قصيدة: إميلي ديكنسون
ترجمة وتعليق: حكمت الحاج *
الأمل هو شيء له ريش
يحط داخل الروح،
ولا يتوقف عن الغناء أبداً
عندما يشدو بألحان دون كلمات،
ويُسمع أعذب ما يكون خلال العاصفة؛
ولا بد أن تكون العاصفة قاسية
حتى تُخجل ذاك الطائر الصغير
الذي أبقى الكثيرين دافئين.
لقد سمعته في أبرد البلاد
يغني، وفي أغرب البحار
ومع ذلك، حتى في أقسى الظروف،
لم يطلب مني كسرة خبز واحدة.
* حاشية من المترجم:/
يمكننا أن نقارب قصيدة إميلي ديكنسون هذه من زاوية صوفية، لكن بحذر، لأن النص مكتوب في سياق مسيحي بروتستانتي أمريكي في القرن التاسع عشر، حيث لم تكن الشاعرة تنطلق من التجربة الصوفية الشرقية كما نعرفها عند ابن عربي أو جلال الدين الرومي او شهاب الدين السهروردي، بل من حساسية روحية خاصة بها، عميقة وعفوية، متأثرة بإيمانها الفردي وتجاربها الداخلية.
مع ذلك، ثمة سمات تجعل القصيدة قابلة للتأويل الصوفي: فالأمل يُصوَّر كطائر داخلي يحطّ في الروح ويغني بلا توقف. هذا يشبه ما يسميه المتصوفة “الذكر”، وهو الحضور الداخلي الذي لا ينقطع ويمنح السكينة والطمأنينة. الطائر (الأمل) يغني، يمنح الدفء، لكن لا يطلب شيئاً بالمقابل. أليس هذا هو مفهوم “الفيض” عند الصوفية، حيث الحقيقة الإلهية تهب دون مقابل، وتفيض عطاءً بلا انتظار؟
كذلك تقول القصيدة عن “الطائر” هذا إنها سمعته في “أبرد البلاد” و”أغرب البحار”. هذا يتطابق مع فكرة أن الفيض الروحاني يُدرَك حتى في أقصى الغربة والضياع، كما يصف المتصوفة رحلتهم في “البحر المظلم” أو “أرض الغياب”.
في اللاهوت المسيحي، خاصةً في الأيقونات الإنجيلية، يُجسَّد “الروح القدس” غالباً في صورة حمامة. حين تقول ديكنسون: “الأمل هو الشيء ذو الريش، الذي يحط داخل الروح”، فهي تستدعي شعريا صورة الطائر/ الروح الذي يستقر في الأعماق ويبعث بالطمأنينة.
في تراثنا العربي، للحمامة استعمالاتها الشتى، استعارة لغوية أو رمزا روحيا، أو أيقونة صوفية. الحمامة تنوح وتبكي دائما فهي في أغلب الأحيان روح هائمة تبحث عن مكمنها الأصلي. “أقول وقد ناحت بقربي حمامة..” لأبي فراس الحمداني، ناشدها وهو في الأسر عند الروم، كذلك “ألا يا حَماماتِ اللِّوَى عُدنَ عَودَةً فإِنّى إِلَى أَصوَاتِكُنَّ حَزينُ”، لابن الدمينة الأموي. كما لم تغب صورة الحمامة المطوقة أو الفاختة عن مخيال الشعراء إذ في عرفهم إنما هي تنادي على أختها التي ضاعت منها وتاهت بعيدا عن موطنها، مثلها مثل صورة الحمامات وهن يرتعن بحرية في أصحن مراقد الأئمة الأطهار من آل البيت، فتسمى لدينا في العراق “حمامات الحسين”.
إذن، قد يكون أكثر صوابا هو أن نصف هذه القصيدة بأنها “قصيدة روحانية” (spiritual) أكثر من كونها صوفية (mystical)، لكنها في أفق التأويل يمكن أن تُقرأ بوصفها تجربة وجدانية صوفية حول “الأمل” بوصفه طائر الروح.
* (ح.ح)
أضف تعليق