بقلم: عبد الجليل حمودي
كل عام وأنتم بتجريبٍ..
لكلّ مدينة معمارُها به تتجمّل وعلى غيرها تتميّز. ومدنين المدينة الرابضة في عمق البلاد التونسية عُرفت منذ زمن بمعلميْن أحدهما أثريّ رُفعت قواعده من جصّ وحجارة. لم تكن له من فخامة ” القصور” إلا اسم مضاف فيه إلى القاف نقطة معلنة عن هوية محلية. إن فخامته تكمن في بساطته وبساطته سرّ عمق جماله. لحاف هو تتدثر به مدنين من لفحات الصحراء. أما المعلَم الثاني فهو إبداعي نسج من فنّ وخيال. إنّه ” مهرجان المسرج التجريبي”. أيامه تضيء ليالي مدنين الحالكة وبه تتصدر المشهد الفني في تونس لمدة أسبوع. يختلف إليه الفنانون عارضين ما جادت به مخيّلاتهم من أعمال مسرحية تجنّح بالمشاهد إلى ذرى الإبداع والتخوم القصيّة منه. هناك حيث سحر الحكايات وجاذبية الأوان ورشاقة الحركات.
وبمناسبة إنجاز الدورة 28 اختار المشرفون على هذا المهرجان معلّقة إشهارية يلاحظ المتأمل فيها أنها تتكون من صورة وكتابة وسنحاول في هذه الورقة أن نستجلي أبعادهما ورمزياتهما. نقرؤهما ونحن مؤمنين أنّ تشكيلية المعلقة تنفلت أبدًا من حصار القراءة لها. فما القراءة إلا محاولة للاقتراب منها ولعلنا نحرز فيما نحرز شرف المحاولة.
إن الكتابة في المعلقة تعلو الصورة معلنة عن الجهات المشرفة والمموّلة التي تبدو قليلة فلم تبرز مؤسسات اقتصادية كبرى تدعم هذا المهرجان وبذلك يبقى المتابع له في تساؤل أبديّ عن غياب تلك المؤسسات. كما تحتل الكتابة الجهة السفلى مشيرة إلى عمق الدورة الذي أصبح يافعا متجذرا في التاريخ الثقافي والفني للجهة وللبلاد عموما ملمّحة إلى أنها دورة مخصوصة لأنها مهداة إلى المؤسس: أنور الشعافي” علامة فارقة في المسرح التونسي أفنى حياته في المسرح وروى من دمه وروحه هذا المهرجان حتى يبلغ ما بلغه الآن من شهرة وامتداد في الآفاق.
وإذا ولّينا القراءة شطر الصورة سنلفاها تعمّ كل المعلقة باسطة بياضها عليها. إنه البياض الموشّى بقليل من الرمادية. يوحيان بالصفاء والسكينة. صفاء الفن وسكينة الروح. أو قل هو الحزن لرحيل مؤسس المهرجان وحنين إلى إبداعاته. وقد ينفتح الأبيض على رمزية الجديد فكأننا بهذا المهرجان نفتح في كل عام الكتاب على صفحة جديدة من المسرح لم نطّلع عليها في السابق. إنها جدّة الأرض البكر التي لم يطأها خيال فنان من قبل. وقد يشي البياض بستارة تُفتح يمينا وشمالا على المسرح. ركح الحياة. ليكون المشاهد في مواجهة الحياة مباشرة أو إنه يعيشها هناك بلا حواجز. يتفاعل معها بعد أن كان قبل التجريب يقف على شفا الانفعال فقط.
وإن دققنا النظر سنجد خطوطا دقيقة متشابكة تشابك التجارب المسرحية فما من تجربة ولدت لوحدها وإنما نشأت وترعرعت فأينعت في تلاقح مع تجارب أخرى. تقوّي أصرها لتعرف موقعها من تاريخ المسرح ثم ألا تشير تلك الخطوط إلينا بأنّ التجريب لا يعرف الاستقامة في المنهج. فلا انضباط فيه. لا بداية معلومة ولا نهاية معروفة مسبقا. إنّ التجريب هو هذه الخطوط المتداخلة في كل الاتجاهات حتّى كأنك تزعم أنها تُخطّ فتسير بك على غير منهج.
وإذا انتقانا من الألوان والخطوط وأـمعنّا النظر في الشكل فإننا سنجزم أنه شكل وجه أنساني صُنع بورقة بيضاء مجعّدة وبذلك تشير إلى ثلاث إحالات:
1= يحيل الوجه علامة من علامات المسرح وهي القناع. رمز قديم منذ الاغريق إلى المسرح التجريبي. التبس به حتى أضحى أيقونة ثقافية يعرف بها كما تعرف السينما بذلك الشريط المثقوب على جوانبه
2= أما الإحالة الثانية فهي الورقة المجعّدة التي أثّرت فيها يد قامت بالضغط عليها عشوائيا بصفة انفعالية لترمز إلى الخلق الفني ولتشير إلى عسر التشكّل الداخلي الذي يرافق عملية الإبداع. إنها تجريبية الشكل في المسرح الحديث الذي يرفض النظام والترتيب ليعانق الفوضى محاولا الكشف عن العمق الإنساني
3= أما الإحالة الثالثة فهي تلك النقطة السوداء المتّسعة في منتصف الشكل لعلّها توحي بما يشبه الكهف فتذكّر المشاهد بأبرز المسرحيات العالمية عبر التاريخ (أهل الكهف) أو قد تدلنا على غار يقصده الفنان معتزلا متأملا باحثا عن عمق الفكرة / عمق التجربة
هكذا نجحت المعلقة الإشهارية في لعب دورها أن تجعل المشاهد ينجذب إليها فيهتمّ بها فيعقد تواصلا بينه وبين موضوعها. ولئن كانت الكتابة تمتاز بعلاميّتها المباشرة في الإعلان عن عدد الدورة زمان انعقادها وتتفرّد بعاطفة جيّاشة تؤكد أنّ هيئة المهرجان بقيت وفية لمؤسسه فأكرمته بأن أهدت الدورة إلى روحه. فإنّ الصورة أبانت عمق الفعل التجريبي في المسرح بأن ربطت بين التجريب والذاكرة المسرحية بل عمّقت التأمل وأجبرت الجمهور على التحول من الانفعالية إلى الانفعالية فالإبداعية.
وكلّ عام وأنتم بتجريبٍ.
أضف تعليق