كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

حين يفكّر المعلم في لحن شارد..

زياد في مرثية شاعر عراقي

بقلم: حكمت الحاج* _

برحيل زياد الرحباني، لا يغيب فنان عظيم فحسب، بل يغيب وجهٌ من وجوه الوعي العربي الحديث. زياد، ذلك العازف والموسيقار والمغني اللبناني الذي ابتكر مزاجًا موسيقيًا فريدًا سمّاه النقاد «الجاز الأورينتال»، فجمع فيه بين نبض الجاز الغربي وروح المشرق العربي، بين السخرية اللامبالية والوجدان العميق. ابن فيروز وعاصي الرحباني، لكنه في الوقت نفسه ابن الشارع البيروتي، ابن المقهى والرصيف والمسرح والإذاعة، الذي جعل من الموسيقى لغة يومية للناس، ومن الفن مساحةً للتفكير في معنى أن نعيش وسط الفوضى.
القصيدة التي بين أيدينا لا ترثي زياد مباشرة، بل تضعه في مشهد رمزيّ هادئ: “المعلم” يجلس قرب باب بيته القديم، الحمار خلف العربة، الطنبور نائم منذ أسبوع، والبندقية باردة تنتظر لحنًا شاردًا. كل شيء ساكن، لكن خلف هذا السكون يشتغل صدى العالم كما لو أنّ الموسيقى نفسها توقفت لتفكر في مصيرها. من خلال هذه التفاصيل الصغيرة، يعيد الشاعر حسين علي يونس تشكيل صورة زياد الرحباني بوصفه أيقونةً ثقافية أكثر من كونه موسيقيًا، رمزًا للزمن الذي كان الفن فيه طريقةً في التفكير، والحنين نوعًا من النقد، والموسيقى شكلًا من أشكال المقاومة.
لم أقرأ أبدا وداعا لعظيم بهذا الشكل، رغم كثرة من كتب، وكثرة ما كتب عن رحيل زياد. أنت تحتار أمام قصيد مثل هذا، هل أنت تقرأ نعيا لراحل، أم مدحا لمقيم، أم وداعا دافئا، أم ذكريات حنين لا ينضب؟ لقد استطاع الشاعر العراقي حسين علي يونس أن يوجز حضور زياد الرحباني كله في هذه القصيدة القصيرة. “المعلم زياد”! ياااه، ما أقوى هذه العبارة! يمر أحدهم قائلا: كيف حالك يا معلم؟ بينما المعلم زياد يفكر في فيروز والبندقية المعلقة على الحائط، والطنبور النائم منذ أسبوع. لطالما استبعد المعلم، مثل أبيه عاصي الرحباني، العود من التخت الشرقي، واستبدله بالطنبور، رمز الشعب وآلته الأثيرة، فيأتي الشاعر بجرة قلم ليعيد الاعتبار للجميع.
في بساطة لغتها وهدوء نبرتها، تحمل هذه القصيدة طابعًا تأمليًا عميقًا. فهي لا تبكي زياد، بل تُنصت معه، إلى العالم بعد غيابه. إلى تلك اللحظة التي يصبح فيها الفن صمتًا متفكرًا، واللحن طائرًا نادرًا لا يُصطاد إلاّ في الحلم. بهذه الروح يقدّم الشاعر تحيةً خفيّة لمعنى “المعلم” الذي لم يتوقف عن تعليمنا أن الموسيقى ليست ترفًا، بل طريقة في العيش، وأنّ الصمت ـ أحيانًا ـ أصدق ألحان الوداع.

* إلى زياد الرحباني ..
قصيدة الشاعر العراقي: حسين علي يونس _

عندما تضعُ الحمارَ خلف العربة،
لا تطلبْ منه أن يجرَّها.
يقول “المعلم زياد” لصاحب العربة
الذي يجلس قرب باب بيته القديم.
يترك العربةَ والحصانَ الذي غيّرَ وظيفتَه،
ويفكّر بفيروز،
وبطنبوره الذي ينام منذ أسبوعٍ
كالحمامة في العشّ.
يمرّ أحدهم قائلًا: – “كيفك يا معلم”؟
المعلم يضع بندقيته،
ويفكّر في الأيام التي تمطر،
يتأمل بندقيته،
وينتظر أن يصيد لحنًا شاردًا.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.