شعر: حسين علي يونس
لديَّ صديقٌ عمل دفّانًا. كان يسرق الأكفان من مقبرة، وذات يومٍ دخل إلى الجامعة ليدرس من أجل الوظيفة التي كانت تنتظره كما تنتظر الحفرُ جثثَ الموتى.
كان يحلم أن يكون مسّاحًا أو شمّامَ خرق عفنة في فنادق بغداد الرخيصة.
كان يحلم أن يسافر إلى أمريكا وأن يعمل في مطاعمها كناسا، لكن الحظ ضرب ضربته فذهب إلى هناك وقد غير مهنته.
بعد سنوات، قاده القدر في دروبٍ مختلفة، وبصدفةٍ محضةٍ أعاده إلينا القدر مرة أخرى ليقود بلادنا.
لقد أصبح الدفان ذا شأن، فرفع أنفه على الناس، ربما بسبب رأسه الصغيرة التي تشبه مدكّةَ الملح التي كانت تستخدمها جدّتي بهية رحمها الله.
سوءُ حظّنا صيره مسؤولا، فنفخ نفسه كثيرًا، ولبس بنطال الغرور وهاهو اليوم منشغلٌ بأصحاب المراكز الذين يتبادلون المنافع فيما بينهم.
فاتني أن أقول أن الرجل كان يرتدي الأحذية المغلقة بسبب عجزه عن حلّ معضلة القياطين.
ونسيت أن أقول أيضا: في الماضي كان يمرّ عليّ كثيرًا، وبعد أن أصبح مديرا أغلق جهاز هاتفه.
حين يمر في شارع المتنبي مصادفة، ويجدني في طريقه، يلوّح لي بيده الطويلة التي تشبه الحبل. وإذا صادف أن التقاني، يظلّ صامتًا، ثم يدلق هذه الجملة الصخرية كالقذيفة: هل تعرفني يا حسين؟ فأقول له: أعرفك يا صاحب النيافة، كنت دفانا يسكن في كوخٍ، وأصبحت لصا يسكن بيتًا كبيرًا على ضفة نهر. كنتَ معدما يا صديقي ثم غدوتَ ذا منصبٍ كبير، يربّي الزواحف والخنازير في مكتبه، وحين يجد صديقًا قديمًا عُرف بنزاهته، يقول له: «ألا تزال نزيها يا فلان؟». لقد نسي الرجل حلم حياته القديم في ان يكون شمّامَ خِرَقٍ في مطاعم أمريكا القذرة.
قبل أشهرٍ، حدث أن تعرّض لوَعكةٍ صحيّة، وحزنت لأجله كما هي عادتي دائما. أصبح يرى الواحد اثنين، والأربعة ثمانية. كانت الأشياء تتضاعف أمام عينيه بشكلٍ جنوني.
ذات مرة، التقى بترامب بصفته صاحب منصب، فترك ترامب الأصل وذهب مع ترامب المزيف. ترامب الأصل ظلّ رافعًا يده متعجبًا: ماذا نفعل لهم، هؤلاء الحكّام؟ إنهم يمتازون بالعبقرية في أنهم لا يضعون الأشياء في نصابها الصحيح أبدًا؛ يمنحون الفقراء الحصرم، وينشطون في منح الامتيازات للمدراء. يقتنون تماثيل الجص الرخيصة ويتركون السجاد الفارسي الفاخر، ولا تعنيهم زخارف أعمدة سمرقند الرائعة.
أضف تعليق