كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

“في باطن الجحيم” لسلام إبراهيم: سياقات حملة “الأنفال” في رواية تسجيلية وثائقية..

عواطف محجوب – تونس

يقوم السرد في الرواية التسجيلية على الإخبار الواقعي دونما حاجة للخيال والتخييل، إذ يعتمد على ذاكرة حادة قادرة على تجميع التفاصيل، وبارعة في عرض الأحداث والوقائع والتواريخ والشخصيات بشكل دقيق وموضوعي. ويستند في نفس الوقت على مؤيدات تثبت صحة كل ذلك، ضمانا للمصداقية والأمانة في النقل. وتكمن خصوصية الرواية التسجيلة في كونها تجمع بين ما هو فني إبداعي وبين ما هو توثيقي تاريخي واجتماعي وسياسي وحتى سيري أو مذكراتي. وتتجلى أهميتها من خلال دورها في التأثير وإنارة الرأي العام عند عرض قضايا وأحداث بقيت حيثياتها غامضة وشبه مجهولة، وبإعادة إثارتها وتدعيمها بالأدلة تتحول إلى وثيقة تعطي لكل طرف في القضية ما له وما عليه. وبالتالي تقدم الرواية التسجيلية فرصة للمتلقي لفهم حقائق واقع المجتمعات فهما يخضع للمنطق والتحليل والرغبة في التغيير.

من الروايات التسجيلية التي وثّقت لأحداث تاريخية معاصرة نجد رواية “في باطن الجحيم” للكاتب العراقي سلام ابراهيم. نُشرت هذه الرواية في مجلة الكلمة1 سنة 2011 ثم صدرت لاحقا سنة 2013 في بغداد. العنوان الفرعي للرواية يحيلنا مباشرة على المحتوى “رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال من 1987إلى 1989” وبالنظر إلى متن الرواية سنجد أن النص يزدحم بالأحداث والتواريخ والصور والمراسلات والمقابلات وكلها مدعمات لأن تكون الرواية فعليا تسجيلية وثائقية.

المعروف عن الكاتب سلام ابراهيم أنه خاض مبكرا النشاط السياسي، حيث انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وبسبب نشاطه تعرض للملاحقة ثم للاعتقال والتعذيب عدّة مرات، فاضطر إلى الالتحاق بصفوف الثوّار في جبال كوردستان صحبة زوجته. وهناك تعرّض للقصف الكيمياوي، ما أدّى إلى عطب مزمن في رئتيه بنسبة ستين بالمائة. وبعد رحلة طويلة بين مخيمات اللجوء في تركيا وشمال إيران وسوريا، لجأ إلى الدنمارك في بداية التسعينات، ومن هناك شاهد سقوط النظام الذي لاحقه طويلا.

كما هو معلوم يقوم أساس رواية في باطن الجحيم على ثيمة الحرب، ومنها يتفرع موضوع حملة الأنفال. ودائما ما تحيط بمواضيع الحرب ظروفٌ وملابسات لا يمكن توقعها ولا فهمها إلا بالإطلاع على الأثر، لأنه بعد كتابته وتدعيمه بمؤيدات يتحول إلى وثيقة شاهدة على الحقيقة. وهو ما يساعد على فهم ما حدث وإماطة اللثام عن الغوامض وتصحيح المغالطات. كتب سلام ابراهيم الرواية بعد أن خرج من جحيم الحرب إلى برد اللجوء في بلد أوروبي. ورغم الحيز الشاسع بين زمن وقوع حملة الأنفال الفعلي وزمن الكتابة، فإن ذلك لم يمثل عائقا أمامه، لأنه كان صاحب ذاكرة قوية وراويا عليما ومعايشا لكل الظروف والأحداث. فلم يُسقط ذِكر الأجواء العامة والظروف السائدة والتي نتجت عنها حملة الأنفال. وبذلك أتاح لنا فرصة التعرّف على سياقات الحملة، ومن ثمة فهم ما كان غامضا، وفي طياتها نستشف أبعاد الجحيم:

-1- السياق الأدبي: وتألف من مجموعة من الأحداث المحفزة لفكر الكاتب وذاكرته، والتي مثلت دافعا قويا لكتابة النص. ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

-سقوط النظام وانقلابُ الأدوار، ورؤية الجلاد في قفص الإتهام حيث تتم محاسبته على ما اقترف من جرائم حينما كان على رأس السلطة، مثّل مبررا قويا لسلام ابراهيم ليسرد على مسامعنا تجربته الشخصية حينما كان في صفوف المقاومة مناهظا للسلطة مدافعا عن الحريات. يحدّثنا عن نفسه حينما كان يشاهد المحاكمة “منتظرا اللحظة البهيجة لمّا يظهر صدام وعلي كيمياوي وبقية الزمرة التي كانت تجلس على قمة هرم كان من المستحيل عليّ تخيّل علوه وأنا أنوء في قعره مضغوطا بذلك الكمّ الهائل من البشر القساة في الجيش… ص4″ وفي نفس الإطار كان يسترجع تجارب رفاقه الذين شاركهم تجربة الكفاح وما شابها من محن وخسائر على مستويات كثيرة.

-الرغبة في تسليط الضوء على ما تم طمسه أو تجاهله، وتوثيق الأحداث الحقيقية التي جرت خلال حملة الأنفال. حيث أن الرواية الرسمية الصادرة عن السلطة كانت بعيدة كل البعد عن عين الحقيقة. حتى أن رموز النظام وأثناء محاكمتهم يصرون على عدم علمهم بوجود معتقلين ومقابر جماعية. يقول الكاتب متوعدا: ” لو كتب لي النجاة من هذه المحنة، فسوف أجهر بحقيقة حواسي في التجربة دون رادع فكري أو أخلاقي أو اجتماعي أو قيمي… ص22″ وبالتالي كان لزاما على الكاتب سلام ابراهيم استعراض الوقائع التي تفنّد الرواية الرسمية باعتباره شاهدا على ما حدث.

-خصوصية التجربة، تجربة كفاح رجل عربي شيوعي في جبال كوردستان، خوضها ليس متاحا أمام الكثيرين أو حتى كتابتها. لذلك جاءت الرواية عرضا لشبه سيرة وثّقها الكاتب بأسلوب جمع بين فضاعة الواقع والمهارات الفنية في الكتابة. وقد عبّر عن تلك الخصوصية في أحد أوجهها قائلا: “هذا الأثر النفسي العميق الضارب أكثر العلاقات حميمية في الوجود، الأب بالأبناء، لا يفهمه إلا من عانى مثل هذه التجربة. ص37”

-إن الهدف من كتابة أي أثر هو تكوين وعي يساعد على قراءة الأحداث قراءة منصفة، والتفكير في الأسباب والنتائج من أجل اتخاذ مواقف ثابتة من القضايا المطروحة، وبالتالي التوصّل إلى التشخيص، ثم السعيُ إلى الترميم وإعادة بناء ما هُدم من الانسان يقول سلام ابراهيم في هذا الصدد: “أفكر الآن لحظة الكتابة وأنا أتعصّر ألما… كنت في غير هذا النضج الفكري والانساني الذي حذف بي عن كل فكر إيديولوجي وبقت لديّ فكرة واحدة.. واحدة تقدس الانسان كقيمة مطلقة. ص68”

-المشاركة وهي أكثر أشكال التخفيف والمواساة، وبعد أن تقاسم المعارض سلام ابراهيم محن المقاومة والحرب مع زوجته ناهدة جابر جاسم ورفاقه المقاومين وعائلاتهم، وجد أنه لم يتخفف كثيرا من مخلفات حملة الأنفال. وكان من السليم أن يشارك القراء الشدائد بوساطة الكتابة، ويقدم لهم صورة واقعية عن حياة المواطنين المستهدفين والمقاومين الذين تطاردهم السلطة في كل مكان، حياة بين الجبال الأودية والقرى البعيدة، معقدة وسرية محفوفة بالمخاطر والفواجع. يقول عن ذلك: “أقف على رابية، وتحتي أرملة عراقية أخرى، قبضتها تمسك بتراب القبر صارخة بكل ما بالصراخ من وحشية… كان ذلك اليوم من أشدّ التجارب ألما… ص68” الكاتب حين يسمح للمتلقي أن يشاركه الألم والصدمة يتخفف، ويصبح على استعداد للتخطي رغم الندوب التي تذكّره أبدا بما وقع، لينصهر الكل في لحظة انسانية نادرة.

كانت التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المستجدة في العراق، ونوعية الأحداث التي عاشها الكاتب سلام ابراهيم خلال فترة مناهضته للسلطة، إضافة إلى ما يمتلكه من قدرات تمزج الفكري بالفني، كلّها محفزة على كتابة الرواية التسجيلية لأنها الأقدرعلى استيعاب الواقع المباشر بكل سوداويته ومرارته وآلامه دونما حاجة إلى تلطيفه بحذف بعض الأجزاء أو الجنوح إلى الخيال. هذا النوع من الرواية يحتاج فقط الحقيقة الصرفة مهما كانت مؤلمة وصادمة لتحتويها لمسات فنية وجمالية جاذبة للقارئ.

-2- السياق السياسي التاريخي: وهو مجموعة العوامل التي احتشدت وأدت إلى حدوث حملة الأنفال والتي تعدّ من أبشع جرائم القرن العشرين. إذ اتهمت السلطة الاقليم بالتخابر والعمالة مع أطراف أجنبية كإيران، واتخذتها تعلة تبيح التدخل العسكري. إضافة إلى رغبة السلطة في تطبيق سياسة الوحدة القومية العربية التي تشمل اقليم كوردستان دون مراعاة لأي خصوصية، وأيضا محاولة تقليص المنطقة الكوردية عبر طرد السكان واعتقال الذكور وتجميع النساء في مخيمات. إلى جانب استماتة المقاومة الكوردية بمطلبها الأساسي بتكريس الحكم الذاتي الفعلي للإقليم. كل هذا ما فجر التوتر بين النظام الحاكم والمعارضة الكوردية وتصاعده تصاعدا مطردا. تطوّر إلى حرب مارست فيها الأجهزة العسكرية كل أنواع القمع بحق المقاومين الكورد ومن والاهم من المعارضين. عرفت الحرب ردهات عديدة لكن تبقى أشنعها حملة الأنفال إذ “ابتدأ تنفيذ الحملة فجر الثاني والعشرين من شباط عام 1988 على مختلف مناطق كوردستان التي تعرضت إلى قصف مدفعي وجوي مكثف باستخدام الأسلحة الكيماوية إلى جانب الأسلحة التقليدية3” حملة في شكل إبادة جماعية صريحة حيث عملت قوات النظام الحاكم على قصف وتهجير الأهالي قسريا وممارسة الاعتقالات والقتل والإعدامات الجماعية وتدمير القرى وازالتها تماما من فوق الأرض. ورغم الاحصائيات الموثقة في التقارير الأممية والشهادات الحقوقية فإن السلطة وفي روايتها الرسمية أنكرت وعارضت الوقائع الفعلية، حتّى أنها وبعد سقوطها مازالت رموزها “تدافع عن الجرائم التي اقترفتها بحق العراقيين ومنهم الأكراد والثوّار في الأنفال. ص57”

مثل السياق السياسي والتاريخي خلفية عامة لتواريخ مراحل الحرب وما نتج عنها من فظائع. وتحولت حملة الأنفال إلى تاريخ انساني تحييه الذاكرة الجماعية وتنقذه من الطمس والتعتيم.

-3-السياق الاجتماعي: قدمت لنا رواية “في باطن الجحيم” توصيفا عاما للمجتمع الكوردي أيام وجود حزب البعث على رأس السلطة. إذ كان المجتمع يعيش تحت وطأة الخوف والعنف الممنهج. تسيطر عليه أجهزة الأمن والمخابرات والجيش بقبضة من حديد. وقد زاد لجوء المعارضين العراقيين العرب إلى إقليم كوردستان من تعقيد الوضع أكثر، حيث التحق مزيج من الاسلاميين والشيوعيين والشيعة بصفوف الثوار في الجبال وكلهم ملاحقين من أجهزة النظام. ومن الطبيعي أن تتصاعد وتيرة هذا العنف من أجل القضاء عليهم باعتبارهم خطرا على سياسة حزب البعث. وتحوّل بذلك إقليم كوردستان بأرضه وأهله إلى هدف لعنف السلطة. وصار مسرحا للقتل و القصف والتدمير بلا هوادة. وجراء هذه الحرب الطاحنة، شهد المجتمع الكوردي تغييرا كبيرا، تعمّق أكثر بعد حملة الأنفال، حيث استهدفت الحرب المدنيين، فقط من أجل تقليل العرق الكوردي، واحكام السيطرة على الاقليم. إذ لم تتوقف ممارسات الاعتقال والقتل الجماعي والقصف الكيمياوي، ويقدر عدد من تمت تصفيتهم بما يقارب 150 ألفا ودفنهم في مقابر جماعية إضافة إلى تدمير أكثر من 2000 قرية4. وهو ما أدى إلى تلاشي النسيج الاجتماعي وتحوله إلى مجرّد طوابير نازحة على حدود الدول المجاورة وأغلبهم من النساء والشيوخ والأطفال دون سن الثامنة. والنتيجة تغيير في التركيبة السكانية وغياب شبه كلي للطبقات الاجتماعية وظهور فئات مشوهة من ضحايا القصف الكيمياوي والتعذيب. يصفهم سلام ابراهيم بقوله: ” أكداس البشر المتناثرة كأشلاء على فسحة الوادي الضيق، وعلى ضوء نيران تلقم بالحطب الجاف كلما خفتت رأيت ما لا يحصى من الوجوه والأجساد المنهكة، تروي قصصا. تعري أجسادها المحروقة، المبقعة بالفقاعات، المسلوخة بغازات الكيمياء. تسعل سعالا مخنوقا. تصرخ بألم. تغفو مجهدة. صخب وصراخ وقصص. ص122″ .
فسر السياق الاجتماعي البيئة التي يعيش فيها الفرد الكوردي داخل مجتمعه، بيئة تحرّكها أحداث الحرب المتواترة، والتي أفضت إلى متغيّرات طالت الطبقات الاجتماعية والأمكنة باعتبارها مجمع انساني، ودفعت المجموعات البشرية إلى الهجرة واللجوء بحثا عن بديل يضمن النجاة من الإبادة ومن التضييقات.

-4-السياق الفكري والثقافي: لما بسط حزب البعث سلطته على العراق مكرسا فكرة الحزب الواحد والحاكم الواحد، كان الواجب على كل مكونات المجتمع تأييده وتبني سياسته دونما اعتراض. وكان من الطبيعي أن تنقسم الطبقة المثقفة إلى قسمين: قسم موال ينال رضا السلطة ويسخّر فكره وإبداعه للدعاية لها، وقسم معارض يحلم بتكريس القيم وتنفيذ مشاريع تنويرية تحترم الاختلاف. كل المؤشرات أنذاك تشير إلى أنه من الصعب ممارسة القيم ممارسة فعلية على أرض الواقع، لأن النظام الحاكم يحد من الحريات ويقمع كل وعي يحمل رؤى مستقلة مخالفة لسياسته. فتحولت الإيديولوجيات التي لا تتناغم مع السلطة إلى تُهم تجعل حاملها محل تتبع. وقد “قامت الأجهزة الأمنية بحملة شرسة على القوى الديمقراطية والمعارضة. ص59” ولأن أصوات المعارضة والمقاومة عالية في إقليم كوردستان تصدح بالحقوق والحريات، وتنادي بضرورة احترام التباين بين الثقافة الكوردية والثقافة العربية. فإن السلطة لم تتردد في محاولات اخمادها وطمس أهم ملامح الهوية الكوردية، إذ تم حضر استخدام اللغة المحلية في الاعلام ومؤسسات الدولة، وفرض مناهج عربية في التعليم، واسقاط كل ما له صلة بتاريخ وثقافة الاقليم، إضافة إلى التضييق على الأنشطة الفنية والابداعية التي تسخرالهوية والخصوصية المحلية مواضيع لها.

ولأن سلام ابرهيم كان مثقفا عضويا، فإنه حين التحق بالثوار في جبال كوردستان كشف أن أغلب المقاومين والمنخرطين في حركة التحرر الكوردية هم من الناشطين المثقفين من كتاب وأطباء ومهندسين وطلبة…إلخ وللأسف القصف الممنهج الذي دمّر القرى ساهم في نسف البنية التعليمية والثقافية ما اضطر طالبي العلم والمبدعين إلى الهجرة إلى الخارج من أجل استمرارية النضال، لأن الطبقة المثقفة هي المسؤولة بدرجة أولى عن صناعة الوعي ونشر المبادئ والحريات والمحافظة على الهوية والخصوصية ومقاومة محاولات طمسها. رواية “في باطن الجحيم” حملت في طياتها تأكيدا على الهوية الكوردية كهوية مستقلة لا يمكنها أن تذوب في تلابيب ثقافة أخرى نظرا لكم الاختلافات الموجودة كاللغة واللباس والعادات والتقاليد…إلخ، وما تكريس الثقافة ولو بطريقة أدبية ابداعية لهو وجه من وجوه المقاومة والرسوخ.

-5-السياق الإنساني: ونتبينه في الرواية من جانبين، جانب يكشف أن المنظومة السياسية الحاكمة عرف أفرادها إنحدارا قيميا لا مثيل له. فمن أجل تنفيذ قرار سياسي تحوّلوا إلى شخصيات متجردة من كل قيمة أخلاقية أو مشاعر انسانية. و مارسوا كل أنواع القمع والقهر والقتل دون أن يرف لهم جفن، وفي نفس الوقت تسحب السلطة الحاكمة أفراد الشعب، وتجبرهم على الانخراط في نظامها الدموي كدليل على الولاء. يقول سلام ابراهيم على لسان يحي ذاك الجندي الذي أُجبر على الخدمة في صفوف الجيش إبان التنكيل بالأهالي في إقليم كوردستان: “كنا نتمزق وحن نطل من الطابق الثاني على تفاصيل معاناة النساء والأطفال والعجائز وبعض الشباب…كنا نتمزق كجنود على ما يجري تحتنا في باحة القلعة الشاسعة…هل تعتقد يا سلام أن الجندي العراقي المساق قسرا لأداء الخدمة العسكرية يقبل مع روحه بما يجري في باحة القلعة؟…ذلك المشهد الذي جعلني أنحب بكتمان، وينتحب من حولي الجنود لائذين خلف أعمدة طارمة الطابق الثاني. ص115” وعليه فإن السلطة لم يكن يهمها البتة الفرد الكوردستاني كانسان يعيش ضمن مجتمع له ضوابط وأخلاقيات وله خصوصية تميّزه عن سائر المجتمع العراقي، بل هو مجرد رقم تسلسلي يدل على وجوده إما في المخيمات أو في المعتقلات أو في مقبرة جماعية.

ومن جانب أخر نجد أن المعارضين والمقاومين ومع طول تعرضهم للعنف الممنهج تحوّلوا إلى شخصيات متشظية نفسيا وجسديا، إذ أن كل من نجا من القصف الكيمياوي، بقي حاملا لعاهة دائمة، الكاتب سلام ابراهيم نموذجا، حيث تعطلت وظائف رئتيه بنسبة ستين بالمائة. ورغم تركه لساحات المقاومة فإنه لم يتأخرعن النضال كتابة، وسرد تجربته الذاتية، لأن الضحية دائما ما تبحث عن مشروعية انسانية من خلالها تبث الحقيقة التي تدين الجلاد. لذلك يمكن القول أن الرواية قدمت إجابة عمّا حدث فعليا في حملة الأنفال بتفاصيل مستعادة من عمق الذاكرة والتاريخ. رواية تخاطب الضمائر والوجدان مباشرة لأنه لا يمكن غفران جرائم القتل مهما تقادمت ومهما أصرّ الجلاد على النكران. يتساءل سلام ابراهيم مستنكرا: “هل تشعر الطغمة الجالسة في قفص الإتهام بما شعرت به أو يشعر كل إنسان ذو ضمير حي من تفاصيل القتل والتهجير والسحق لمناطق وبشر ليس لهم ذنب سوى وجودهم الجغلاافي في أمكنة لم تستطتع السلطة السيطرة عليها. ص67” ورغم كل ماعاشه وعايشه إبان حدوث القصف الكيمياوي من الأهوال والصدمات وفجائع الإصابات والموت ، فإنه قد حافظ بداخله على الانسان بكل منظومته القيمية والأخلاقية. وقد ترجمها سلوكه النابع عن التعاون والتضامن والتطوع والايثار ونفس الشيء ينسحب على الثوار والأهالي. فلولا ذاك المدّ الإنساني لما استطاع الناجون الصمود. حياة الحرب هي حياة كاملة من المعاناة جمعت كل متناقضات الانسان القوي والضعيف، الشريف والخائن، الحنون والقاسي،المتضامن والأناني. غير أن الإنسان الانسان هو الذي يفوز في النهاية. وإن بحثت الذات عن ذاتها ستعثر عليها في قيمتها الانسانية. وخير دليل على ذلك مشاعر الكاتب عند كتابته الرواية لاحقا لم تكن متطرفة ولا تدعو إلى الكراهية والانتقام، بل كان كل همه سرد الأحداث فقط.

دوّن سلام ابراهيم وقائع روايته كما حدثت في الواقع دون زيادة أو نقصان. ثم قسّمها إلى مشاهد بأسلوب سينمائي وأخرجها بتسلسل بديع. حتّى أن القارئ أثناء قراءته الرواية يجد نفسه في خضمّ محاكمة خاصة غير معتادة، فيها المتهم هو رمز أعلى سلطة في البلاد وأصحاب الدعوى مدنيين وثلة من أصحاب الفكر المعارض. لتنكشف الحقائق تباعا بطريقة درامية ترجمت مهارات الكاتب. وتبقى الحاجة إلى الرواية التسجيلية أكيدة لأن كاتبها شاهد ومحتواها وثيقة، وكلاهما يعد مرجعا عند البحث عن الحقيقة، ولأنها أيضا هي الأقدر على نقل الواقع المباشر كشهادة على العصر. لا تستعرض مجرد أحداث عابرة، بل توثق أحداثا من التاريخ الانساني كمرحلة من مراحل حياة شعب. رواية “في باطن الجحيم” وثيقة شاهدة على جريمة حملة الأنفال، استطاعت الانتقال بنا من لحظة الحقيقة التي تدين الجلاد إلى لحظة انسانية فارقة فيها انتصار للانسان وللحياة ونبذ للعنف والقتل.

هوامش:/
1/مجلة الكلمة، مجلة الكترونية شهرية تصدر من لندن، رئيس التحرير الدكتور صبري حافظ، العدد 48، أفريل 2011
2/ موقع جائزة كتارا للرواية العربية وموقع ويكيبيديا
3/ حامد الحمداني، لمحات من تاريخ حركة التحرر الكوردية، ص121 موقع kurdipedia.org
4/ نفس المصدر السابق ص 144- 145 – 148

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.