أحمد الشيخ علي
هكذا يصنعونَ دائماً..
الملائكةُ الّذين يمرّون بنافذتي،
عندما تنتهي دقّاتُ السّاعةِ
في أعلى برجِ المحطّةِ،
معلنةً يوماً جديداً لهذا العالمِ.
ينظرونَ نحوي بأسفٍ،
هؤلاءِ الملائكةُ..
وتلتمعُ عيونُهم بمكرٍ،
ثم يقفزونَ قفزاتٍ غيرَ منتظمةٍ
قبلَ أنْ تحملَهم أجنحتُهم بعيداً
إلى حيثُ يجلسُ اللهُ وحيداً على عرشهِ.
***
لمْ يسبقْ ليَ أنْ كلّمتُ أحداً منهمْ،
أربعونَ سنةً..
وهم يمرّونَ كلَّ يومٍ بنافذتي،
ويفعلونَ ذلكَ، بصمتْ.
على الرّغمِ من رغبتي الشديدةِ،
لمْ أكلّم أحداً منهمْ.
كنتُ أريدُ أنْ أقولَ لهمْ:
(لماذا تنظرونَ نحوي بأسفٍ هكذا؟)
دائماً أتردّدُ،
وتملأُ الرّهبةُ روحي
عندما يلتمعُ المكرُ في عيونِهمْ..
وقبلَ أنْ أجدَ صوتي، يحلّقونَ عالياً…
كلّ يومٍ يحدثُ هذا..
ويلزمني يومٌ آخرُ
حتّى يمرّ ملائكةٌ آخرونَ بشرفتي..
ينظرونَ نحوي بأسفٍ،
وتلتمع عيونُهم بمكرٍ،
ثمّ يقفزونَ قفزاتِهم المرتبكةِ،
ويبتعدونَ محلّقين….
***
اليومَ لمْ يأتِ ملائكةٌ،
ومضى الوقتُ بطيئاً
على الرغمِ من انتهاءِ الدقاتِ الاثنتي عشرةَ لساعةِ البرجِ.
مضى آخرُ قطار ٍمن المحطّةِ الممتدّةِ ببرجها
-قبالة َنافذتي-
منذُ وقتٍ طويلٍ،
ومضى وقتٌ طويلٌ آخرُ،
مضىّ وقتٌ طويلٌ أيضاً،
مضى كثيرٌ من الوقتِ…
نفدَ الّليلُ كلّهُ
ونفدَ النهارُ الّذي بعدَهُ،
مضى ليلٌ آخرُ
ولمْ تدقّ الساعةُ كعادتِها..
عند ذاك..
اقتربتُ من النّافذةِ لأعرفَ السّببَ،
لمْ أجدِ السّاعةَ في مكانِها،
لمْ أجدِ البرجَ،
ولمْ أجدِ المحطّةَ أيضاً،
كانتِ الأرضُ ملقاةً على ظهرها،
والناسُ على مقربةٍ منها
مستلقينَ على ظهورِهِم..
يحلمونَ جميعاً
بملائكةٍ
يتقافزون بلا انتظامٍ
ثمّ يحلّقونَ عالياً…
***
كنتُ سأشعرُ بالحزنِ،
لولا أنّني رأيتهُ…،
ربّما لمْ أرهُ تماماً.
كان ملائكةٌ يخرجونَ من أحلامِ الناسِ لحظتئذٍ،
ويحلّقون عالياً،
كانوا يرتفعونَ على غير هدى
يستمرّونَ في تحليقهم عالياً
كانوا ضائعينَ
يرتّلون أناشيدَ مقدّسةً
وكانتْ موسيقى متشحةٌ بالسّوادِ تحلّقُ معهمْ
حلّقوا بعيداً ولمْ يجدوا العرشَ…
***
لمْ أرهُ تماماً،
كان العرشُ خالياً،
مرّ بطيئاً عندَ نافذتي،
فغمرني نورٌ عاصفٌ…
لمْ أرهُ تماماً،
ولكنّني سمعتهُ..
سمعتهُ بالتأكيد،
قال لي:
(لمْ تعدْ صغيراً)،
ومدّ يدَهُ نحوي…
لمْ أرها تماماً،
أخذَ بيدي،
وقال لي: (لا تترك العرش خاليا).
***
غداً..
سمعتُ دقّاتِ السّاعةِ،
وجاءَ الملائكةُ كعادتهمْ،
لمْ ينظروا نحوي أبداً،
قفزوا كما يفعلونَ دائماً
وحلّقوا عالياً..
حلّقوا،
حلّقوا،
ولكنّهم لمْ يصلوا إليّ،
كنتُ ما أزالُ جالساً أسمعُ وأرى
كانَ كلّ شيءٍ في مكانهِ.
الشيءُ الوحيدُ الّذي لمْ أرَهُ:
نافذتي.
أضف تعليق