شعر: حسين علي يونس
قبل أيام دخلت إلى مطعم “ركبة التنين”، فقدّم لي النادل الذي لا أعرف اسمه لائحة (الوجبات الدسمة) التي كانت تُدعى “محسن بن سعيد”.
فقلت للنادل مستغربا: يا الهي “محسن بني سعيد،” ، هل هو حساء؟
فقال الرجل بثقة كبيرة: إنه أحسن ما يمكن أن نقدّمه في مطعمنا يا عزيزي..
كنت أعرف محسن بني سعيد، الصديق والمترجم بالغ العظمة، الذي كان يعمل في دار نشرٍ غريبة، ولم يكن يخطر ببالي في أي يوم من أيام حياتي أنه سيصبح صحن حساء في مطعم كنت أرتاده كلما ناحت عصافيرُ بطني. كان بعض معارفي يقولون: كيف حال صديقك المغربي الذي يعيش في فرنسا؟ رغم أن محسن عاش جلّ حياته في الكوت، وترك بصمات يده وذبذبات روحه في حواري علي الغربي الرمادية وكان يلعب الشطرنج مع رفيقٍ يكتب التقارير القاتلة، وهرب من العراق على بغلٍ ناري.
بعضهم كان يقول: لكن يا حسين، هل توجد بغالٌ نارية حقاً؟
في زيارته الأخيرة كنا نذهب إلى الكرادة، وكان يحضر حماره الناري الذي حمله معه حين فرّ بجلده، واحتفظ به طوال هذه السنوات، وبينما كنا نتحدث عن تغير النظام العالمي والمعلم بوتين وتعدد الأقطاب، كان يمنحه مكعّبات السكر الأحمر التي يشتريها من جادة شعبية في فرنسا، ويظلّ يحدّثني مطولاً عن إبسن، ومجازر الجيش، وحفرة الرئيس الذي نبتت له قرون، وفرّخت على لحيته عرائسُ القمل.
حين زار العراق قبل أشهر، زرع عدساتٍ في عينيه، لكن النتيجة كانت مخيّبة حقاً؛ لقد سرقوا عينيه وزرعوا له كراتٍ صغيرةً وجميلة من البلور، حشوها بأجهزة تنصّت، أرادوا مراقبة حصانه الناري من خلال عينيه.
كان ذلك الحصان ثروته الوحيدة، وأرادوا سرقتها؛ كان يعزّ عليهم أن يكون للمرء ثروةٌ يفخر بها، بينما يحد الفقر سكاكينه على الناس.
أضف تعليق