هذه القيود الصارمة”.
بينما ذهب الناقد العراقي عبد الكريم حمزة عباس إلى تعديد نماذج ممّا اعتبره روايات قصيرة غربية: “ومن الأمثلة على الرواية القصيرة الأجنبية: رواية مزرعة الحيوانات تأليف جورج أوريل عام 1945 حيث عدد كلماتها حوالي 30000 كلمة، رواية الغريب تأليف البير كامو عام 1942 عدد كلماتها 36750 كلمة، رواية الشيخ والبحر تأليف أرنست همنغواي عام 1952 عدد كلماتها 26601 كلمة، رواية المسخ تأليف فرانز كافكا عام 1915 عدد كلماتها 21810 وغيرها الكثير.”
وينتهي إلى الإقرار “أمّا في الوطن العربي بصورة عامة فإنّ هذا النوع من الروايات نادر جدّا”.
في حين حدّد المصري د. أبو المعاطي الرمادي خصائصها في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة في عام 2003م، فحصرها في المعايير التالية:
حجم متوسط غير محكوم بعدد محدد من الكلمات.
استهلال ذو طبيعة خاصة، إذ تميل الروايات القصيرة للاستهلالات المركزة المكثفة ؛ بسبب اعتمادها على شخصية محورية واحدة، وحدث محوري واحد، ولا يتعدى استهلالها الفقرة الأولى، وأحيانا السطر الأول، ويتميز بشيوع الحس الكوميدي، أو التراجيدي، والتأريخ للبطل والمكان .
لغة مكثفة تقترب بالسرد من الشعر.
ازدواجية الدلالة، فالكاتب لا يُصرّح بل يلمح، ويترك الكثير من المساحات لخيال المتلقّي.
حدث مركزي واحد: تقوم الرواية القصيرة على حدث مركزي واحد يستقطب كل مكونات العمل .
وجهة نظر خاصة للواقع: إذ تميل الروايات القصيرة إلى تحويل مدركات الواقع البسيطة إلى فعل مرئي محسوس، وتُغلّب المألوف واليومي والنادر والثانوي على الأساسي والمباشر.
وصف موجز: تعتمد الرواية القصيرة على الوصف الموجز الفعّال.
ملمح السخرية: من العلامات المميزة للرواية القصيرة ملمح السخرية، ويكون أحيانا بأسلوب الاستفزاز، وأحيانا بالرسم الكاريكاتيري، وبالمواقف الكوميدية، والتعليقات المضحكة .
فضاء خاص يتسم بالمحدودية، يستمد رحابته المكانية والزمانية من القفزات والوثبات الناتجة عن توارد الخواطر والاختزال .
إثارة الأسئلة: النص الروائي القصير يثير كمّا من الأسئلة دون الاهتمام بطرح أية إجابات.
مانيفستو الرواية القصيرة:
الملاحظ في أغلب هذه المواقف والرؤى اندراجها في مقاربات تاريخية أو شكلانية بنيويّة، على أهمّيتها قد لا تجعل القارئ يميّز تمييزا واضحا موقع الرواية القصيرة بين أنواع السرد المألوفة عنده. وهو ما تفطّن إليه الكاتب والناقد العراقي حكمت الحاج الذي وسّع آفاق النظر إلى هذا النوع الأدبيّ المستجدّ عندما نشر بيانا منذ سنتين تحت عنوان “بيان الرواية القصيرة جدّا: نظرة في النوع الأدبي وبيان في الطريقة” ثمّ عاد ونشره بعد ذلك تحت مسمّى “بيان الرواية القصيرة جدّا: ر.ق.ج” وقد أمضى على هذا البيان ثلّة من النقّاد والمبدعين العرب مشرقا ومغربا وفي المهجر.واعتبره البعض بمثابة “المانيفستو” التأسيسي والتأصيلي للرواية القصيرة والسرد الوجيز، وإعلان مبادئ ونوايا من أجل ترسيخ هذا النوع السردي ضمن خارطة الأنواع السردية الأخرى في منطقتنا العربية خاصّة وأنّه تضمّن “خارطة طريق” من أجل الكتابة يمكن أن يهتدي بها الكاتب والقارئ على حدّ سواء.
والأهمّ من ذلك أنّ الأستاذ حكمت الحاج تقاطع مع المقاربات الأخرى في تاريخية هذا النوع السردي وفي أبرز خصائصه البنيوية والفنية، ولكنّه لم يكتف بذلك بل حاول أن يرتكز في مقاربته الخاصّة على مرتكزين هامين لا نجدهما في بقيّة المقاربات هما:
– الخلفية الفلسفية: فقد بحث الناقد عن الرؤية التي يمكنها أن تكون مرتكزا لكتابة الرواية القصيرة، فوجدها في ما أسماه “التقليلية – المينيماليزم” وهي حركة فكرية وفنيّة ورؤية للوجود تعتمد التقشّف والتقليل والبساطة، و تسعى إلى التخلّص من التفاصيل الزائدة، لتكون الرواية القصيرة تطبيقا فنيّا ممكنا لهذه الفلسفة ونموذجا “ للجمالية التقليلية” التي تقتصد في الشكل والمضمون.
– جمالية التلقّي: وهي من المرتكزات النقدية التي يعتمدها الأستاذ حكمت الحاج وسبق وطرحها في أكثر من مناسبة وموقع (انظر مقاله المنشور في “الحوار المتمدّن” بتاريخ 29/8/2018 بعنوان “نقد التحدّي والاستجابة: عرض مفاهيمي لجمالية التلقّي والتواصل الأدبي”)، وتعود إلى مؤسسها الألماني “هانز روبرت ياوس”.
ويهمّنا في إطارنا هذا أن نقتطع من كلام أ.حكمت الحاج هذا الجزء الذي يقول فيه “يتضمن التلقي كمفهوم جمالي معنى مزدوجا، فهو إيجابي وسلبي في آن معا، إذ أنه سيرورة ومسيرة من المؤلف إلى القارئ وكذلك من القارئ إلى المؤلف، أي أنه يشتمل في ذات الوقت على الأثر الذي ينتجه العمل الأدبي، وعلى الطريقة التي يستقبله بها القارئ، أي بعبارة أوضح، على جواب القارئ.”
فالنصّ الأدبي مهما كان نوعه هو في النهاية “محاورة” بين كاتب وقارئ. فالنصّ لايكون نصّا بكاتبه وناشره فقط وإنّما بتفاعل القارئ ومساهمته فيه.
يقول حكمت الحاج موضّحا: ”حين يشرع المتلقّي في قراءة عمل أدبي جديد، فإنّه ينتظر منه أن يستجيب لأفق انتظاره، أي أن ينسجم مع الأعراف الجمالية التي تكوّن تصوره عن الأدب. ولكن، بما أنّ للعمل الأدبي أيضا أفق انتظاره الخاص به، الذي قد يتّفق أو يختلف مع أفق انتظار القارئ، فإنّ النتيجة ستكون في النهاية عبارة عن حوار أو صراع بين الأفقين..”
وقد نبّه أ.حكمت الحاج إلى أنّ الرواية القصيرة تقترح على قارئها “ميثاقا جماليا” جديدا يمكن أن يساهم في تغيير موقفه من مسألة الأجناس الأدبية، خاصّة وأنّنا أمام واقع جديد وأمام قارئ جديد، ولابدّ من الاعتراف اليوم بوجود أنماط مختلفة من القرّاء، فمقابل القارئ النهم المتأنّي والمتفرّغ الذي يقرأ رواية ذات عدد صفحات كبيرة، هنالك قارئ متعجّل يفضّلُ الروايات القصيرة أو النوفيلا التي تناسب وقته الضيق بسبب ضغوط الحياة ونسقها المتسارع.
آفاق الرواية القصيرة:
تبدو الرواية القصيرة اليوم مساءلة حقيقية ّلما يمكن أن نطلق عليه “عمود النقد”، لأنّها تتضمّن دعوة للقارئ كي ينخرط في التفكير، كي يراجع مسلماته، كي يدرك أنّ الرواية القصيرة نصّ مُخاتل، وأنّ فرادة هذا النوع السردي و“شعريته” أو “قصصيّته” قد تكمن في “لا- أجناسيته” بما هو كتابة غير نسقيّة أو حتّى ضدّ- نسقية بالمعنى الثقافي والحضاري والفكري والفنّي. بل قد يكون هدف الرواية القصيرة تفكيك العالم وهدم المرجعيات. فالسؤال منذ موجة الرواية الجديدة في الستينات وفي الرواية القصيرة اليوم لم يعد متعلّقا بكيفيات سرد الحقيقة أو سرد العالم وإنّما بمساءلة الحقيقة ومساءلة العالم. وما مساءلة الجنس الأدبي إلا جزء من مساءلة الحقيقة.
مع الرواية القصيرة الرواية ذاتها تسائل نفسها بدل مساءلة الواقع: تسائل تقنياتها، تسائل قارئها، تتخلّى عن أن تكون لغتها وسيطا بينها وبين الآخر لتستعيض عنها بالإيجاز والتكثيف والترميز. وَعْيُنا نفسه في هذه الرواية محلّ مساءلة.
وفي كلمة: الرواية القصيرة تقترح على قارئها أفقا جماليا جديدا..
ومع ذلك تظلّ دائما هنالك محاذير للانحراف بالكتابة أو السقوط في اللاشيء والعدمية والاستسهال، ولكن ما يحمي الكاتب دائما هو الرؤية والمرجعية والفلسفة التي ينطلق منها، لذلك لا يكفي أن نختزل جنسا أو نوعا أدبيّا في مجموعة من الخصائص الشكلية، بل علينا تفكيكه للوصول إلى الرؤية التي يصدر عنها الكاتب.
أضف تعليق