كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أثر…

أحمد الشيخ علي

أثر…

قال لي إدواردو غوليانو وهو يهم بالرحيل:
“الحب والألم من الآثار التي لا تُرى، لكنها لا تمحى”.
كان صوته واهنا، وعيناه زائغتين، إنما بدا واثقا مما يقول.
اكتفيت بتلقي عبارته هذه، التي صاغها لتكون حكمة مما يجب أن يؤثر عنه. بشيء من التحفظ، وضعت تحتها خطا متعرجا، وطويتها بعناية وأنا أهز رأسي، بينما كان وجهه يتبدد أمامي.
لم أشأ أن أرد عليه، كنت فقط أحاول أن أعيد ترتيب الأمور، وهذا ما أنا بصدده الآن، فما لم أقله لغوليانو لحظتئذ، حملته معي، وتركته بين أشيائي المؤجلة. أعترف أن هذا خطأ لا يجدر بي أن أقع فيه، ولكنني وقعت، فأنا معروف بهذه الأخطاء. قد تكون غير مقصودة مطلقا، إنما يصدف أن تكون في طريقي، أتعثر بها أو تتعثر بي، ليس ذلك مهما، فقد صار حدثا روتينيا، حيث أصدف هذه الأخطاء أو تصدفني وينتهي الأمر بأن أقع فيها، وإضافة ما يستجد منها إلى قلادة طويلة من تلك الأخطاء، ولا أملك إلا أن أؤجل النظر فيها، بقصد تصحيحها أو إعادة النظر بشأنها في وقت لاحق. فهي على كل حال محض أخطاء.
…..
ما أردت قوله ولم أفعل، أنني رأيتهما، رأيت الحب على غير هيأته التي أعرفه بها، كان يجلس على رصيف بالقرب من بيتي، كان رث الثياب، وشاحبا كما لو خرج توّا من انهيار منجم فحم. السخام والغبار يعبثان بملامحه، ويعطيان ما تبقى عليه من ثياب عمقا حادا، ونكهة من غضب وخوف يتبادلهما الحب ومن ينظر إليه في الوقت نفسه. لم يكن ذلك غريبا، فهو لا يحضر على هيأة واحدة دائما، كل مرة يأخذ شكلا مختلفا، إنه واحد ومتعدد في الوقت نفسه.
وعلى بعد خطوات منه، رأيت الألم، كان يتكئ على جذع شجرة بإحدى يديه، بينما يده الأخرى تشد خاصرته من جهة ظهره، كان يتنفس بصفير مسموع وينخرط بين لحظة وأخرى في نوبة سعال متقطع، بينما عيناه لا تكفّان عن إهدار المزيد والمزيد من الدموع. هكذا رأيته في تلك اللحظة، وهو الآخر لا يثبت على صورة بعينها، ملامحه تتغير باستمرار، وهذا شيء مثير لأسئلة تتكثر في رأسي، لكنني أنحيها وأتقبل الأمر على ما هو عليه، ليقيني أن معرفة ذلك مثل الجهل به، كلاهما لا يغيران من الحقيقة الماثلة شيئا.
…..
الحب والألم صديقاي القديمان، هذا ما استقر لديّ، وتقبلته من دون مراجعة جادة، عرفتهما منذ زمن بعيد، ورافقاني في دهاليز حياتي ومنحنياتها كلها، كنت أرحّب بهما على كيفيتهما، ومن دون امتنان، أتبسط معهما، وأتلطف جدا، على الرغم من ألاعيبهما الصبيانية التي قد تتحول إلى كوارث غير محمودة العواقب.
…..
الحب، على الرغم من تقلباته، أنيق وذكي ومفاجئ، هذا الانطباع الذي حملته عنه منذ عرفته، ولكنه أظهر لي وجوها أخرى لاحقا، مع ذلك لم يكن تعدده وتحوله الدائبان ليغيّرا من حقيقته، وكنت أعرفه من نظرة عابرة، وربما يكفي أن أشمه، فحضوره يترك في نفسي نكهة لا أخطئها أبدا، نعم أشمه وأتذوقه وأعرف بشرته كما أسمعه بوضوح، كانت حواسي تدركه من دون عناء.
أما الألم، فهو الصديق المدلل، والمشاغب الذي يطرق الباب في أي وقت يشاء، بل يحدث أن يدخل من دون استئذان، حتى لو لزمه كسر الباب أو الدخول من النافذة، إنه يدخل ويخرج ويقيم ويغادر من دون سابق إنذار، وهو الآخر موجود بملئ حواسي، أدركه تماما كما أدرك الحب.
……
كثيرا ما يجتمعان ويملآن حياتي ضجيجا وصخبا، وأكثر ما يدعو إلى الاستغراب، هو ذلك الاستسلام الذي أبديه لوجودهما.
تطامن كبير تفيض به نفسي لهذا الوجود الباذخ والحضور الأكيد، برغم ذلك الأثر الذي يتركانه عليّ، إنه أثر لا يَصْدُق عليه وصف، ولا تحيط به عبارة أبدا، إنه أشبه بكينونتي نفسها، هذه الكينونة التي تعني الخطأ والصواب في الوقت نفسه.
وما دمت ذكرت الخطأ، فعليّ القول إنني أردت تصحيح ذلك الخطأ الذي التقطته عندما رأيتهما، على تلك الصورة البائسة، ولكنني لم أفعل، الأمر نفسه تكرر معي عندما تلقيت عبارة العزيز غوليانو، واكتفيت بالصمت.
الأخطاء تتكرر غالبا، ولا قدرة لنا على تلافيها، وأنا خطّاء كبير، وأشد أخطائي التي أستعيدها بامتنان، صمتي، وعدم عنايتي بما يعلّقه الآخرون من أذناب ورقية خلف ظهري، أرى ذلك، ولكنني أغض عنه بصري، مقنعا نفسي بلا جدوى الخوض في نزاع عقيم وفارغ عن ذلك الاعتداء السافر الذي يتجرأ به علي من أختلف معهم، وأعني كلّ الآخرين الذين هم غيري.
الآن واتتني فرصة صغيرة لتصحيح حكمة غوليانو، وربما سيكون بمقدوري أيضا تصحيح الموقف من الحب والألم اللذين تركتهما يجفان، في المرة الأخيرة، تحت شمس قاسية اتقدت فجأة في رأسي كما يتقد مصباح كهربائي بضغطة زر، لقد كانت شديدة الوضوح والقسوة، جففت الحب وجففت الألم، وأحالتهما إلى صورة متخيلة، هي نفسها الصورة التي حملتها معي طوال عقود ثقيلة.
…..
أغمضت عيني، وقلت موجها كلماتي لغوليانو الذي لم يعد حكيما، فقد مات وهو يظن أن الحب غير الألم وإن امتازا بكونهما يحملان صفة مشتركة، فهما أثران لا يمكن أن نراهما، ولا يمكن أن نمحوهما أيضا.
يا له من واهم كبير.
قلت له وقد أغمضت عينيّ حتى لا أرى أثر كلامي على وجهه المتغضن، ذلك الوجه الشاحب الذي يزيح السديم عنه بكفيه المعروقتين، ويرسله في ضمائرنا اللائبة دائما بين الحب والألم:
“غوليانو، أيها الحكيم المتقاعد، لم تكن مصيبا في ما قلت، ليس الحب ولا الألم شيئين لا مرئيين، إنهما مرئيان بقوة، ومن يقول غير ذلك فهو عديم الحواس، كيف لنا أن نخطئ في رؤية الحب أو لمسه؟! كيف لنا أن نخطئ في شمه أو تذوقه؟، وكيف لنا أن نخطئ في سماع الحب؟ صوته يحضر بقوة، فتختفي الأصوات الطويلة والقصيرة، الهامسة والصارخة، الرقيقة والخشنة، إنه يتخلل أسماعنا وأجسادنا وأرواحنا ولا نملك إلا الإصغاء له. ومثله الألم، وأنا أقول ذلك على سبيل التقريب، فكما يحدث معنا في الحب، يحدث تماما في الألم، نراه ونلمسه ونشمه ونتذوقه وبالتأكيد نسمعه.
نظر لي غوليانو نظرة فيها من الشفقة بقدر ما فيها من الامتعاض، لا بدّ أنه فعل ذلك، لم أره فقد كنت مغمض العينين، ولكنه فعل ذلك بالتأكيد، فقد سمعته يتحسر بصوت مسموع، ثم تمتم بكلمات لم أسمع منها إلا كلمة واحدة: (أثر).
وعندما فتحت عيني بعد برهة صمت، لم أجد غوليانو الذي كان قد رحل بهدوء.
…..
لا أدري إن كنت صححت الأخطاء التي اخترت انتقاءها من خزانة أخطائي المتخمة وقلائدها التي انفرطت واختلطت حتى لم أعد أعيرها اهتماما، وبت أقنع نفسي أنها لا تختلف كثيرا عن خزائن الصواب المقفلة والمرصوفة في أقبية لا تشرق عليها شمس أبدا.
…..
اليوم، بين ضيق وتخفف قررت الخروج من بيتي، لقد تبدد عمري وأنا أستعيد تلك اللحظة العابرة من حياتي بين هذه الجدران، كنت أشعر بالهواء في الصالة، حيث أقف، ثقيلا وبائتا ولا يصلح للاستهلاك البشري. أغلقت الباب ورائي، وخطوت في الشارع خطوات قليلة، لكنني توقفت لأنظر إلى أربعة أشخاص يمرّون في الشارع القريب من بيتي، كانوا يخفون عيونهم بنظارات سود وتقودهم عصيّهم الطويلة التي تمس الأرض متمايلة بين اليمين والشمال، كانوا يتسلسلون خلف بعضهم وقد أمسك كل واحد منهم بصاحبه، لقد عرفتهم هؤلاء العميان الذين مروا أمامي وكانت تلوح على شفاههم ابتسامة هانئة، إنهم غوليانو والحب والألم وأنا.
***

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.