كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

“دم الثور” من التاريخ إلى الهامش؛ مقاربة تاريخانية في النصّ الشّقروني الموريسكي ..

بقلم: د. سيد إبراهيم آرمن *

تمثّل المسيرة الإبداعية والمعرفية لنزار شقرون تجربة متعددة الأبعاد، بدأت منذ سنوات شبابه الأولى، حيث قدّم من خلالها باكورة أعماله الشعرية المتميزة، مثل دواوين: هوامش الفردوس، تراتيل الوجع الأخير، إشراقات الولي الأغلبي، وضريح الأمكنة. وقد انطلق شقرون من خلفية نقدية وفكرية غنية، عزّزها بتكوين أكاديمي متين في مجالات الحضارات والفنون، بلغ ذروته بنيله شهادة الدكتوراه من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس. هذا الرصيد المعرفي أتاح له استلهام عناصر من الحضارة العربية في تجلياتها الثقافية والفنية والأدبية، ما أفضى إلى إسهامات فكرية ونقدية أغنت المكتبة العربية، ونال من خلالها جوائز محلية وعالمية مرموقة.
وبعد هذه المرحلة، انتقل شقرون إلى مجال السرد الروائي، حيث واصل بناء مشروعه الثقافي، معتمدا على أدواته الحضارية والمعرفية التي راكمها. وقد لقيت رواياته اهتماما واسعا في الوطن العربي وخارجه، ولا يتوقّف حضور روايات نزار شقرون عند حدود التداول القرائي أو النقدي، بل تعدّاه إلى فضاء البحث الأكاديمي الجامعي، حيث خُصِّصت بعض أعماله موضوعا لرسائل ماجستير في عدد من الجامعات العربية والأجنبية. ويُذكر في هذا السياق أنّ رواياته قد حظيت باهتمام طلبة باحثين من العراق وإيران، ممّن اشتغلوا على مقاربة تجربته الروائية في ضوء مناهج النقد المعاصر، وقد أُنجزت بعض هذه الدراسات بإشراف مباشر أو توجيه من كاتب هذا المقال، ممّا يعكس حيوية النصّ الشَّقروني وقدرته على إثارة الأسئلة النقدية العميقة. كما أنّ حركة الترجمة التي عرفتها رواياته أسهمت في توسيع دائرة تلقّيها، وأكّدت في الآن ذاته أنّ مشروعه السردي لم يعد محصورا في السياق المحلي أو العربي فقط، بل صار جزءا من الحوار الأدبي العالمي، بما يفتح المجال أمام مقاربات متعدّدة ومتقاطعة بين النقد والبحث الأكاديمي.
تتناول أعمال شقرون الروائية قضايا حضارية كبرى، وتستكشف أبعاد التعدد الديني والتجارب الإنسانية العميقة. يظهر ذلك بوضوح في روايته “الناقوس والمئذنة”، حيث لا ينفصل السرد عن الشعر، إذ تحضر فيه موهبته الشعرية بشكل لافت، كما لو أن السارد مسكونٌ بشيطان الشعر ذاته. وتبدو هذه الرواية أشبه بمرحلة انتقالية، مهّدت لصعوده في فضاء الرواية العربية، معزّزا موقعه بين كبار كتّاب السرد لينضم إلى عمالقة سَدَنة النصّ السردي في الوطن العربي بإتقان رهيف.
لكنّ الانعطافة الأبرز في مسيرته السردية تتجلّى في روايته اللافتة “دم الثور”، التي تمزج بين الخيال الفانتازي والمعرفة التاريخية في إطار سردي محكم. هذه الرواية أثارت جدلا في الأوساط الفكرية والنقدية، إذ اجتذبت اهتمام كوكبة من النقّاد المرموقين، لما تنطوي عليه من مقاربات جديدة في التعامل مع المادة التاريخية.
تستند “دم الثور” إلى صميم التاريخ العتيق بوصفه منبعا سرديا، إذ يستحضر فيها شقرون سيرة أجداده الموريسكيين باعتبارها أرضا خصبة للإبداع. ويعيد من خلال هذه السيرة اكتشاف مفاتيح نصّ ضائع من كتاب “كليلة ودمنة”، في محاولة لفكّ طلاسم تاريخ مسكوت عنه أو مطموس عمدا. بهذا التوجّه، تنخرط الرواية في ما يُعرف بـ”التاريخانية الجديدة”، التي لا تسعى إلى إعادة إنتاج التاريخ كما هو، بل إلى مساءلته وتفكيكه وإعادة تركيبه وفق رؤى معاصرة.
في هذا السياق، تمثل رواية دم الثور نموذجا حيّا لممارسة الكتابة التاريخية الروائية من منظور ما بعد حداثي، ينأى عن السرديات الرسمية الكبرى، ويعيد الاعتبار للأصوات المهمشة والمنسيّة في التاريخ، كما هو الحال مع الموريسكيين الذين تم اقتلاعهم قسرا من فضائهم الحضاري. ولا يقدّم شقرون في روايته مجرد إعادة تدوير لوقائع تاريخية، بل يتعامل مع الماضي بوصفه بنية نصية قابلة للتأويل، وموضوعا للانشغال المعرفي، وليس مجرد خلفية زمنية للسرد.
إن مقاربة التاريخانية الجديدة، كما تتجلى في “دم الثور”، تقوم على تفكيك الخطاب التاريخي وإعادة بنائه داخل النص الروائي، بما يتيح للروائي أن يشتبك مع التاريخ بوصفه خطابا لا يخلو من الإيديولوجيا والانتقائية. ففي الرواية، لا يُقدّم الماضي كحقيقة مطلقة أو جاهزة، بل يُطرح كفضاء للشك والأسئلة وإعادة الاعتبار للمنسي والمقصيّ من سجلات المؤرخين الرسميين.
ومن خلال مزاوجة الخيال الفانتازي بالشحنة الفكرية، يؤسس شقرون لرؤية سردية تتجاوز التوثيق إلى إعادة تخييل الماضي، بحيث تتحول الرواية إلى فضاء معرفي ونقدي في آن، يتيح مساءلة العلاقة بين الهوية والسلطة والذاكرة. فشخصيات الرواية لا تتحرك في فضاء زمني خطيّ، بل تعيش تشظّيا تاريخيا وهوياتيا يعكس تمزقات الذات الموريسكية، ويمتد صداه إلى الواقع العربي الراهن.
إن “دم الثور” ليست فقط عملا روائيا محكما من الناحية الجمالية، بل تمثّل كذلك بيانا سرديا في استعادة التاريخ بوصفه سؤالا وجوديا، وثقافيا، وهوياتيا. ومن هنا، فإن الرواية تُعدّ من أبرز الأعمال التي تمثّل تحولا نوعيا في تعاطي السرد العربي مع الماضي، عبر أدوات “التاريخانية الجديدة” التي لا تكتفي بمساءلة الرواية الرسمية للتاريخ، بل تسعى إلى خلخلتها واستنطاق ما تم كتمه من سرديات.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن نزار شقرون، من خلال “دم الثور”، ينضم إلى طليعة كتّاب الرواية العربية الذين يخوضون مغامرة إعادة كتابة التاريخ من الداخل، لا بوصفه ماضيا منقطعا، بل حاضرا مقيما في الذاكرة والهوية. وتشكّل الرواية تجربة سردية نوعية تدمج بين الحفر المعرفي والخيال الجامح، وتقدّم نموذجا متقدّما لمفهوم “الرواية كمختبر معرفي” يسائل التاريخ من منظور الهامش لا المركز، ومن موقع الانتماء إلى حضارة ضُيّقت مساحتها قسرا، لكنها لم تفقد إشراقها في المتن السردي.

* أستاذ مشارك في الأدب المقارن، ورئيس تحرير فصلية إضاءات نقدية.
* الصورة المرفقة هي من وقائع جلسة مناقشة رسالة بعنوان: (رواية “دم الثور” لنزار شقرون: ترجمة ونقد)، إعداد فاطمة جهانشاهي، بإشراف د. سيد إبراهيم آرمن، فرع اللغة العربية وآدابها، جامعة آزاد الإسلامية – كرج (غربيّ طهران)، تاريخ المناقشة 2021م

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.