عواطف محجوب -السليمانية/ العراق
تحت اشراف وزارة الثقافة والشباب، احتصنت مدينة السليمانية بإقليم كوردستان العراق على مدى يومين 25_26 أوت 2025 المؤتمر الدولي حول إبادة الشعب الكوردي وإنعكاسها في الأدب والفن والاعلام في دورته الثانية. وحول أهمية إقامة هذا المؤتمر يقول الناطق الرسمي السيد نامق هورامي أنه وسيلة من وسائل إيصال صوت الشعب الكوردي والتعريف بمعاناته وما مر به خلال الإبادة الجماعية. سبع دول اقليمية وعالمية شاركت في أشغال المؤتمر وذلك بتقديم أربعة وعشرين بحثا علميا بلغات مختلفة. وتوزعت على ثلاثة محاور وهي الأدب، الفن والاعلام.
في أشغال اليوم الثاني من المؤتمر تمت برمجة ندوة علمية ناطقة باللغة العربية ومحورها “إبادة الشعب الكوردي في الاعلام” أدارتها الأستاذة عواطف محجوب من تونس وساهم فيها كل من الأساتذة: الدكتوررائد عبيس من العراق أستاذ مساعد بجامعة الكوفة كلية الآداب قسم الفلسف، الدكتورة ميرفت عبد الحميد علي محمد من مصر أستاذة محاضرة بكلية الاعلام جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتور سعد سلوم من العراق أستاذ العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، والدكتورة جوان عبد القادر عبد الله من اقليم كوردستان الأستاذة بجامعة سوران.
اُفتتحت الجلسة العلمية بمداخلة موسومة ب “إبادة الشعب الكردي في تقارير الأمم المتحدة بين المنهج الاعلامي والتوثيقي” للدكتور رائد عبيس وفيها قام بعرض تعريفات لعمليات الإبادة حسب الأطرف التي تمارسها وبطريقتها الممنهجة، ومن خلال التعريفات صنّف ما وقع على الشعب الكوردي أنه إبادة جماعية لا شك فيها. ثم تناول بالدرس الشعب الكردي كنموذج طالته الإبادة من قبل تنظيم حزبي وعسكري. وفي عنصر آخر تناول التحقيقات الواردة في تقارير الأمم المتحدة حول إبادة الشعب الكردي بجانبيها التوثيق والاحصائيات. وأخيرا تطرق إلى دور الاعلام في التعريف بهذه التقارير كجزء من التوثيق التاريخي للشعب الكردي. وختم بجملة من التوصيات حول التعاطي مع قضايا الإبادة ومسألة فتح المقابر الجماعية والنصوص القانونية التي تنظم العملية.
أما المداخلة الثانية فقد قدمتها الكتورة ميرفت عبد الحميد علي محمد في عمل مشترك مع مع الأستاذة ريام واثق سالم الهاشمي، تحت عنوان “سيميولوجيا الصورة الاعلامية الكوردية ودورها في خدمة قضايا الإبادة الجماعية: دراسة حالة على الموقع الإلكتروني puk media. في بداية المداخلة عرفت الباحثة الإبادة الجماعية وعددت أركانها العامة. ثم تطرقت إلى الإبادة الجماعية في جنوب إقليم كوردستان على وجه الخصوص، حيث سردت حيثيات حملة الأنفال بمراحلها الستة والتي راح ضحيتها 182 ألف من المدنيين الكورد وتدمير أكثر من 5000 قرية. ثم قامت الباحثة بتحليل ثمانية صور استقتها من موقع puk media تحليلا سيميائيا عبر منهج رولان بارت. هذه الصور تشترك كلها في علامة سيميائية موحدة هي علامة الموت. وانتهت بتوصيات عديدة تتمحور حول إيلاء أهمية أكثر للصورة باعتبارها وسيلة تواصل ناجعة، والتشجيع على تحليل صورة الإبادة تحليلا سيميائيا لأن الصورة كوثيقة هي مصدر للمادة الاخبارية.
وساهم الدكتور سعد سلوم بمحاضرة عنوانها ” من خطابات الكراهية إلى الإبادة الجماعية، دراسة حالة الإيزيديين في وسائل إعلام عراقية” في البداية وضع تعريفا مستفيضا لخطاب الكراهية والذي تنوع بين الملاحظات والتعليقات المسيئة والازدراء، أي كل خطاب استفزازي ينتج عنه العنف. في عنصر أول تطرّق إلى دور وسائل الاعلام في تغذية خطابات الكراهية والتجييش والتحريض على العنف. وقدّم أمثلة تاريخية على ذلك: خطاب النظام النازي في حملته ضد اليهود، وما حدث في البوسنة بعد سقوط النظام الشيوعي في يوغسلافيا بسبب إثارة الاختلاف الإثني، وخطاب الكراهية والتحريض ضد التوتسي في راوندا على أمواج محطة إذاعة RTLM. في العنصر الثاني قام الباحث بدراسة حالات ما حدث في راوندا وماينمار والعراق، حيث شهدت كلها عمليات إبادة سببها تبني الاعلام لخطابات كراهية. في الأخير دعا الدكتور سعد سلوم عبر توصيات إلى وضع استراتيجية تتصدى إلى خطابات الكراهية على السوشيل ميديا ومنع الابادات من الحدوث وبث رسائل التعايش السلمي بين الطوائف والأقليات. ودعا أيضا إلى معالجة جذور الكراهية وتقبّل الاختلاف وفهمه واحتوائه بطرق سليمة. وحث المشرعين على سن تشريعات وقوانين لمقاومة خطابات الكراهية والتمييز. كذلك نادى بضرورة القيام بحوار مجتمعي تشترك فيه كل الفئات والأقليات.أخيرا وجه الدكتور سعد سلوم نداء للحكومات والمجتمع الدولي للتأهب من أجل التدخل في صورة وجود انذار بتصاعد خطابات الكراهية.
أمنت الدكتورة جوان عبد القادر عبد الله المداخلة الرابعة وعنوانها ” المكان في رواية الربيع الأسود لأحمد محمد اسماعيل” وفيها عرفت المكان على أنه الفضاء الذي الذي تتحرك فيه الشخصية الروائية. ووضحت أن المكان في رواية الربيع الأسود تحوّل إلى قضية مستقلة طغت على متن الرواية إضافة إلى دوره في تنمية وتطوير الأحداث. المكان في الرواية متعدد ومتنوع: مغلق ومفتوح، خاص وعام، رئيسي وفرعي. وكلها أنواع احتضنت أحداثا من حملة الأنفال ولم تستثنها الآلة العسكرية من التدمير. ولقد ركزت الباحثة على الأماكن المفتوحة والمغلقة: الأماكن المفتوحة تلخصت معظمها في القرى حيث احتضنت كل التفاعلات بين الشخصيات والحركة التي تنمي الأحداث. الأماكن المفتوحة هي عبارة عن بؤر للأحداث وهدفا للتحركات العسكرية. أما الأماكن المغلقة فتوزعت بين السجن والمعتقل والمدرسة، وهي أماكن تثير الرعب والخوف، وتسلب الانسان أهم القيم التي يحيا بها الانسان وأساسها الحرية والأمن. كذلك تعتبر الأماكن مكون من مكونات ذاكرة الانسان الكوردي ومؤرخ لمأساة الإبادة. ودائما ما يصمد المكان أمام سطوة العنف ومحاولات الطمس والتغيير وذلك عبر قوة انتماء الانسان الكوردي لأرضه وتمسكه بوطنه الأم.
وتبقى الإبادة الجماعية جزءا من التاريخ المعاصر للشعب الكوردي وشاهدا على مرحلة من مراحل الشعب، ويعتبر المؤتمر الدولي العلمي حول إبادة الشعب الكوردي فرصة للتعريف بهذا التاريخ وإيصال صوته إلى العالم ودعوة لنبذ العنف والكراهية والانتصار للانسان والتعايش السلمي.
أضف تعليق