كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

قراءة بنيوية في رواية “سوناتا الطين”..

عواطف محجوب

ان من أهم التقنيات الملفتة لانظر في رواية “سوناتا الطين” للكاتب التونسي عقيل الخطيب*، نجد ظاهرة التداخل الأجناسي، والمقصود بالتداخل الأجناسي هو استيعاب النص في بنائه لعدة أجناس أخرى كالشعر والقصة والمسرح، وبمعنى أخر أكثر دقة هو تلاشي الحدود النصية بين الأجناس الابداعية. وتعد ظاهرة التداخل الأجناسي من علامات التجريب في الرواية، إذ تمنح النص ميزات وجماليات إضافية، لأن الكاتب دوما يحتاج دائما إلى تخطي بعض التقاليد الثابتة المتعارف عليها في كتابة الرواية.
من أهم الأجناس الابداعية التي تمت اذابتها في متن رواية سوناتا الطين نذكر:
1الشعر:. ونجده مركزا بصفة خاصة في الفصل الافتتاحي1/ اضافة إلى ما تناثر على امتداد الرواية،سوناتا من خمسة مقاطع من شعر قصيدة النثر ذات الكتلة الواحدة، يقول على سبيل الذكر ص3: بعض الناس سيمنعك من الخروج، ليطالبك بالبقاء حتى يتسنى له ولنسله أن يرميَك بسهامه وسيوفه، بعد أن يجردك من سلاحك، وينزع عنك لباسك لتبدو عاريا أمام الكل….
وبطبيعة الحال سيكون الشعر يتماشي ويصب في السياق العام للرواية.
2/ الفلسفة والتنظير: حيث نجد أن الكاتب يحاول الوصول إلى معان جديدة تنطلق من رؤيته وفكره عبر مراجعة العديد من المفاهيم المرتبطة بوجود الانسان على اعتباره كائنا جوهريا في الكون، كالحياة والموت الذات الوجود الهوية الحرية التأويل والتلقي، يقول ص65 “بينما الصورة تلتحم بمادتها وتتلذذ تنبت عنها صور أخرى ومواد تتكاثر وتتنوع بقدر كل عملية التحام، هذا يعني أنه في مسرح الحياة تبنى قصص التحدي والسخرية” يقول أيضا ص45 “أما مَلكة الانتزاع والاستنفاذ فهي أكبر من الخيال ومن الوهم والذاكرة وهي ملكة تنتمي لطور ما بعد العقل… ” الفلسفة تترجم بدورها رؤى الكاتب للعالم وفي نفس الوقت تكشف على خطه المعرفي.
3/القصة: نلحظ وجود قصص قريبة من جنس المذكرات وتمتد تقريبا على مدى الثلث الأخير من الرواية. سبع قصص متكاملة العناصر والمقومات بشخصياتها وأطرها وأحداثها القادحة والمفاجئة، وهي على التوالي هذا عطاء كتبي، الليلة الطويلة، القافلة تسير، الدافة، أشواك، قصة بلا عنوان، مذكرات فتى جاء في غير زمنه. ولقد مثلت هذه القصص تحولا حقيقيا في نسق السرد وكان لها دورا في كشف التعالق بين الشخصيات وإنارة بعض الغوامض وتبرير ما لم يفهم من أحداث سبقتها.
التقنية الثانية البارزة في رواية سوناتا الطين هي التناص، والمقصود بالتناص هو التعالق النصي أي التشابك الذي يربط نصا أدبيا بآخر واستحضار نص داخل نص آخر بمعنى أوضح أن يتضمن نص أدبي نصوصا أو أفكارا أخرى سابقة قبله عن طريق الاقتباس أو التضمين أو التلميح من المقروء الثقافي والمعرفي لدى الكاتب، بحيث تندمج النصوص القديمة مع النص الأصلي الجديد. عرفت جوليا كريستيفا التناص على أنه “ترحال النصوص وتداخل نصين في فضاء نص معين ”
في رواية “سوناتا الطين” نجد ثلاثة مستويات للتناص وهي على التوالي:
1/التناص مع النص الديني: حيث يستحضر الكاتب كلمات وألفاظ من القرآن الكريم تحديدا ويدمجها في النص بحيث تكون متناسقة مع السياق في ص7 يقول” دعوتها للصحبة في رحلاتي فجعلتني عصاها التي تتوكأ عليها وتهش بها على سربها وغنائمها وكان لها فيّ مآرب لا تحصى” هذه الجمل تتناص مباشرة مع الآية الكريمة عدد 18 من سورة طه “قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى” حسب الآية النبي موسى عليه السلام يعتمد على عصاه وما سؤال الله له عنها إلا تهيئة لحدوث معجزة وفي نفس السياق سيكون الراوي شخصية سحرية كالمعحزة تستند إليها المرأة وباقي شخصيات الرواية.
التناص مع القرآن دلالة على أنه منبع لاتقان اللغة وللأفكار السحرية وتوليد المعاني لا معنى واحدا.
2/التناص الأدبي: حيث لمست تداخلا بين رؤى الرواية وكتاب السد لمحمود المسعدي والكل يعرف أن السد نص ذهني بامتياز يطرح أسئلة وجودية كثيرة. وقد تشكلت ملامحه من الفكر والفلسفة، وارتكز أساسا على تجربة الانسان الوجودية من منظور فلسفي طرحه المسعدي أمام العقل الاسلامي. كذلك وثق السد بطريقة غير مباشرة لمرحلة النضال ضد الجهل وقلة الوعي وضد المستعمر الدخيل حيث تعددت الروافد النضالية بين الفعل السياسي والنقابي والديني مع الحرص على تكريس الهوية العربية الاسلامية والخصوصية الثقافية للمجتمع ، فنراه قد جمع بين الفلسفة الوجودية وعلم الانتروبولوجيا والأدب وهو تماما ما نجده في رواية سوناتا الطين حيث أن الكاتب نحى منحى البحث والفلسفة الوجودية التي لا يغادرها الانسان كموضوع بصفته فردا ومجموعة، فعلا وشعورا، صاحبَ إرادة، فكرا وثقافة، من أجل تكريس حرياته وحقوقه، إضافة إلى وجود فعل النضال السياسي ومعارضة السلطة ونقد المفاهيم الدينية التي يرى فيها مغالطات عبر العودة إلى بداية الوجود الانساني ومتعلقاته الثقافية. إنها تقريبا نفس رؤى المسعدي والفارق بينهما هو الزمن والظروف الاجتماعية والسياسية فزمن سنوات الاربعينات هي غير سنوات الزمن الحاضر سياسيا وفكريا واجتماعيا.
3/ التناص الشعبي : وهو تناص يتقاطع مع الأسطورة والحكاية الشعبية، حيث تم ابتكار المتوارث الشفاهي خاصة من حكاية وأسطورة من أجل فهم أكثر للوجود والعالم، ورغم كونها خيالا صرفا فإنها لا تخلو من رأي سديد يحفز على طرح الأسئلة والسير نحو المعرفة. لفهم بدايات الانسان الأولى وكيفية تشكل منظومة الأخلاق لديه إذ نجد أثر حكاية آدم وحواء حيث أنهما أدركا سوءة العري بالفطرة وتطورت الفطرة إلى تفكير في اللباس حيث كان في البداية ورق الشجر وتطور فيما بعد الى اللباس القماشي يقول ص51 “روت السرديات الموغلة في القدم… قصة الإنسان الأول الأب /الأم وهما يخوضان تحربتهما الأولى لما أدركا بوعيهما العفوي العري الجسدي”
في موقع آخر نجد استحضارا لأسطورة جلجامش ذلك الملك الباحث عن الخلود فينطلق في رحلة مليئة بالطمع وعدم الاكتفاء والأنانية ومع تواتر الأحداث يتعلم الدروس ويصحح مفاهيمه ونظرته للحياة والموت يقول ص52″ راقصة الحانة لخصت مصيبة الطمع وهي تنصح جلجامش الباحث عن سر الخلود: يكفيك أن يكون كرشك ممتلئا بالخمر”
يمكن القول ان التناص يبين حذق الكاتب وضع المادة المقتبسة ضمن سياق النص فلا يبدو دخيلا او مسقطا، وان اللجوء لاستخدام الموروث لم يكن عشوائيا بل مدروسا ويعطيه حياة اهرى وسياقا اضافيا يطور استخدام ويطيل وجوده في الذاكرة.
في النهاية يمكن القول أن التقنيات تتنوع وتختلف من كاتب إلى آخر ولكن يبقى رهان نجاحها مرتبطا بطريقة التناول ومهارة التطبيق.

*سوناتا الطين رواية لعقيل الخطيب صادرة عن دار يس تونس 2025
*القراءة قدمت في حفل توقيع الرواية الذي نظمه الفرع المحلي لاتحاد الكتاب التونسيين في وااية تطاوين بتاريخ 17 ماي 2025

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.