راينر ماريا ريلكه والفلاسفة المحدثون..
بقلم: حكمت الحاج*
أمامي هذا الكتاب الممتع الفريد إن لم أقل الخطير، بكل ما تحويه كلمة خطير من معنى، ذلك أنه يهم فئتين من الناس متضاربتين في وجودهما متقاطعتين في اشتغالهما على اللغة والحياة، وهما: الفلاسفة من جهة، والشعراء من الجهة الأخرى. ومنبع هذه الخطورة كامن في تلك النظرة المزدوجة التي ينظر بها كل فريق منهما للآخر، اذ تجتمع فيها كل مظاهر الاعجاب والتثمين والشك والريبة واللاجدوى والعبث المجاني وربما حتى النبذ والعداء (حالة أفلاطون مثلا)، فكم من صرح فلسفي كبير اختصرته قصيدة واحدة، وكم من مشاريع شعرية ضخمة لا تعدل في نهايات المطافات ورقة من خطاب فيلسوف يلهو باللغة والأرقام.
كتاب “ريلکه والفلاسفة” (Rilke och Filosoferna) لكاتارينا أونيلز فرانكه هو عبارة عن أنطولوجيا فلسفية تجمع بين أعمال الشاعر الألماني الخالد راينر ماريا ريلكه (1875-1926) وتأملاته الفلسفية، وتسلط الضوء على تأثيره على الفلاسفة ورجال الفكر في عصرنا. الكتاب الصادر أواخر العام 2024 ويتناول، بل ويحاول أن يقنع، كيف أن ريلكه، المعروف بعمق وقوة شاعريته، كان أيضًا فيلسوفًا بطبيعته، حيث كانت أفكاره مصدر إلهام للعديد من الفلاسفة عبر التاريخ.
في هذا الكتاب باللغة السويدية والصادر عن دار نشر “إيللستروم”، بمنحة مالية من مؤسسة “أوكه فايبرغ”، حاولت محررة الكتاب وجامعة فصوله أن توضح العلاقة ما بين أفكار ريلكه الشاعر، وبين الأعمال الفلسفية الكبرى لعصرنا، بما في ذلك تأثيره على فلسفة فريدريك نيتشه ومدى تشابه مقارباته الوجودية مع الفلسفة الحديثة. يضم الكتاب مقالات من مجموعة من الفلاسفة والباحثين السويديين من أمثال نيكلاس لوندبلاند وإيرينا هرون ويوناس إيلرستروم وسفين-أولوف فالينشتاين وايزابيل ستوهل ولارش غوستافسون وسفانته نوردين ومارسيا شوباك، بالإضافة إلى مقتطفات من أعمال ريلكه الشعرية مترجمة الى السويدية ومصحوبة بشروحات وتأملات جديدة.
ويبدو جليا إن الهدف من الكتاب هو إظهار كيف يمكن للأدب والشعر أن يكون لهما تأثير عميق على الفلسفة، وكيف أن التأملات الفلسفية يمكن أن تثري التجربة الأدبية، مما يجعل من “ريلکه والفلاسفة” مساهمة قيمة في دراسة التداخل والتعالق بين الفلسفة والأدب.
في مقدمة كتابها “ريلْكه والفلاسفة”، تُقدّم الباحثة ومحررة الكتاب كاتارينا أونيلز فرانكه نظرة متعمقة حول العلاقة بين الشاعر ريلْكه والفلاسفة الذين أثروا في فكره وشعره، والذين أثر فيهم هو بأشعاره وتأملاته. توضح فرانكه في مقدمتها كيف أن ريلْكه لم يكن مجرد شاعر بل كان أيضًا مفكرًا عميقًا، استلهم الكثير من أفكاره من الفلاسفة الكبار مثل نيتشه وهايدغر، وكذلك من الفلسفات الشرقية.
تُشير فرانكه إلى أن ريلْكه استخدم الشعر كوسيلة للتعبير عن أفكاره الفلسفية وتجسيدها، مما جعل أعماله محط اهتمام النقاد والفلاسفة على حد سواء. علاوة على أنها تسلط الضوء على كيفية استكشافه لمفاهيم مثل الوجود والموت والحياة من خلال لغة شعرية عميقة وثرية بالرموز والمعاني.
كما تناقش فرانكه في مقدمتها التأثير المتبادل بين ريلْكه والفلاسفة، كيركيجارد (كيركغارد)، بيرغسون، فرويد، هايدغر، هوسرل، فيتغنشتاين، نوزيتش، سارتر، ويلز، لاكان، حيث استلهم منهم أفكاره، واستلهموا منه أفكارهم، ولكنه في الوقت نفسه قدم رؤى جديدة حول قضايا فلسفية معقدة، مما جعل شعره مصدرًا غنيًا للفكر الفلسفي.
الطريف والمفيد والممتع في كتاب “ريلکه والفلاسفة” أنه ومع كل فصل يتناول فيلسوفا من الذين ذكرناهم في سياق حديثنا اعلاه، وعلاقته الفكرية مع شعر ريلكه، تنهيه المؤلفة-المحررة بقصيدة مختارة للشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه حيث يتم تضمين هذه القصائد ضمن السياق الفلسفي للأطروحات التي يناقشها الكتاب. تتخلل القصائد الفصول المختلفة للكتاب، وتستخدم كنصوص داعمة لتعزيز الفهم الفلسفي الذي تقدمه المقالات المختلفة المنضوية بين دفتيه.
ويتم تقديم هذه القصائد المختارة بذكاء وحنكة مناسبتين للجو الفلسفي العام للكتاب، بترجمة جديدة إلى اللغة السويدية من قبل محررة الكتاب نفسها، كاتارينا فرانكه، مما يمنح القارئ فرصة لرؤية النصوص الأصلية لريلكه من منظور حديث وجديد. هذا الأسلوب في الجمع بين الفلسفة والشعر يساعد على إبراز التأثير العميق الذي تركه ريلكه في عالم الفكر والأدب.
وهكذا نرى أن مساهمة كاتارينا أونيلز فرانكه لم تقتصر فقط على كتابة المقدمة ووضع ثبت الملاحظات والهوامش الخاصة بكل مقال، وتنظيم وتحرير المقالات الفلسفية التي ساهم بها الفلاسفة السويديون، بل شاركت أيضًا بنظرة فلسفية خاصة بها في هذا الكتاب تناولت فيها علاقة الشاعر ريلكه بالفلسفة، وكيف أثرت أفكاره على التفكير الفلسفي الحديث بشكل يجعل من الفلسفة والشعر يتفاعلان بطريقة حيوية ومثمرة.
إن اهتمام كاتارينا فرانكه بالشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه ينبع من تقديرها العميق لقدرته على مزج العواطف الإنسانية العميقة مع تعابير شعرية مميزة تجعل من أعماله أدوات للتأمل الفلسفي والروحي. ريلكه، الذي عاش بين القرنين التاسع عشر والعشرين، كان شاعراً معروفاً بقدرته على استكشاف تجارب الحياة الوجودية والداخلية، وهو ما ينسجم مع اهتمامات كاتارينا الأدبية والفكرية، كما هو واضح من سيرتها ومؤلفاتها، ولعل من أبرزها كتاب “التصادم” الذي صدر عام 2015، وكتاب بعنوان “اتفاق مختلف” الذي صدر عام 2019. كما ألفت سيرة ذاتية عن الشاعر ريلكه بعنوان “المسافر عبر الزمن” أو “الرحالة الزمني” في عام 2021.
وهنا لابد أن نتوقف قليلا عند هذا الكتاب الهام!
لقد درست كاتارينا الأدب والتاريخ في جامعة أوبسالا، حيث بدأت تتعمق في دراسة الأعمال الكلاسيكية والرمزية، وهو ما جذبها نحو أعمال ريلكه. تعتبر كاتارينا إن ريلكه لم يكن فقط شاعراً كبيرا، بل مرشداً فكرياً يمكن أن يُلهم الكتاب المعاصرين في فهم الذات والعالم من حولهم. كما أنها ترى في أعماله انعكاساً للأفكار الروحية والفلسفية التي تساعد على استكشاف عمق التجربة الإنسانية.
في كتابها “الرحالة الزمني”، تستكشف كاتارينا حياة ريلكه وتتناول موضوعات كتبه ورسائله، حيث تعطي نظرة شاملة على تطوره كشاعر وتأثيره على الأدب العالمي. إن كتاب “الرحالة الزمني راينر ماريا ريلكه” (Den tidlöse resenären: Rainer Maria Rilke) من تأليف كاتارينا أونيلز فرانكه يعد سيرة أدبية تستعرض حياة وأعمال الشاعر النمساوي الاصل الألماني اللغة، ويعكس تأملات فرانكه العميقة في حياة ريلكه وتأثيره على الأدب والفكر الغربي.
يتناول الكتاب تفاصيل حياة ريلكه، بدءًا من نشأته في براغ وتطور مسيرته الأدبية التي امتدت عبر أوروبا. يركز على المواضيع الأساسية في أعمال ريلكه، مثل التصوف، والفن، والموت، والطبيعة، وكيف استطاع تجسيد تلك المواضيع بأسلوب شعري فريد.
تستعرض فرانكه في الكتاب كذلك العلاقات الإنسانية والشخصية التي أثرت في حياة ريلكه، بما في ذلك علاقاته مع شخصيات أدبية وفكرية بارزة في عصره، مما يعطي القارئ نظرة شاملة على السياق الثقافي والاجتماعي الذي عاش فيه ريلكه. يعتمد الكتاب على تحليل نقدي متعمق ومعلومات تاريخية دقيقة، مما يجعله مصدرًا مهمًا لفهم تأثير ريلكه على الأدب العالمي وكيفية تطور رؤاه الفكرية والشعرية على مر الزمن.
وبالنسبة لجمهرة غفيرة من الباحثين والمهتمين، يمكن اعتبار هذا الكتاب، وأعني “الرحالة الزمني”، مرجعًا ممتازًا لكل من يهتم بالأدب الألماني والشعر الأوروبي وريلكه الشاعر والإنسان، ويعتبر إضافة قيمة لمكتبة الأدب العالمي.
كاتارينا أونيلز فرانكه هي صحفية وكاتبة سويدية بارزة ولدت في 27 ديسمبر 1987. درست العلوم الإنسانية في جامعة أوبسالا وحصلت على درجة البكالوريوس عام 2010. عملت فرانكه في مؤسسة “تيمبرو” بين عامي 2013 و2015، ثم انضمت إلى مجلة “أكسيس” كسكرتيرة تحرير منذ عام 2015، حيث تشارك أيضًا في تقديم العديد من البرامج التلفزيونية الخاصة بالمجلة. تتميز كتاباتها بالاهتمام العميق بالأدب والفلسفة، ولديها مشاركة فعالة في الحوارات الثقافية في السويد عبر المقالات والمقابلات التلفزيونية، الى درجة أن يصفها البعض هنا بأوبرا وينفري السويد.
* * * *
قلنا في القسم الأول من هذه المقالة إن الجهد العظيم الذي قامت به الباحثة السويدية كاتارينا أونيلز فرانكه في تحرير هذه الأنطولوجيا الفلسفية وإخراجها في كتاب بعنوان “ريلكه والفلاسفة” إنما يقدم على المستوى الأوروبي المساهمة السويدية في النظر إلى إرث الشاعر الخالد راينر ماريا ريلكه، في الوقت الذي يضيف الشيء الكثير إلى المنظور البحثي العالمي فيما يخص تلك التقاطعات الإشكالية ما بين الشعر من جهة، وبين الفلسفة من الجهة الثانية.
لقد كان مشهد الفكر الإنساني دائمًا نسيجًا غنيًا من التخصصات المتشابكة. ومن بين هذه وتلك، شارك الشعر والفلسفة في علاقة حميمة بشكل خاص. تقليديا، يعتبر الشعر شكلا من أشكال الفن الذي يستخدم اللغة جماليا وإيقاعيا لإثارة المشاعر، في حين أن الفلسفة هي دراسة الأسئلة الأساسية حول الوجود والمعرفة والقيم والعقل، وأكثر من ذلك. ومع ذلك، تصبح هذه التعريفات غير واضحة عندما نتعمق في أعمال راينر ماريا ريلكه، وهو شخصية بارزة في الشعر الحداثي. أشعار ريلكه ليست مجرد تعبيرات جمالية؛ إنها تمثل بحثًا فلسفيًا عميقًا في حالة الإنسان.
لقد استمرت أعمال راينر ماريا ريلكه (1875-1926)، الشاعر النمساوي الذي اشتهر باستكشافاته الثاقبة للنفس البشرية والصراعات الوجودية للأفراد، استمرت أعماله المشبعة بالطابع الفلسفي، في صدى لدى القراء والشعراء والفلاسفة على حد سواء. أشعار ريلكه، مثل “مراثي دوينو” و”أناشيد أورفيوس”، تنسج بشكل معقد بين الجمالية والفلسفية، وتكسر الحواجز بين هذين العالمين.
إن الروابط التي تربط شعر ريلكه بالأفكار الفلسفية لمن تم تناولهم في هذا الكتاب الهام الذي نعرض له اليوم، ليست مجرد مصادفة. بل إنها تعكس تعاطي الشاعر المتعمد مع الأفكار الفلسفية ومنهجه الابتكاري في دمجها في رؤيته الشعرية.
وهكذا فإن وجودية كيركيجارد، والتحليل النفسي لفرويد، والظاهراتية عند هوسرل، وفلسفة اللغة عند فتغنشتاين، ومفهوم هايدغر عن الوجود والزمان، ونظريات التحليل النفسي البنيوية عند لاكان، كلها تجد تعبيرًا فريدًا في أشعار ريلكه. ومن خلال خطابه الشعري، يحول ريلكه هذه المفاهيم الفلسفية من أفكار مجردة إلى تجارب شخصية وعاطفية عميقة، ويكشف عن أهميتها وتأثيرها على حياتنا اليومية.
دعونا نمشي اذن مع هذا الكتاب فصلا فصلا لنلقي ضوءا على تعالقات شعر ريلكه مع فلسفات مشاهير عصرنا من ذوي النظم الفكرية، في سبيل فهم الفئتين المعنيتين، كل باسترشاد نور الفئة الأخرى.
أولا: ريلكه وكيركيجارد وقفزة الإيمان:
إن العلاقات بين الشاعر راينر ماريا ريلكه والفيلسوف سورين كيركيجارد متجذرة بعمق في استكشافهما المشترك للحالة الإنسانية والسعي وراء الحقيقة الوجودية. ويتجلى هذا التقاطع بشكل خاص في المفهوم المشترك لـ “قفزة الإيمان”، وهو المصطلح الذي صاغه كيركيجارد في كتاباته الفلسفية. إن شعر ريلكه، الذي يتميز بمقاربة ثورية للحداثة، يوفر عدسة فريدة يمكننا من خلالها فحص هذا المفهوم.
تدور فلسفة كيركيجارد حول فكرة أن الإيمان هو تجربة شخصية وذاتية بشكل مكثف. لقد افترض أن “قفزة الإيمان” هي قرار ضروري وواعي للإيمان بشيء يتجاوز الأدلة التجريبية أو التفكير العقلاني، وغالبًا ما يكون ذلك في مواجهة التناقض أو عدم اليقين. هذه القفزة ليست قبولًا سلبيًا، ولكنها التزام نشط وعاطفي بمعتقد أو قيمة.
وبحسب ما تقوله الباحثة ايرينا هرون (انظر ص 13 من هذا الكتاب) فإن شعر ريلكه يعكس قفزة الإيمان هذه. وتمضي قائلة أنه غالبًا ما تتصارع أعمال ريلكه مع موضوعات القلق الوجودي والنضال من أجل إيجاد المعنى في عالم غالبًا ما يكون فوضويًا. إنها تعكس رحلة داخلية تتطلب الشجاعة والضعف، وقبل كل شيء، الإيمان. يشبه إلى حد كبير قفزة الإيمان التي قام بها كيركيجارد، يقترح شعر ريلكه قرارًا واعيًا باحتضان المجهول، والغوص في أعماق الذات والعالم، والعثور على الجمال والمعنى فيه.
ولنتأمل هنا قصيدة “النمر” لريلكه. تتمحور القصيدة حول نمر محبوس في قفص يعاني في حبسه من نوع من الأزمة الوجودية. فقط عندما يتخذ النمر قفزة مجازية من الإيمان – عندما يحتضن حبسه كجزء من واقعه ويجد الجمال في حركة جسده – فإنه يجد السلام.
هذا التجسيد الشعري لقفزة إيمان كيركجارد يظهر في جميع أعمال ريلكه. إنها ليست مجرد أداة أدبية. إنه استكشاف حميم للحالة الإنسانية وكفاحنا المستمر للعثور على المعنى والغرض. إن شعر ريلكه، مثل فلسفة كيركجارد، يتحدانا لاتخاذ قفزة الإيمان الخاصة بنا، والثقة في تجاربنا الذاتية، وإيجاد الجمال والمعنى في خضم عدم اليقين.
ثانيا: ريلكه وفرويد والعقل اللاواعي:
راينر ماريا ريلكه، صوت مهم في الشعر الحداثي، وسيغموند فرويد، شخصية ثورية في مجال التحليل النفسي، كلاهما استكشف أعماق النفس البشرية على الرغم من اختلاف وسائلهما. ويكشف تقاطع أعمالهم عن فهم عميق للعقل اللاواعي، وهو منطقة من النفس البشرية قام فرويد بتحليلها على نطاق واسع وصورها ريلكه شعريا.
العقل اللاواعي، بحسب نظرية فرويد، هو مخزن للأفكار والذكريات والرغبات التي هي خارج نطاق وعينا الواعي، إلا أن هذه العناصر تؤثر بشكل كبير على سلوكياتنا وعواطفنا. وقد تردد صدى استكشاف فرويد للعقل اللاواعي، في العديد من النواحي، في تعبيرات ريلكه الشعرية.
غالبًا ما يتعمق شعر ريلكه في عالم الجوانب غير المرئية وغير المعلنة للوجود الإنساني. وهذا يشبه إلى حد كبير وجهة نظر فرويد حول العقل اللاواعي، حيث تكون العواطف والرغبات مخفية، ولكنها تؤثر بشكل كبير على السلوك البشري. على سبيل المثال، في قصيدة “النمر” لريلكه، يعطي الشاعر صوتًا للعالم الداخلي لحيوان محبوس في قفص، عالم غير مرئي ولكنه محسوس بعمق. إن حركات النمر المتكررة هي مظهر من مظاهر رغبته غير المعلنة في الحرية، وهي تصوير مؤثر لللاوعي في الشعر.
علاوة على ذلك، فإن استكشاف ريلكه للموضوعات الوجودية، مثل الموت والعزلة، يعكس نظرية فرويد حول “دافع الموت”، وهي رغبة غير واعية نحو تدمير الذات والعودة إلى حالة غير عضوية. تجسد قصيدة “قداس لصديق” لريلكه هذا القلق الوجودي بإحساس عميق بالجمال والحزن، وبالتالي تلخص مفهوم فرويد لـ “ثاناتوس” في شعره.
إن ستكشاف ريلكه للحب والإثارة الجنسية في كتابه “مراثي دوينو” يوازي أيضًا نظريات فرويد حول “الإيروس”، وهي غريزة الحياة التي تشمل الحب والرغبة الجنسية والتكاثر. إن تصوير ريلكه الخام والعاطفي للحب، والمعاناة المتأصلة التي يجلبها، يجسد مفهوم فرويد للصراع المستمر بين إيروس وثاناتوس داخل النفس البشرية.
ثالثا: ريلكه وهوسرل.. الظاهراتية والشعر:
في استكشاف التقاطع بين شعر ريلكه وفلسفة هوسرل الفينومينولوجية، يمكن للمرء أن يميز صدى عميقا. سعى كل من ريلكه وهوسرل إلى التقاط جوهر التجربة الإنسانية، وإن كان ذلك من خلال وسائل مختلفة؛ ريلكه من خلال السمو الغنائي لشعره، وهوسرل من خلال بحثه الفلسفي الرائد.
سعى إدموند هوسرل، مؤسس الظاهراتية، إلى فحص بنيات الوعي والظواهر التي تظهر في أفعال الوعي. تؤكد فلسفته على فكرة “العودة إلى الأشياء نفسها”، وهو عقيدة للتفكير الجذري الذي يشجع على التخلي عن الافتراضات الميتافيزيقية والمعرفية التقليدية. هذا المبدأ الأساسي لفلسفة هوسرل يجد صداه في مساعي ريلكه الشعرية.
إن شعر ريلكه، على غرار فينومينولوجيا هوسرل، هو استكشاف للوعي، ورحلة إلى أعماق التجربة الإنسانية. غالبًا ما تسلط قصائده الضوء على التجارب الخام وغير الوسيطة للوعي الفردي، على نحو أقرب إلى فكرة هوسرل عن الاختزال الظاهري. إنه يهدف إلى التقاط جوهر الأشياء، وطبيعة الظواهر ذاتها، في شعره – يشبه إلى حد كبير سعي هوسرل الفلسفي لفهم جوهر الوعي وموضوعاته.
على سبيل المثال، تجسد قصيدة ريلكه “النمر” هذا السعي المشترك. في ذلك، يرسم ريلكه بوضوح عالم النمر المحدود خلف القضبان، مصورًا جوهر وجود المخلوق. القصيدة ليست مجرد وصف للنمر، ولكنها استكشاف عميق لعالم النمر – تحقيق ظاهري. إنه يعكس منهج هوسرل، الذي حث الفلاسفة على النظر إلى ما هو أبعد من مجرد مظاهر الأشياء، للتعمق في طبيعتها الجوهرية.
علاوة على ذلك، تعبر قصائد ريلكه أيضًا عن فكرة “القصدية”، وهو مفهوم أساسي في ظاهراتية هوسرل. تشير القصدية إلى فكرة أن الوعي هو دائمًا وعي بشيء ما، وأنه موجه دائمًا نحو شيء ما. في شعر ريلكه، يكون وعي المتحدث الشعري دائمًا موجهًا عمدًا نحو العالم، نحو الظواهر التي يحاول استيعابها وفهمها.
رابعا: ريلكه وفيتغنشتاين.. اللغة وحدودها:
عند التحقيق في التقاطع بين العالم الشعري لراينر ماريا ريلكه والعالم الفلسفي للودفيغ فيتغنشتاين، لا يمكن للمرء أن يتجاهل التقارب العميق بينهما فيما يتعلق باللغة وحدودها. كلا الشخصيتين، وإن كان من وجهات نظر مختلفة، تصارعتا مع قيود اللغة في التقاط جوهر التجربة الإنسانية والعالم.
افترض فيتغنشتاين، في عمله الأساسي “تراكتاتوس” أو “رسالة منطقية فلسفية”، أن حدود لغتنا تشير إلى حدود عالمنا. بالنسبة له، اللغة، في استخدامها التقليدي، هي نظام مرجعي يمكنه فقط وصف الحقائق حول العالم، لكنها تفشل عندما تحاول التعبير عما يكمن وراء العالم التجريبي. وهكذا، يخلص فيتغنشتاين إلى أن ما لا يمكننا التحدث عنه، يجب نبذه وتجاوزه.
وبالمثل، يكشف شعر ريلكه عن صراع مستمر مع حدود اللغة. غالبًا ما يكون شعره مشبعًا بإحساس الشوق لتجاوز حدود الكلمات والوصول إلى ما لا يوصف. في ديوانه “مراثي دوينو”، يتصارع ريلكه مع عدم قدرة اللغة البشرية على التقاط عمق وتعقيد المشاعر والتجارب الإنسانية. يسعى شعره إلى تجاوز حدود اللغة التقليدية ليلمس ما لا يوصف ولا يمكن التعبير عنه.
ويصبح التقارب بين ريلكه وفيتغنشتاين واضحا بشكل خاص في رؤيتهما المشتركة للصمت الذي يكمن وراء اللغة. بالنسبة لفيتغنشتاين، يعد هذا الصمت ضرورة فلسفية – اعترافًا بحدود الخطاب المنطقي. بالنسبة لريلكه، الصمت هو عالم شعري – مساحة يمكن فيها إلقاء وقول ما لا يمكن قوله.
على سبيل المثال، في “المرثية التاسعة” لريلكه، يتحدث عن “ما لا يمكن قوله”، والذي يردد صدى اقتراح فيتغنشتاين بأن ما هو أبعد من اللغة يجب أن يتم تجاوزه في صمت. لكن ريلكه يرى في هذا الصمت مساحة غنية مليئة بالمعنى المحتمل، وفرصة لظهور الجوهر الحقيقي للتجربة الإنسانية.
وبينما يقبع فيتغنشتاين في الصمت باعتباره نتيجة فلسفية، فإن ريلكه يحتضنه كبداية شعرية. وعلى الرغم من اختلاف مساراتهما، فإن كلاً من ريلكه وفيتغنشتاين يلتقيان عند تقاطع اللغة والصمت، حيث ينير كل منهما الآخر، ويجسد التفاعل بين الشعر والفلسفة.
خامسا: ريلكه وهايدغر.. الوجود والزمان:
يتوقف تقاطع وجهات نظر ريلكه وهايدغر حول العالم على المفهوم الفلسفي لـ “الوجود والزمن”. ريلكه، رائد الشعر الحداثي، وهايدغر، شخصية بارزة في الفلسفة الوجودية، تصارعا مع الأسئلة العميقة حول الوجود، والزمنية، وطبيعة الوجود.
يقترح كتاب هايدغر “الوجود والزمان” أن الوجود الإنساني مرتبط بشكل أساسي بالزمن، وأن وجودنا هو في جوهره “وجود في العالم”. يشير مفهوم “الدازين”، أو الوجود هناك، إلى أننا لسنا مراقبين منفصلين، بل مندمجين بعمق في العالم، ووجودنا يتميز بأفق زمني، يحده الولادة والموت.
يعكس شعر ريلكه مشاعر فلسفية مماثلة بشكل لافت للنظر. إن استكشافاته الغنائية للوجود الإنساني تحاكي استكشاف هايدغر لـ “الدازين”. يتعمق شعره في طبيعة الوجود المؤقتة والعابرة والزائلة، مما يعكس تأكيد هايدغر على محدودية الحياة البشرية. لنقرأ في “كتاب الساعات” لريلكه، حيث كتب: *”أعيش حياتي في دوائر متسعة تمتد إلى جميع أنحاء العالم.” يلخص هذا الاقتباس فهم الشاعر للحياة باعتبارها رحلة زمنية، ووعيًا متزايدًا بكيان المرء-فى العالم.
علاوة على ذلك، غالبًا ما يتصارع شعر ريلكه مع التوتر بين الزمني والأبدي. في “مراثي دوينو” يكتب: *”من إذا ما صرخت سيسمعني من بين الملائكة؟”. هنا، يعترف الشاعر بحدود الوجود الإنساني، الذي يحده الزمن ولا يُسمع به في عالم الأبدية. يتوافق هذا مع فكرة هايدغر عن “الوجود نحو الموت”، مما يسلط الضوء على المواجهة الإنسانية مع الفناء.
يشترك ريلكه وهايدغر أيضًا في تقدير سر الوجود العميق. يؤكد شعر ريلكه على أهمية احتضان عدم اليقين والغموض. في “رسالة إلى شاعر شاب”، ينصح ريلكه، *”كن صبورًا تجاه كل ما لم يتم حله في قلبك وعش الأسئلة الآن.” وهذا يعكس فكرة هايدغر عن “الأصالة”، مما يشجع الأفراد على احتضان سر حياتهم. الوجود بدلاً من البحث عن إجابات محددة.
سادسا: ريلكه ولاكان.. مرحلة المرآة:
إن الترابط بين الشاعر راينر ماريا ريلكه والمحلل النفسي البنيوي جاك لاكان هو تقاطع رائع بين الشعر والفلسفة. يمكن تمييز هذا المنعطف بسهولة في نظرية التحليل النفسي التي وضعها لاكان حول “مرحلة المرآة”. يشير هذا المفهوم، الذي قدمه لاكان لأول مرة، إلى مرحلة حرجة في نمو الطفل عندما يتعرف لأول مرة على انعكاس صورته في المرآة. وهذا الاعتراف، بحسب لاكان، أساسي لتكوين الأنا والتطور اللاحق للذات.
يعكس شعر ريلكه، المتألق بالتأملات الاستبطانية والوعي الذاتي العميق، نظرية التحليل النفسي هذه. غالبًا ما يبدو أن أداءاته الشعرية تجسد جوهر “مرحلة المرآة”، مما يوفر لنا نسيجًا غنيًا من التعرف على الذات وتكوين الأنا. تؤكد ثورة ريلكه الحداثية في الشعر على استكشاف الذات، وهو موضوع يتماشى بسلاسة مع نظرية لاكان.
ولو أخذنا بعين الاعتبار قصيدة “جذع أبوللو العتيق” لريلكه، حيث كتب: “يجب أن تغير حياتك”. هذا الخط ليس مجرد توجيه ولكنه انعكاس لإدراك الذات الذي يعد محوريًا في “مرحلة المرآة”. القصيدة هي شهادة على التحول الذي يمكن أن يولده الاعتراف بالذات، مما يعكس تأكيد لاكان على أن التعرف على انعكاس المرء هو تجربة تحويلية.
وعلى نحو مماثل، تقدم قصيدة ريلكه “النمر” توضيحاً مؤثراً لنظرية لاكان. يمكن اعتبار الدائرة المتكررة للنمر في قفصه بمثابة استعارة للدورة المتكررة من التعرف على الذات وتكوين الأنا التي تدعم “مرحلة المرآة” لدى لاكان. إن نظرة النمر، “المتعبة جدًا من موكب القضبان”، هي تمثيل قوي للذات التي تحدق في انعكاسها.
في كلتا الحالتين، يجسد شعر ريلكه جوهر الطبيعة التحويلية للاعتراف بالذات، ويقدم استكشافًا شعريًا لـ “مسرح المرآة” لاكان. يؤسس هذا الاستكشاف علاقة مقنعة بين أعمال ريلكه الشعرية وفلسفة التحليل النفسي عند لاكان، مما يؤكد التأثير المتبادل والتقاطع بين الشعر والفلسفة.
أخيرا: الشعر بوصفه سؤالا فلسفيا:
في سياق استكشافنا، مهتدين بأنوار هؤلاء الباحثين السويديين الذين جمعت رؤاهم بنجاح منقطع النظير، كاتارينا أونيلز فرانكه، في الكتاب الذي أشرفت على جمعه وتحربره، تجاوزنا مع كتاب “ريلكه والفلاسفة” حدود الشعر والفلسفة (انظر القسم الأول من هذه المقالة) وتحديدًا في سياق أعمال راينر ماريا ريلكه وتقاطعاتها مع أفكار الفلاسفة المشهورين. كشفت الرحلة عن الطرق العميقة التي يمكن من خلالها النظر إلى شعر ريلكه كشكل من أشكال البحث الفلسفي، الذي يتردد صداه مع الثورة الفكرية والحداثية في ذلك العصر.
لقد درس باحثو هذا الكتاب ارتباط ريلكه الشعري بفلسفات كيركغارد (كيركيجارد) وفرويد وهوسرل وفيتغنشتاين وهايدغر ولاكان. لقد سلط كل واحد من منهم الضوء التحليلي على كيفية عكس أشعار ريلكه للمفاهيم الفلسفية لهؤلاء المفكرين وتحديها وتجاوزها.
وبهذه الطريقة، وبحسب هذا الكتاب الهام الذي نأمل أن يتصدى له مترجمونا وناشرونا العرب لترجمته وتقديمه لقراء الضاد، فإن شعر ريلكه ليس مجرد انعكاس للأفكار الفلسفية، بل هو شكل من أشكال البحث الفلسفي في حد ذاته – كل بيت شعر سؤال، وكل قصيدة هي حوار مع هؤلاء الشخصيات الفلسفية البارزة.
ولا يسعنا على سبيل الختام، وكقراء لكتاب “ريلكه والفلاسفة” في هذا المقام، إلا أن نقر بأن التقارب ما بين شعر ريلكه وفلسفات هؤلاء المفكرين يدل على الترابط بين هذين المجالين. إنه يؤكد على قوة الشعر كوسيلة للاستكشاف الفلسفي وإمكانية التعبير عن الفلسفة والتشكيك فيها من خلال جمال الشعر وعمقه. وهكذا، يقف شعر ريلكه بمثابة شهادة على تلك العلاقة العميقة بل والملتبسة ما بين الشعر والفلسفة، وهي العلاقة التي تستمر في إثراء فهمنا للحالة الإنسانية، وللعالم من حولنا.
هامش:/
* هذه هي الحلقة الثالثة من سلسلتي التي أخذت عنوان “الفلسفة والشعر: أية علاقة!”، علما أنه وقد سبقتها، “ريتشارد رورتي والوضعية المنطقية” كحلقة أولى، و”تراكتاتوس فيتغنشتاين وحدود اللغة القصوى” كحلقة ثانية. ومن المؤمل لاحقا صدور الحلقة الرابعة من هذه المتتالية الفلسفية وستكون بعنوان “الماركسية اللينينية والقصيدة اليومية”.
* ينشر المقال بالاشتراك مع موقع “الحوار المتمدن” ومجلة “كناية” الرقمية الثقافية المستقلة. كل الحقوق محفوظة.
أضف تعليق