قصيدة: حكمت الحاج*
كان شابًّا يظنُّ أنَّ الكلماتِ تكفي
لإشعالِ ثورةٍ في قلبِ امرأةٍ واحدة،
يُسقِطُ المجاز على أوراقٍ صفراءَ
ويبعثرُ التشبيهَ فوقَ سَعْفِ النخيل.
كان يكتبُ شعرًا لا يستمعُ إليهِ أحدٌ،
وحبًّا لا يعترفُ بهِ قلبٌ آخر.
المالُ في الزاويةِ يبتسمُ بخبثٍ،
«يا صاح، هذي القصائدُ بلا سوقٍ
لن تُطعمَ جائعًا ولا تُعيدُ المحبوبَ إلى بيته».
كارل الشابُّ يُصغي إلى ضحكات الشغالين،
يدوّنُ اسمَ الحبِّ ثم يشطبهُ،
يستبدلُ المعشوقة بفكرةٍ أكثرَ جموحًا،
«ربما هيَ الكلماتُ التي تُخلّصنا،
لكنها تحتاجُ إلى فكرٍ يُحرّرها من عبوديةِ الذهب».
يضحكُ، فيسقطُ القلبُ في جيبٍ مثقوبٍ،
يلملمُ نفسهُ من بقايا قصائدَ مرفوضة،
يمزجُ مرارةَ الفشلِ بطعمِ القهوةِ الرخيصة،
ويبدأُ رحلةَ البحثِ عن سببِ خضوعِ البشرِ لرأي المال.
يرفعُ رأسَهُ إلى السماء،
يستحضرُ أرواحَ الرفاق في السجوم المظلمة،
: «يا أصدقائي، الحبُّ لا يُشترى،
لكنّ حياتنا تبيعُها الأسواقُ كلَّ يومٍ».
يقرأُ كارل المستقبل،
يُفكِّكُ لغةَ العقودِ والبورصات،
ويجدُ في الاحتراب شعرًا من نوعٍ آخر،
شعرًا لا يكتبُهُ قلبٌ عاشق،
بل تكتبهُ أيادي المطحونين.
وفي آخرِ الليلِ، حينَ يصمتُ العالمُ المرهَق،
يتذكّرُ كارل قصائدَهُ الأولى، وقبلات الصبا
والمرأة التي أحبته في إهاب خادمة
يبتسمُ بأسى: «كانت حبيبةٌ واحدةٌ تكفي لإنقاذِ
شاعرٍ فاشل، لكن شعوبًا كاملةً انتظرت من يقولُ لها
إنَّ المالَ ليسَ إلا رأيًا يفرضُ نفسهُ بالقوةِ على الحقيقة».
هكذا تحولَ الفشلُ إلى بوصلةٍ لطريقَ العدالة،
وتحول الخيالُ إلى قوةٍ توكد الكائنات،
ورأى كارل إن «الحقيقةَ حين ترتدي ثيابَ الشعرِ
تستطيعُ أن تهزمَ الداس كابيتال».
(بغداد، 1995).
* لم تنفع الحيل المعتادة التي يعرفها الشعراء لتفادي منع النشر وسوء التأويل. لم ينفع حذف “ماركس” والإبقاء على “كارل”، لم ينفع تمويه “رأس المال” بصيغة “رأي المال”، لم ينفع استعمال “الشغالين” بدلا من العمال أو الشغيلة. لم تنفع كل تلك التنازلات اللغوية في ذلك الزمن الصعب، وفي تلك البلاد المشتبكة، وبقيت القصيدة في درج مقاومة النسيان. وها هي اليوم بعد ثلاثين عاما بالتمام والكمال، تحاول أن ترى النور ولو ضعيفا، رغم فوات الوقت عليها وانتفاء أهميتها الفنية والفكرية، لكنها تبقى قطعة من تاريخي الشخصي الذي كان “هناك”، واليوم أطل عليه بلا أدنى ضغينة، من “هنا والآن”، بتعبير “هايدغر”، درءا للنسيان فحسب.
أضف تعليق