ظاهرة كتب الاستنساخ في العراق..
بقلم: حسين علي يونس
السَّماءُ أبديَّةٌ، وثابتةٌ، وبلا أصل.
أرسطوطاليس
منذُ نِهاياتِ الثمانينات، شغلتني كثيرًا فكرةُ نَشرِ كتابٍ لي: مجموعةٍ شعريَّةٍ أو روايةٍ. ثُمَّ غدتْ هذه الفكرةُ هاجسًا تَجذَّر معَ الوقت. حاولتُ أن أُجسِّدَ هذا الهاجسَ بِنشرِ مجموعةٍ شعريَّةٍ، أسميتُها فيما بعدُ “إجراءات”.
تعرَّضت هذه المجموعةُ إلى الكثيرِ من القَصقصةِ من قِبَلِ الرَّقابة (قبلَ أن تُنشَرَ بعدَ سنواتٍ قليلةٍ) بسبب كلمة “حِمار” وبسبب كلمة “زُرُب”. هاتانِ الكلمتانِ اللَّتانِ وجَدَهُما الرَّقيبُ نابيتينِ، ولا يجبُ أن تُلصَقا في قصيدةِ نثرٍ عدَميَّةٍ كتلكَ التي كتبتُها، والتي كانت عبارةً عن حواريَّةٍ التقطتُها في باصِ نَقلِ الرُّكَّابِ بينَ سائقِ باصٍ وسيِّدةٍ عجوزٍ كانت تسكنُ في مدينةِ الثَّورةِ في تلكَ الأيَّامِ المُرَّةِ التي أصبحتْ من الماضي، حينَ كانت المدينةُ تَعُجُّ بكثرةِ الحميرِ في دَرابينِها، والتي كان يُربَطُ بعضُها قربَ البيوتِ وفي السَّاحاتِ الفارغةِ؛ بسبب كونِها أداةَ عملٍ لناقلي البضاعةِ وبَياعي النَّفطِ والخُبزِ اليابسِ والخُضار.
السَّائق: أينَ تنزلينَ أيَّتُها الأم؟
العجوز: قُربَ الحِمارِ المربوط.
السَّائق: يا للكارثة! ماذا أفعل؟ والمدينةُ أساسًا مدينةُ حمير!
اضطررتُ إلى حذفِ هاتَينِ المُفردتَينِ من نُسخةِ الرَّقابة، قبلَ أن أُعيدَهُما إلى نسخةِ الطَّبع، بعدَ أن وضَعَ الرَّقيبُ تحتَهُما خُطوطًا حُمر.
كنتُ أحتفظُ بأشعاري الحزينةِ والعدَميَّةِ في “كونيَّةٍ” كبيرةٍ يسمُّونها في البيت “كيسُ حسين”. كنتُ أدُسُّها تحتَ السَّريرِ، وأحشوها بشكلٍ مُستمرٍّ بالدَّفاترِ والكَراريسِ والأوراقِ الصُّفرِ المُحبَّرة.
لم تكُنِ الصُّحفُ والمجلَّاتُ في تلكَ الأيَّامِ تنشُرُ أشعاري “البَذيئة” التي لم تكُنْ تَعبأُ بالقَواعدِ والشَّكلِ والأعرافِ القِيَميَّةِ للُّغةِ ولِماهيةِ الشِّعر. كنتُ أكتُبُ الكثيرَ من الشِّعرِ في تلكَ الأيَّام، رغمَ أنَّ اهتمامي كان محصورًا بالرِّواية. وكان اهتمامي بالشِّعرِ يأتي تاليًا، إلى أن قرأتُ مُختاراتِ “يَسِنين” الشِّعريَّةَ، تلكَ التي ترجمَها الشَّاعرُ الكبير (والصَّديق لاحقًا) حَسَب الشَّيخ جعفر. فحدثَ لديَّ تغيّرٌ في المزاج، ولهذا غيَّرتُ بوصلةَ اهتمامي من الرِّوايةِ إلى الشِّعر، رغمَ أنَّ مَحبَّتي للرِّوايةِ بقيت على حالِها، ولم تَهتزَّ قِيدَ أنمُلة.
كنتُ مُولَعًا بِكِتابةِ الرِّواياتِ، “الرِّوايةُ الضِّدُّ” بشكلٍ خاصّ، وهكذا كَتبتُ رِوايةَ “العَرَبةِ تَدورُ في بَابِل” التي احتفظتُ بها إلى الآن في الكُونِيّةِ العَتِيقَة نفسها، مخطوطةً بِخَطٍّ يَدٍ مُعلَّمَة كانت تتردد على مكتبتي وتستعير بعضَ الكُتُب. حَمَلها السَّرَطان إلى الأعالي في مُقتَبَلِ حياتِها. كَتبتُ أيضًا “نَفَايَات مُتَأَخِّرَة”، “يَومِيّات صَعْلُوك”، “جان دِمو في الجبهة”. كَتبتُ كلَّ تلكَ الرِّواياتِ الصَّغيرة التَّجْرِيبِيَّة وجعلتهن يَنِمْن في المَجارِيْر، ثم نَشَرْتُ مِنْهُنَّ “نَفَايَات مُتَأَخِّرَة” في بِداياتي و”يَومِيّات صَعْلُوك” بعدَ سُقوطِ النِّظام وَاندِحارِه المُهِين؛ نَشَرَتْها امرأةٌ جميلةٌ ومُحترِمَة تُدعى نَجْلَا القاسِمي، صاحِبَةُ دار نُون، أحَبَّتِ العَمَل وَمَنَحَتْني مُكَافَأَةً جيدة. لكنّ هذه العَمَلِيّة استوجَبَت أن أكافِح طَويلاً مِن أجلِ تَحْقيقِ ذلك الحُلم، الذي اتضح فيما بعد وقَبْلَ سُقوطِ النِّظام بِسَنَوات أنّه لم يكن مُمْكِنًا كما كنت أعتقد. كان طَبْعُ الكِتاب في ذلك الزَّمَنِ المَرّ يَتطلَّب تمويلاً وموافَقَةَ الرِّقابَة، التي كانت تُدَقِّق بالصَّغيرة والكَبِيرة بشكلٍ عِصابيّ. كانت الدولة في تلكَ الأيّام تُعاني مِن تَصَرُّفاتِ رَجُلِ العِصاباتِ الأهوج (صَدام)، مصدر رزقِ الشُّعراءِ العَموديين الذين كانوا مُنْشَغِلِينَ على الدَّوام بِمَديحِ كيسِ العَفْن الذي كان يُقود دولتَه إلى الدَّمار، وكان الحِصارُ يُخنِقُ دولتَه المَريضَة، التي كانت مكروهةً ومُحاصَرَة من خِلال أمريكا، حَلِيفَة الدِّكتاتور العَفْن نفسه، وحُكّام دولِ الخليج مِن قبل. كان صَدام “كَلْب الحِرَاسَة” المُدَلَّل، الذي حَجموه في نِهَايَةِ حُكْمِه رغم أنّهم سَمَحُوا له أن يَتَمَدَّد وأن يَبطَش بشَعبِه، لهذا مضينا نُعاني مِن تَداعِيَاتِ سُلوكِ تلكَ العِصابة الإجرامية، واضطُرّ الناس بعد تلكَ الكوارِث إلى العيش على بيع أبوابٍ وشبابيك بُيُوتِهم. وهكذا عِشْنا سَنَواتٍ نَتَنَفَّس قُرب مياهِ المَجارِي، بِسَبَبِ تَدمير البُنية التَّحتيّة وتعطُّل مُضخّات نَقلِ المياهِ الآسِنة.
2
في البَدْءِ، لا بدّ من القول إنّ ما دَفَعَني لِكِتابةِ هذهِ المادة، التي لا تَخلُو من طَنَانَة بسبب طابِعِها الشَّخْصِيّ المُحَض، الذي يَخْتَلِف جِذريًّا عن سُلوكِي في الحياة والكِتابَة، هُما الصَّديقُ الشاعِر حَكَمَت الحاج والصَّديقُ الشاعِر فَرَج الحطّاب، الذي كان شاهِدًا على عَمَلِيّة سَطْو لمصادَرَة تلكَ الجُهود، في وضح النهار وعلى مرأى ومسمَع الكثيرين مِن شُهودِ عيانِ تلك المرحلة الحزينة التي ذهبت مع الرِّيح، تَقَبُّلُهم أن يكونوا كما جَرَت العادة عندنا شُهودَ زورٍ. جَرَحني، فباشَرتُ بِكِتابةِ هذهِ المادة مُحارِبًا لتَفشّي ظاهِرَة سياسةِ المُجاملَة والمَحسوبية، التي تَزدهِر في وسطنا الثقافي هذهِ الأيام، بِموجب “قانون نعم للربح – لا للخسارة”، الذي يُثبِت لنا مَرّة بعد مَرّة أنّ الوقت هو الذي يُفسِد كلّ شيء، لأنَّ المَدَّعي كان مُديرًا أو صاحبَ منصب يَطرُق بابه صَبحًا وليلًا، إلى أن قَدَونا وكأنّنا نرجع القهقرى إلى تلكَ الأيام التي أصبحت مِن الماضي حين كان قولُ الحقيقة يَستوجِب أن تكون خاسِرًا وأن تَدفع الثَّمن، فما أَشبَهَ اليومَ بالبارحة، رَغم تغيُّرِ المقادير.
3
من البَدِيهِيّاتِ السائرة أنّ كلّ شيءٍ في العالَم يحتاج إلى خِبرَة، وبما أنّ صِناعةُ الكُتُبِ البَدائية لم تكن شُغْلَةً سهلة، كانت تَعوزني خِبرَة أن أَعمَل في صِناعة تلكَ الكُتُبِ النّافِرَة. لهذا طَلَبْتُ نُسْخَة (مُنتَجَةُ كِتابي) الأوّل “إجراءات”، فحَصَلْتُ عليها من الصَّديق المُصمّم فاضل جواد، استعَنت بها وبكذا صديق يَعرِف طُرُق صِناعة “نَفَايَةِ الكُتُب” كالتَّعْريش والقَصّ واللصْق، إضافة إلى السكْرين لِعَمَلِ الأَغْلِفَة. بالحقيقة، إنّ ما دَفَعَني إلى البحث عن عَمَلِيّة بَدِيلَة للطَّبْعِ الفِعْلي هو الحاجَةُ الملحّة لمنحِ نَفْسِي سببًا يَجعلني أُواصِل العيش عبرَ مشروعي، الذي كان في بِداياتِه ولم يكن قد تَبَلور بعد، بِصِفَتي شاعِرًا أو هذا ما كنت أعتقده بطبيعة الحال، وذلك لمراكمة أشعاري على صَفَحاتٍ عائِدَة لي، وليس إلى (المُؤسَّسَة – الدولة) التي كنت أكرَهها، والتي كانت تحتكِر كلّ شيء، تُمُرِّره أو تَحجِبه. فهي التي كانت تتولّى طَبْع كِتابك إذا سار كِتابك في ظِلّ عربتِها ووجدتَهُ نافِعًا وليس ضارًّا، وهي التي تَسمَح لك لتكون شاعِرًا إذا طَمَحت لتحمُل هذه الصِّفَة المَنْكُرَة كما هو شائع في ظلّ الثقافة الشعبية لبلداننا. كما حصل حين دَفَعْتُ مجموعتي “إجراءات” إلى دار الأمَد، فَرُفِضَت الرقابة نشرها بسبب وُجود بعض الكلمات البذيئة، قبل أن يُمرَّر، كما قلتُ آنفًا، عبر بعض المعارف الذين حَذَفوا بعض الأشياء. إنّ كُتُبَ الهامش هي كُتُبٌ ضد، تَعِيش في الظلْمَة، بعيدًا عن عُيون الرقابة وحُراسها العَنِيفين، الذين يُمارِسون سُلطة قَهْرِيّة. أَتذكَّر أيضًا أنّني ساهمتُ بِطَباعة بعض الكُتُب لبعض الأصدقاء والمعارف الذين كانوا يُعانون مثلي بسبب قواعد النشر القاتِلَة، التي تَضع الشُّروط الفنية والإيديولوجية التي تَضبُط قواعِدَ السلوك واللياقة.
4
حِينَ انتشرتْ طُرُقُ (كُتُبِ الاستِنساخِ) قَبْلَ أنْ تُصبِحَ ظاهِرَةً وتَفْقِدَ بريقَها، أَتَذَكَّرُ أنَّ أَحَدَهُم كَتَبَ قَصائدَ عن صَدّامَ يُدْعَى مَكِي الرَّبِيعِي، وَهُوَ شاعِرٌ شَعْبِيٌّ بَعْثِيٌّ كَتَبَ الكَثِيرَ مِنْ أَغاني المَعْرَكَةِ، وَطَلَبَ مِنِّي في مَقْهى الجَماهِير أنْ أَرْشِدَهُ إلى هذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ أَجْلِ نَشْرِ كِتابِهِ الشِّعْرِيِّ، وَعِنْدَما أَحضَرَ مُخْطوطَتَهُ، دَفْتَرَ أَشعارِهِ وقَلَبْتُهُ، ازدادتْ دَهْشَتِي؛ لَقَدْ كانَتِ المَجْمُوعَةُ عِبارَةً عن مَدْحٍ بلا نِهَايَةٍ لِلْقائِدِ الضَرورَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: “يا عَمِّي، ادْفَعْ كِتابَكَ لِدارِ الشُّؤونِ؛ فَهِيَ تُطَبِّعُ هذِهِ النَّوْعِيَّةَ مِنَ الكُتُبِ، ولا تَجْرُؤْ أَنْ تَرْفُضَ هكذا بَضاعَةً تُكَيِّلُ المَدْحَ لِلْقائِدِ الضَرورَةِ. شُو جابَك لِلِاسْتِنْسَاخِ (شُغْلُ المَكَادِيَةِ)؟” لَكِنَّ الرَّجُلَ لم يَقْبَلْ، وَمِنْ ناحِيَتِي لم أُعْلِمْهُ سِرَّ الأَسْرارِ الَّذي شاعَ في ذلِكَ الزَّمَنِ الذي غابَ في مَكانٍ ما، مِنْ خِلالِ المَكارِيدِ الَّذينَ على شاكِلَتِي، مِثْلَ عَبْدِ الأَمِيرِ جَرَصٍ، وحَكْمَتِ الحاجِ، وحَسَنِ جَوَانَ، وفَرَجِ الحُطّابِ، وأَحْمَدِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ (الَّذي أَرادَ أَنْ يُشارِكنِي بمَحَلِّ البَقّالَةِ)، وجَمالِ الحِلاقِ… حَتّى اضْطُرَّت دائرةُ الشُّؤونِ الثَّقافِيَّةِ فِيمَا بَعْدُ إلى تَكْرِيسِ هذِهِ الظَّاهِرَةِ سِياسِيًّا، وَابْتَكَرَت شَيْئًا جَديدًا مِنَ النَّشْرِ أَسْمَتْهُ “سِلْسِلَةُ كُتُبٍ ضِدَّ الحِصارِ”، لم تَكْتَسِبِ القِيمَةَ نَفْسَها بِالطَّبْعِ، بِسَبَبِ أَنَّها كانَت تَمُرُّ على الرَّقِيبِ، كان وَرَقُها رَخِيصًا وَطِباعَتُها مُتَواضِعَةً بِسَبَبِ سَلاسِلِ الحِصارِ المُدَمِّرَةِ.
فوجِئْتُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ عَمَلِنا بِهذِهِ النِّفاياتِ بِعَبْدِ الزَّهْرَةِ زَكِيٍّ يَكْتُبُ مادَّةً عن هذِهِ الظَّاهِرَةِ وَيُنْسِبُها لِدارِ السَّيِّدَةِ حَكَمِيَّةِ جَرَّارٍ، وَهذَا اِدِّعاءٌ لا أَسَاسَ لَهُ مِنَ الصِّحَّةِ؛ فَهِيَ كانَت تُعْرَضُ كُتُبُها على الرَّقابَةِ، وَكانَت كُتُبُها تُطْبَعُ بِجِهازِ الرُّونيو، يَعْنِي طِباعَةً دَرَجَةً ثانِيَةً، لَها أَصْلٌ تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَإنْ كانَت كُتُبُ اسْتِنْسَاخٍ كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُم، لأَنَّ الأَساسَ بِهذِهِ الظَّاهِرَةِ أَنْ تَكونَ (كُتُبٌ ضِدَّ) لا تَسْمَحُ بها الرَّقابَةُ، لا تَعِيشُ طَويلاً، وَوَرَقُها مِنْ بَقايَا زُبَلِ المَطَابِعِ والقَصاقِيصِ، أَمَّا كُتُبُهُم فكانَت مُحْصَنَةً بِالمُوافَقَةِ الأَمْنِيَّةِ، وَعَلَيْها خَتْمُ الدَّوْلَةِ، كَمَا أَنَّها لم تَكُن تُقْرَأُ بِسَبَبِ عادِيَّتِها وَقُرْبِها مِنْ عِصَا الرَّقابَةِ والدَّوْلَةِ. كَانَت كُتُبُ الأَمَدِ ابْنًا بارًّا طائِعًا لِلدَّوْلَةِ، عَلَى عَكْسِ تِلْكَ الكُتُبِ الَّتي نَشَرْنَاهَا، والَّتي كانت كُتُبًا غامِضَةً، مُراوِغَةً، كارهَةً لِلدَّوْلَةِ وَلكُلِّ نِظامٍ. كَانَت كُتُبًا تَعِيشُ حَياتَها خَارِجَ السِّيَاقِ العَامِّ، مُرِيبَةً، وَتُكْتَبُ عَنْها التَّقارِيرُ كَما حَصَلَ مَعَ مَجْمُوعَتِي “عِلَّةُ الأَرْضِ تَكَاثُرُ الآلِهَةِ”، الَّتي تَعَرَّضَت مِنْ خلالِها إلى التَّهْدِيدِ مِنْ قِبَلِ حَمِيدِ سَعِيدٍ عَبْرَ الشَّاعِرِ سامِي مَهْدِي، الَّذي انفَرَدَ بِي في مَقْهى حَسَنِ عَجْمِي، وأَخْبَرَنِي عَنْ وُجودِ أَرْبَعِ تَقاريرَ رُفِعَت إلى وَكيلِ وَزَارَةِ الثَّقافَةِ، كَتَبَها بَعْضُ الأَدَباءِ والشُّعَراءِ العِرَاقِيِّينَ، وَأَنَّ هذَا الحَمِيدَ كانَ مُصِرًّا على رَفْعِها إلى الرَّئِيسِ، لأَنَّ قَصِيدَةَ “عِلَّةُ الأَرْضِ تَكَاثُرُ الآلِهَةِ” تَعَرَّضَت إلى بَعْضِ الأَدَباءِ الَّذين يُعَدُّونَ مِنَ الرُّموزِ البَعْثِيَّةِ، كَمَا أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَحَبَ تِلْكَ التَّقارِيرَ وَأَنَّها مَعَهُ، وَقَد أَخْبَرَنِي الرَّجُلُ أَن “أَتَوَارى مِنَ الوَسَطِ الأَدَبِيِّ”، وَهذَا بِشَهادَةِ رِزّاقِ عَدَايٍ، وَحَكْمَتِ الحاجِ، وَعَبْدِ الخالِقِ الرُّكَابِيِّ، وَعَلِيٍّ السُّودانِيِّ، وَضِياءَ سَالِمٍ، وَعَبْدِ الزَّهْرَةِ شَذَرٍ، وَيُمْكِنُ إِضَافَةُ الصَّدِيقَيْنِ الَّذَينِ رَحَلَا فِي الغُرْبَةِ: عَبْدُ الأَمِيرِ جَرَصٍ وَجانُ دِمُو، إِضَافَةً إلى النَّاقِدِ الكَبِيرِ الراحلِ مُحَمَّدِ مُبارَكٍ. بِالحَقِيقَةِ، لَقَدِ انتَظَرْتُ لِسَنَوَاتٍ لِذِكْرِ هذِهِ الحَقائِقِ مِنْ بابِ التَّواضُعِ وَتَوْضِيحِ ما حَصَلَ. وَبَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ الجَمِيعَ يَكْتُبُ عَنْ هذِهِ الظَّاهِرَةِ لِيُنْسِبَهَا لِنَفْسِهِ، رُبَّمَا بِسَبَبِ مَا كَانَ قَد طَبَعَ كِتابًا بَعْدَ شُيُوعِ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ الَّتي أُوجِدَتْها أَنَا، وَحانَ الوَقْتُ الآنَ لِكَشْفِ النِّقابِ عَنْ حَقِيقَةِ انْتِشارِ هذِهِ الظَّاهِرَةِ وَرُوّادِها، وَلابُدَّ مِنَ القَوْلِ أَنَّ مَنْ أَشاعَ هذِهِ الظَّاهِرَةَ هُم حُسَيْنُ عَلِيُّ يُونُس، وَحَكْمَتُ الحاجِ، وَحَسَنُ جَوَانَ، وَفَرَجُ الحُطّابِ، وَأَحْمَدُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ ، وَجَمالُ الحِلاقِ، وَخَالِدُ مُطْلِقٍ فِيمَا نَشَرَ عَبْدُ الأَمِيرِ جَرَصٍ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ قَبْلَ سَفَرِهِ بِقَلِيلٍ إلى الأُرْدُنِّ مَجْمُوعَتَهُ الثّانِيَةَ “أَحْزانُ وَطَنِيَّةٍ” بِطَريقَةِ الاستِنْسَاخِ. كانَ شِعْرُ عَبْدِ الأَمِيرِ جَرَصٍ مَقْبُولًا، وَلَمْ يَكُن يَجِد مُعارَضَةً لَدَى الجِهاتِ المانِحَةِ لِلرُّخَصِ. لَمْ تَكُن “قَصائدُ ضِدَّ الرِّيحِ” مِن كُتُبِ الاستِنْسَاخِ، كَانَت كِتابًا صَغِيرَ الحَجْمِ، نُشِرَ عَبْرَ الطِّباعَةِ وَبِوَرَقٍ فاخِرٍ. وهذا ينطبق أيضا على مجموعتي الأولى” إجراءات ” أَحْبَبْتُ أَنْ أُوَضِّحَ هذِهِ الحَقِيقَةَ بَعْدَ لاي. بِالحَقِيقَةِ، ثَمَّةَ كُتُبٌ يُمكِنُ أَنْ نَقُولَ عَنْها أَنَّها تَنْتَمِي إلى ظاهِرَةِ الاستِنْسَاخِ، فَكُتُبُ نَصِيفِ النَّاصِرِيِّ المَكْتوبَةُ بِخَطِّ اليَدِ يُمكِنُ اعتِبارُها كُتُبَ استِنْسَاخٍ، وَكَذلِكَ كُتُبُ حَكْمَتِ الحاجِ وَجَمالِ الحِلاقِ المَنضُدَةِ، وَكُتُبِي أَيْضًا قَبْلَ أَنْ تَجِدَ طَريقَها بِهذِهِ الطَّرِيقَةِ الحَيَّةِ-المَيِّتَةِ. كُتُبُ استِنْسَاخٍ تَنْتَمِي إلى العُلُوِّ، وَلا تَنْتَمِي إلى السَّطْحِ، وَيُمْكِنُ اعتِبارُها أَيْضًا كُتُبًا مِيتافِيزِيقِيَّةً، لأَنَّها كُتُبٌ تَذْكُرُ بِرائِحَةِ الوَرَقِ وَعَفُونَةِ الأَشجارِ وَالعَرَقِ المَسِيحِ.
بَعْدَ تِلْكَ الهِبَّةِ، نَشَرَ عَبّاسُ اليُوسُفِيّ، وَمُحَمَّدُ غازي الآخَرَس، وَكَاظِمُ الجَمّاسِي، وَقاسِمُ مُحَمَّدِ عَبّاس، وَسَلْمَانُ داوُد مُحَمَّد، وَفِي نِهَايةِ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ الَّتي امْتَدَّت لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ، نَشَرَ نُصَيْرُ غَدِيرٍ كُتَيْبَهُ الفَلْسَفِيَّ عَنْ الصِّفْرِ.
5
يَجِبُ التَّثَبُّتُ بِالحَقائِقِ الصَّلْبَةِ، تِلْكَ الَّتي تَعْتَمِدُ على الوَثائِقِ، وَالابتِعادُ عَمَّا يَبْدُو أَنَّها الحَقائِقُ السَّائِلَةُ، تِلْكَ الَّتي تَعْتَمِدُ على الكَلامِ وَالإشاعَةِ.
6
الكُتُبُ الَّتي لَيْسَ لَها نَظِيرٌ، لَيْسَ لَها أَصْلٌ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، بَل هِيَ كُتُبٌ انبَثَقَتْ مِنَ العَدَمِ، وَهَكَذَا كانَت كُتُبُنا.
7
اسْتِنْسَاخُ الكُتُبِ هِيَ الحَياةُ بِطُرُقٍ مَيِّتَةٍ.
8
بَعْدَ حَرْبِ الخَليجِ الثّانِيَةِ انْتَشَرَتْ ظاهِرَةُ اسْتِنْساخِ الكُتُبِ بِسَبَبِ الحِصارِ وَانْقِطاعِ العِراقِ عَنْ مُحيطِهِ وَعَنِ العالَمِ. كانَتْ إِيرانُ هِيَ مَنْفَذَنا الوَحيدَ إِلى العالَمِ، الَّذي نَبَذَنا نَتيجَةً لِحَماقاتِ صَدّامَ القاتِلَةِ. كانَ يَصِلُنا كُلُّ ما هُوَ ضَرورِيٌّ مِنْ خِلالِ هذَا البَلَدِ الَّذي حارَبَهُ النِّظامُ طِوالَ ثَماني سَنَواتٍ.
كانَ العِراقُ يَبيعُ نَفْطَهُ خارِجَ قانُونِ “النَّفْطِ مُقابِلَ الغِذاءِ” مِنْ خِلالِ عَدُوِّ الأَمْسِ، لِيُوَفِّرَ الوَرَقَ وَالحِبْرَ وَالأَدْوِيَةَ. لِذلِكَ لَمْ تَتَوَقَّفْ تَمامًا عَمَلِيَّةُ صُنْعِ الكِتابِ وَإِنْ كانَتْ قَدْ وَصَلَتْ في بَعْضِ السَّنَواتِ إِلى المَرْحَلَةِ الصِّفْرِيَّةِ نَتيجَةَ مَنْعِ اسْتِيرادِ الوَرَقِ، مِمّا أَدّى إِلى تَحَوُّلِ الاسْتِنْساخِ إِلى ظاهِرَةٍ ثَقافِيَّةٍ – سُوقِيَّةٍ. كانَتْ مَكاتِبُ بابِ المُعَظَّمِ تَسْتَنْسِخُ الكُتُبَ القَليلَةَ الَّتي كانَتْ تَصِلُ مِنْ خارِجِ العِراقِ، وَيُتَمُّ اسْتِنْساخُها وَبَيْعُها في شارِعِ المُتَنَبّي بِالسِّرِّ وَبِالعَلَنِ. وَبِالطَّبْعِ تَمَّ اسْتِنْساخُ مِئاتِ الكُتُبِ الَّتي كانَ مِنْ بَيْنِها الكَثيرُ مِنَ الكُتُبِ المَمْنوعَةِ، وَهذَا بِالطَّبْعِ فَتَحَ لَنا طَريقًا إِلى طَبْعِ كُتُبِنا المَوْضوعَةِ، فَتَحَوَّلَتْ هذِهِ وَتِلْكَ إِلى ظاهِرَةٍ سِياسِيَّةٍ اجْتِماعِيَّةٍ انْتَشَرَتْ في الأَطْرافِ كَما ازْدَهَرَتْ في المَرْكَزِ. لِذلِكَ لَجَأَ إِلى هذِهِ الطَّريقَةِ بَعْضُ شُعَراءِ المَوْصِلِ: عَمّارُ المَرْواتي، وَرَعْدٌ فاضِلٌ، وَبَشّارٌ عَبْدُ اللهِ… وَفي البَصْرَةِ نَشِطَ جابِرُ خَليفَةَ جابِر، وَقُصَيٌّ الخَفّاجي، وَعادِلٌ مُرْدان…
ضَعْفُ الدَّوْلَةِ أَدّى إِلى انْتِشارِ ظاهِرَةِ النَّشْرِ مِنْ دُونِ الرُّجوعِ إِلى النّاشِرِ، كَما جَرَّ بِالنِّهايَةِ إِلى الابْتِعادِ عَنِ المُؤَسَّساتِ الرَّسْمِيَّةِ تِلْكَ الَّتي كانَتْ تَقُومُ بِهذِهِ المُهِمَّةِ. كانَتْ هذِهِ الطَّريقَةُ العَدَمِيَّةُ فِي النَّشْرِ غَيْرَ مُكَلِّفَةٍ، وَتَمْتازُ بِالسُّيولَةِ، كَما أَنَّها كانَتْ تَطْرَحُ كِتابًا مَجّانِيًّا، وَكانَ يُمْكِنُ اعْتِبارُهُ كِتابَ تَأْكيدٍ لِلذّاتِ المَنْسَحِقَةِ وَالمَكْبوتَةِ، عَمِلَتْ عَلى تَرْسيخِ رُوحِ الصَّداقَةِ بَيْنَ المَجاميعِ تِلْكَ الَّتي كانَتْ تَنْتَشِرُ في بَغْدادَ وَفي بَقِيَّةِ مُحافَظاتِ العِراقِ كَما قُلْنا مِنْ قَبْلُ.
وَمِنْ بَيْنِ تِلْكَ الإِصْداراتِ نَذْكُرُ هُنا عَلى سَبيلِ المِثالِ لا الحَصْرِ بَعْضًا مِنْ تِلْكَ العَناوينِ:
نَشَرَ حُسَيْنُ عَلِي يُونُس: إِساءات – عِلَّةُ الأَرْضِ تَكاثُرُ الآلِهَة – موسى – نُفاياتٌ مُتَأَخِّرَة.
نَشَرَ عَبْدُ الأَميرِ جَرَص: أَحْزانٌ وَطَنِيَّة.
نَشَرَ حِكْمَتُ الحاجُّ: بَغْدادات – الكَلامُ المُسْتَعاد – الدَّرْسُ ليُونِسْكو – بانْتِظارِ غودو لبيكيت – الورة بدون لماذا – تمر العاصفة وتبقى الصحراء.
نَشَرَ حَسَنٌ جَوان: عِشْرونَ قَصيدَة.
نَشَرَ فَرَجُ الحَطّابِ: سيول اليفة. الرؤيا الآن .
نَشَرَ أَحْمَدُ الشَّيْخُ عَلِي: طائِرُ الآن.
نَشَرَ جَمالُ الحَلّاقِ: تَقَدَّمْ أَيُّهَا الخَرَف. صعادات .
نَشَرَ خالِدٌ مُطْلَك: الدِّيناصور.
نَشَرَ مُحَمَّدٌ غازي الأَخْرَس: شَمْعون.
ومن منشورات تلك الظاهرة أيضا يمكن أن نشير إلى:
أحدهم كسر غصن الماء/ شعر أحمد الشيخ علي.
ربما تصير الأغنية بيتا / شعر أحمد الشيخ علي.
يا ملك وقصائد أخر/ شعر أحمد الشيخ علي. براثا/ شعر، أحمد الشيخ علي. من كتابها ومن كتابها مرة أخرى/ أحمد الشيخ علي.
عَوْدًا عَلى بَدْءٍ، لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ إِنَّ كُتُبَ الاسْتِنْساخِ الَّتي غابَتْ في ثُقْبٍ أَسْوَدَ حَصَلَتْ عَلى الكَثيرِ مِنَ التَّعاطُفِ، كَما كُتِبَ عَنْها الكَثيرُ مَدْحًا وَذَمًّا: أَحْيانًا بِمَوْضوعِيَّةٍ، وَأَحْيانًا بِكَثيرٍ مِنَ المُحاباةِ. رُبَّما بِسَبَبِ كَوْنِها كانَتْ كُتُبًا مَيْتَةً، لِذلِكَ قُدِّمَ لَها الكَثيرُ مِنَ العَزاءِ. وَلِأَنَّ المَيِّتَ يَحْظى بِبَعْضِ الاهْتِمامِ، حَظِيَتْ تِلْكَ الكُتُبُ الصَّغيرَةُ الفَقيرَةُ في مادَّتِها وَشَكْلِها بِبَعْضِ الاهْتِمامِ. وَلِأَنَّ حَياةَ كِتابِ الاسْتِنْساخِ كانَتْ حَياةً قَصيرَةً أَيْضًا، كانَ ذلِكَ نَوْعًا مِنَ التَّضامُنِ بَيْنَ طَريقَةِ العَيْشِ وَطَريقَةِ الكِتابَةِ.
كانَتْ ظاهِرَةُ الكِتابَةِ تُشْبِهُ كَثيرًا رَجُلاً يَحْتَضِرُ وَبِحاجَةٍ إِلى لَمْسَةِ حَنانٍ تُشْعِرُهُ بِقيمَةِ حَياتِهِ القَصيرَةِ وَقيمَةِ الهَشاشَةِ الَّتي كانَتْ تَسْتَنِدُ عَلَيْها في حُضورِها بِصِفَتِها جَسَدًا فاقِدًا لِقيمَتِهِ المادِّيَّةِ وَغَيْرَ مُعْتَرَفٍ بِهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُحَصَّنٍ بِجَوازِ مُرورِهِ الَّذي كانَ يَعْتَمِدُ عَلى رَقْمِ الإِيداعِ الَّذي يُطيلُ عُمْرَ الكُتُبِ وَيَحْفَظُها مِنَ الضَّياعِ لِقُرونٍ، عَلى عَكْسِ كُتُبِنا الهَشَّةِ تِلْكَ الَّتي لَمْ تَحْظَ عَلى وَسْمِ مُرورِها.
أَتَذَكَّرُ أَنَّ قَناةَ “مونت كارلو” قَدَّمَتْ حَلْقَةً بِوَاسِطَةِ سَعْدِ المَسْعودي – إِنْ لَمْ تَخُنّي الذّاكِرَةُ – عَنْ بَعْضِ إِصْداراتي، وَتَحَدَّثَ عَنْ انْتِشارِ هذِهِ الظّاهِرَةِ الغَريبَةِ وَالاسْتِثْنائِيَّةِ في تاريخِ الثَّقافَةِ العِراقِيَّةِ.
9
الآنَ وَبَعْدَ كُلِّ هذِهِ السَّنَواتِ، وَبَعْدَ أَنْ نَشَرْتُ في دُورِ نَشْرٍ جَيِّدَةٍ وَبِطَبَعاتٍ فاخِرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرينَ كِتابًا، أَجِدُني أَحِنُّ إِلى تِلْكَ الكُتُبِ المُتَواضِعَةِ الصَّغيرَةِ النَّحيلَةِ الفَقيرَةِ الَّتي تُشْبِهُني. لَقَدْ كانَتْ جُزْءًا مِنْ حَياتِنا الَّتي خَلَّفْناها في الماضي. لَقَدْ وَضَعْنا في تِلْكَ الأَوْراقِ الرَّخيصَةِ حَياتَنا كُلَّها، وَجَعَلْناها تُبْحِرُ في المَجْهولِ. لَقَدْ كُنّا نَصْنَعُ قَوارِبَ وَرَقِيَّةً وَنُطْلِقُها في الماءِ بَيْنَما كانَتِ المُؤَسَّساتُ تَنْظُرُ إِلَيْنا بِعَيْنٍ ساخِرَةٍ.
وَبِانْتِهاءِ تِلْكَ المَوْجَةِ وَانْدِثارِها، أَحُسُّ الآنَ وَبَيْنَما أَكْتُبُ هذِهِ المَقالَةَ أَنَّنا أَضَعْنا كَنْزًا كانَ يَنْبَغي المُحافَظَةُ عَلَيْهِ وَصَوْنُهُ، وَلَكِنْ ما العَمَلُ؟ لَقَدْ مَضى كُلُّ شَيْءٍ إِلى نِهايتِهِ، وَسَنُدْفَنُ نَحْنُ أَيْضًا لِنَلْحَقَ بِكُتُبِنا الَّتي مُحِيَتْ .
كُتِبَ الكَثيرُ عَنْ هذِهِ الظَّاهِرَةِ مِنْ أُولئِكَ الَّذينَ كانوا خارِجَها (وَلَمْ تَكُنْ تَعْنيهِمْ بِشَيْءٍ لِذلِكَ كَتَبوا) بِشَكْلٍ سَيِّءٍ غالِبًا وَلِغايَةٍ مَعْروفَةٍ. لِذلِكَ انْتَظَرْتُ إِلى أَنْ كَفَّ الجَميعُ عَنِ القَوْلِ. كُنْتُ أَتَمَنّى أَنْ يَكْتُبَ حِكْمَتُ الحاجُّ عَنْ هذَا المَوْضوعِ، لِأَنَّهُ كانَ مِنَ المُتورِّطينَ فيه، أَوْ أَيُّ ناقدٍ آخَرَ لا يُعيرُ كَثيرَ أَهَمِّيَّةٍ لِلْعَلاقاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَحَيادِيٌّ لِيَضَعَ النِّقاطَ عَلَى الحُروفِ بَعْدَ سَنَواتٍ مِنِ اخْتِلاقِ كُلِّ تِلْكَ الأَكاذيبِ الَّتي رَوَّجوا لَها. مِنَ المُحْزِنِ بالطبع أَنْ تُنْسَبَ هذِهِ الظَّاهِرَةُ إِلى المُؤَسَّسَةِ الَّتي حارَبَتْنا وَكانَتْ أَحَدَ أَسْبابِ دَمارِ الثَّقافَةِ العِراقِيَّةِ الَّتي تَبَنَّتْ هذِهِ الظَّاهِرَةَ لاحِقًا بِسَبَبِ الحِصارِ، بَيْنَما كانَ دافِعُنا الأَوَّلَ لِتَبَنِّيها الهُروبَ مِنْ ظاهِرَةِ الرَّقيبِ وَتَجاهُلِنا مِنْ قِبَلِ المُؤَسَّسَةِ حِينَ أَطْبَقَ الحِصارُ عَلَى الدَّوْلَةِ وَوَجَدَتْ أَنَّ هذَا الحَلَّ يُوَفِّرُ لَها فُرْصَةً لِتَحْتَوِيَ تِلْكَ الأَصْواتَ النَّشازَ، وَزَحَفَتْ إِلى المَشْروعِ وَبَلَعَتْهُ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ كَتَبَةُ تِلْكَ الكُرّاساتِ إِلى أَسْماءٍ لِتَنْداحَ في العالَمِ.
ما الَّذي ظَلَّ مِنْ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ؟ لا شَيْءَ، لِأَنَّ الكَثيرَ مِنْ تِلْكَ الكُتُبِ فُقِدَ، وَنادِرًا ما نُشاهِدُ نُسْخَةً مِنْ تِلْكَ الإِصْداراتِ الشَّبَحِيَّةِ الَّتي، إِذا قُدِّرَ لَنا أَنْ نَجْمَعَها ذاتَ يَوْمٍ، رُبَّما سَتَكُونُ مِئَةَ عُنْوانٍ. وَإِذا راكَمْنا كَمِّيَّةَ النُّسَخِ الَّتي طُبِعَتْ مِنْ تِلْكَ العَناوينِ مَعَ بَعْضٍ، لَنْ نَخْرُجَ إِلّا بِثَلاثَةِ كَراتينَ أَوْ أَرْبَعَةٍ. كانَتِ النُّسَخُ قَليلَةً: خَمْسينَ نُسْخَةً لِكُلِّ إِصْدارٍ، وَمِئَةً في حالَاتٍ أُخْرى. كانَتِ الكُتُبُ بِحَجْمِ شَخّاطَةِ كِبْريتٍ غالِبًا وَدَفاتِرَ المُلاحَظاتِ، وَكانَتْ تَعْتَمِدُ عَلَى الوَرَقِ التَّلَفِ الَّذي تَتَقيَّؤُهُ المَطابِعُ وَيُلْقى في حاوِياتِ الزُّبْلِ. كانَ بَقايا تَعْريشِ الكُتُبِ وَالمَجَلاّتِ وَالجَرائِدِ، كانَ فائِضَ ما يُطْبَعُ مِنْ قِبَلِ الدَّوْلَةِ وَالمُتَنفِّذينَ مِنْ أَصْحابِ رُؤوسِ الأَمْوالِ.
بَعْدَ سَنَواتٍ طَويلَةٍ لا أَزالُ أَتَذَكَّرُ أَبو تَحْسينٍ بِبَدْلَتِهِ الزَّرْقاءِ الَّذي كانَ يَصْنَعُ لَنا أَغْلِفَةَ السُّكَّرينِ. لَقَدْ ذَهَبْنا إِلَيْهِ أَنا وَعَبْدُ الأَميرِ جَرَص، وَحَسَنُ جَوان، وَحِكْمَتُ الحاجُّ مِرارًا. كانَ أَحَدَ أَدَواتِنا الصُّلْبَةِ لِنَمُرَّ مِنْ عُنُقِ الزُّجاجَةِ في تِلْكَ الأَيّامِ المُرَّةِ الَّتي كانَتْ جِدَّ شَحيحَةً في عَطاياها. كُنّا مُضْطَرّينَ لِصِناعَةِ كُتُبِنا بِسَبَبِ الحِصارِ وَبِسَبَبِ الإِهْمالِ الَّذي مورِسَ ضِدَّنا. لِذلِكَ تَحَوَّلْنا إِلى مُعارِضينَ: بَعْضُنا بِقَصْدٍ وَبَعْضُنا الآخَرُ مُضْطَرًّا. فَلَمْ تَتْرُكْ لَنا الدَّوْلَةُ وَمُؤَسَّساتُها خَيْرًا، لَقَدْ ضَيَّقَتِ الخِناقَ حَوْلَنا وَلَمْ تَتْرُكْ لَنا فَسيحَةً لِنَتَنَفَّسَ. كانَ النَّشْرُ في الجَرائِدِ مَحْدودًا، وَالمَجَلاّتُ كانَتْ لِلسّادَةِ الكُتّابِ الرَّسْمِيّينَ وَالعَرَبِ، أَمّا الشَّبابُ مِنْ أَمْثالِنا فَلَمْ نَكُنْ نَجِدُ غَيْرَ المَقْهى وَالحاناتِ.
تَحْتَ ظِلِّ ما تَمَّ إِنْجازُهُ مِنْ هذِهِ الظَّاهِرَةِ الثَّوْرِيَّةِ، خَرَجَتْ “سِلْسِلَةُ ضِدَّ الحِصارِ” الثّانِيَةُ، السِّلْسِلَةُ الحُكومِيَّةُ الَّتي أَصْبَحَ يَخْجَلُ مِنْها كُلُّ الَّذينَ نَشَروا كُتُبَهُمْ مِنْ خِلالِها: غَيْمَةُ الصَّمْغِ بِتَمْويلِ المُغَنّي المَعْروفِ حُسَيْن نِعْمَة، وَكَذا الحَالُ مَعَ دُنْيا ميخائِيل، وَمُحَمَّد إِسْماعيل، وَعَبْدُ الرَّزّاقِ الرُّبَيْعِيِّ، وَهَلُمَّ جَرّا… هذِهِ المَشاريعُ خَرَجَتْ مِنْ تَحْتِ يافِطَةِ المُؤَسَّسَةِ التّابِعَةِ لِلدَّوْلَةِ وَبِإِشْرافِها، وَعَلَى الضِّدِّ مِنْ كُتُبِنا الميتة، حَمَلَتْ هذِهِ السِّلْسِلَةُ المَدْعومَةُ مِنْ بَعْضِ الشَّخْصِيّاتِ العامَّةِ خَتْمَ الدَّوْلَةِ، نُشِرَتْ بِإِشْرافِها وَفي مَطابِعِها، عَلَى عَكْسِ هذِهِ الكُتُبِ
كانَتْ كُتُبُنا الَّتي تُكَسِّرُ الخاطِرَ، وَالَّتي كانَتْ تُقْرَأُ بِحَميمِيَّةٍ وَعَلى نِطاقٍ واسِعٍ في الوَسَطِ الأَدَبيِّ الَّذي كانَ يُطالِعُها كَمَناشيرَ سِرِّيَّةٍ، تُكْتَبُ عَنْها التَّقارِيرُ. فَكُراسَتي عِلَّةُ الأَرْضِ تَكاثُرُ الآلِهَةِ الَّتي شَتَمْتُ بِها بَعْضَ أَعْلامِهِمْ، سَبَّبَتْ الكَثيرَ مِنَ الهَرْجِ وَالإِحْراجِ، حَتّى إِنَّ الشّاعِرَ السِّتّينِيَّ سامي مَهْدي اضْطُرَّ أَنْ يَسْتَخْدِمَ سُلْطَتَهُ لِيَنْتَزِعَ تِلْكَ التَّقارِيرَ مِنَ الوَكيلِ الأَقْدَمِ حميد سعيد الَّذي كانَ مُرَشَّحًا دائِمِيًّا لِوِزارَةِ الثَّقافَةِ، وَالَّذي كانَ مُصِرًّا عَلى إِيصالِها إِلى الرَّئيسِ شَخْصِيًّا، لِأَنَّني ـ حَسْبَ قَوْلِهِ ـ قَدْ طَعَنْتُ بِبَعْضِ رُموزِ الحِزْبِ الكِبارِ. وَهكَذا طُمْطِمَتِ القَضِيَّةُ، وَهذَا ما حَفِظْتُهُ دائِمًا لِسامي مَهْدي، الَّذي كانَ الشّاعِرَ الوَحيدَ بَيْنَهُمْ الَّذي احْتَرَمْتُهُ لِمَوْقِفِهِ مِنّي بِتِلْكَ الحادِثَةِ وَلِقِيمَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ.





أضف تعليق