متابعة وإعداد: عالية علي/ كناية: تونس
يستعرض هذا المقال جملة من آراء القرّاء والنقّاد والمبدعين من الكتّاب مشرقا ومغربا وتفاعلاتهم مع الرواية القصيرة “ولكنّه حدث يا صفيّة..” الصادرة عن منشورات كناية في 2025 والتي قدّم لها الكاتب والناقد المبدع العراقي حكمت الحاج:
1/ نبذة من شهادة الأستاذ سعيد بوالشنب (تونس) عن فتحي الرحماني بمناسبة صدور روايته الجديدة ” لكنه حدث يا صفية”
تعبتُ -يا صفيّة- من سَفر الكلام ومن رشقِ السهام، تعبتُ من حب الكرام ومن غدر اللئام، تعبتُ من صخَب الصغار ومن حزن الكبار، لكن لا بد أن أُلخّص لي ولكم هذا الفتى الخمسينيّ المركّب مثل قرض بنكيّ والمكتظّ مثل حقيبة مُهرّب مغربيّ، فأقول : حوصِر الفتحي في حوانيت السياسة ففرّ بجلده إلى منابر النقابة، وضاقت عليه منابر النقابة فلجأ إلى حدائق الأدب، وفي الأدب يظلُّ لك أن لا تجوع ولا تعرى ولا تُحاصَر، بل أنت من فَوْهة النصوص تستطيع أن تُحاصِر كتائب اللصوص وتقرأ عليهم بل تَرقيهم بما تيسّر من سِفر الحصار “حاصر حصارك لا مفر ، فأنت اليوم حُرّ وحُرّ وحُرّ …”
2/ هكذا تفاعلت الكاتبة المبدعة اليمنية حورية عبد السلام الإرياني مع الرواية:
خائن السرد يحمل ثقل صمته ككيس من الرمل على كتفه، تاركًا لنا أشلاء رسائلٍ مقطعة، فيجبرنا على أن نكمل الفراغات بحروف أرواحٍ مهجورة، كبئرٍ قديم.
أين الرسائل، يا راوي الصدفة؟ ولماذا حذفت منها قصدًا وصنعت الفراغات؟ وجعلت من أرواحنا أشرعةً لقنينتك الدريّة؟
لماذا الحاء، يا رحماني؟ ولماذا اصطفته صفية راويًا، مع أنه كان يلقي بكلماتٍ مخضبةٍ بصوتٍ حاد؟ كلمات تحمل خوف الحرب الذي يحوِّل كل ما حولنا إلى عدو، حتى أجسادنا أحيانًا.
أعد الحرب لمسارها، ولنكتفِ بصوت المراسل المزعج عوضًا عن دفء رسائل صفية.
فالحرب قدرٌ أجبرنا عليه، خُلق في جمجمةِ شخصٍ كناموسة النمرود، وأصبح جرحنا النازف الذي لا هروب منه، والدَّين الذي علينا تسديده، والعذاب الذي نتناقله ويتناسخ فينا. فحينما مضينا مع مستقبلنا، ومددنا أعناقنا لنرانا فيه، لم نجدنا؛ فلم تكن هناك رسائل صفية، ولم نكن نحمل ذاكرة، ولم تكن معنا الرواية كاملة.
إضاءات كتبتُها اقتباسًا وتأثّرًا بقراءة رواية قصيرة بعنوان (ولكنه حدث يا صفية)، صدرت عن منشورات كِناية، للكاتب التونسي فتحي رحماني.
3/ بينما كتب الأستاذ حبيب مهلهلي (تونس) الذي حضر حفل التوقيع ما يلي:
“ولكنّه حدث، يا صفيّة”… وأنا كنتُ هناك.
مساءٌ ثقافيّ مختلف عشته يوم الجمعة يوم الجمعة 30 ماي 2025 بمركز الفنون الدرامية والركحية بمدنين (جنوب تونس)، حيث حضرت حفل توقيع العمل الروائي الجديد لصديق الكلمة والموقف، فتحي الرحماني. كانت هذه أول مرة ألتقيه فيها مباشرة، رغم معرفتي المسبقة باسمه ومسيرته، لكن اللقاء الحقيقي له طعمٌ آخر… فيه شيء من الودّ المتأخر وكثير من الاحترام.
روايته “ولكنّه حدث يا صفيّة” قصيرة في الحجم، لكنها مشحونة بما يكفي من الصور، الرموز، الإيحاءات، والتفاصيل التي تحتاج نفساً طويلاً وتأملاً عميقاً.
العنوان وحده يُغريني، فيه رجع صدى لرواية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني، وكأن فتحي أراد أن يستدرج القارئ إلى هذا الاشتباك الذهني منذ الصفحة الأولى. لكن حين تغوص في النص، تفهم سريعاً أن ما فعله لم يكن اقتباساً بل خدعة فنية أنيقة. استدراج ثم تفكيك.. ثم متاهة تستدعي إعادة القراءة، وربما إعادة التفكير.
الرواية تُروى عبر رسائل بين رجل وامرأة، يعثر عليها الراوي صدفة… وكأن الحياة، أو التاريخ، لا يُكتب إلا بالصدف والمصادفات. ولأنّ الرسائل غالباً ما تُصادر في هذا العالم، قرّر أن يخبّئها في زجاجة ويرسلها إلى البحر. المشهد بحد ذاته كافٍ لتلخيص وجع جيل، أو خيبة وطن.
في تقديري، (وأنا لست ناقداً)، هذه ليست فقط قصة حبّ أو رسائل منسية… بل نصٌّ مشفّر كُتب لوطن يُدعى تونس، يرمز إليه الكاتب باسم “صفيّة”. وطن مرّ من وهج الثورة إلى رماد الخيبة، من نشوة الأمل إلى متاهة التنازع. وكأن فتحي، بعد سنوات طويلة في العمل السياسي والنقابي، اختار أن يقول كلمته الأخيرة على هيئة رسائل، تُلقى في البحر علّها تنجو من صخب الراهن وتصل إلى ضمير جيلٍ قادم.
أما الأستاذ سعيد بو الشنب، فقد قدّم الرواية بطريقته الخاصة، تلك التي لا تخلو من “النميمة الأدبية” التي نعشقها، وأضاء على جوانب كثيرة من تجربة الكاتب، دون أن ينتقص من جمال النص أو غموضه الضروري.
ولا يفوتني أن أتوجّه بالشكر للمبدع عبد الكريم الجماعي (ابن أختي)، هو من أصرّ أن أكون هناك، وهو من أهداني نسخة من عمله الجديد “حكاية رجل صالح”. فشكراً له على الإصرار والمحبة والكتاب.
شكراً فتحي على الرواية والإهداء واللقاء الأول.
شكراً سعيد بو الشنب على التقديم الحيّ.
وشكراً لكل من حضر وساهم في جعل الفعل الثقافي حيّاً في هذا الزمن الصعب…
4/ في حين نشرت الأستاذة الكاتبة التونسية كلثوم منصوري على صفحتها قراءة في الرواية بعنوان “سؤال الحرب وهمس الرسائل في اللّوح المحفوظ: قراءتي لرواية الأديب فتحي الرّحماني “ولكنّه حدث يا صفيّة..” جاء فيها:
كثيرا ما يلقي الواقع وما فيه من هموم وهواجس بثقله على كاتب الرواية، ولأنّه حافلٌ بالأسئلة الكبرى فإنّ الروائيّ مدعوّ الى إعادة إنتاج وطرح هذه الأسئلة على طريقته عاكسا بذلك ما يعتمل في ذاته تفاعلا مع واقعه وانصهارا فيه لا سيما اذا كان معقّدا يضجّ بالقضايا الحارقة.
فأي دور للرواية في زمن الحروب والسلاح؟ ومن سيسمع صوتها بين طلقات البنادق ودويّ الرشّاشات؟ وكيف لها أن توّفق بين تشكيلها الفنيّ الجماليّ وبين بشاعة ما يحيط بها من صور الحرب الهادرة المدّوية؟ هل ستكون الرواية رؤية إبداعيّة تترجم الألم والمعاناة أم أنّها لن تضيف سوى صرخات أخرى تضجّ في الصدور وعذابات تطفو من بين الركام وقصصا أكثر دمويّة وسط الخراب المدّمر؟
لا نختلف في أنّنا نعيش على وقع لحظات مفصليّة من تاريخنا العربيّ،لذا فمن البديهيّ أن ينخرط الروائيّ العربيّ في كلّ ذلك بطرق جملة من القضايا الراهنة ذات التمظهرات المختلفة سياسيّا وتاريخيّا واجتماعيّا، ودينيّا
وضمن هذا السياق يتنزل إسهام الكاتب التونسيّ فتحي الرحمانيّ بروايته “ولكنّه حدث يا صفيّة” وهي سرديّة إنسانيّة أشبه ببانوراما إبداعيّة تتمازج فيها أشكال مختلفة من الكتابة السرديّة والرسائليّة و تتلاقى فيها قصة الحبّ و الحرب والرغبات المستحيلة بدفء الرسائل المهرّبة في زجاجة كأنّها كوكب دريّ بعيدا عن بشاعة العالم.
وقد اشتغلت في قراءتي للرواية على سؤال أساسيّ هو سؤال الحرب ،و اشتغالي عليه لا يعني حصرها فيه، بل لأنّه الأبرز الذّي تطرحه مباشرةً أو ضمنيّا من بين الأسئلة و التيمات الأخرى : كتيمة الثورة وتيمة السلطة وتيمة الوطن وتيمة الحبّ.
من العنوان يلقي الهمّ الفلسطينيّ بظلاله على الرواية إذ يحيلنا في ضرب من التّناص على رواية “عائد إلى حيفا” للأديب الفلسطينيّ غسّان كنفاني مواصلا بمعيار ما حوارا بين بطل رواية غسّان و زوجته صفيّة حينما يلتفت إليها متسائلا ومجيبا في الآن نفسه: أتعرفين ما هو الوطن يا صفيّة ؟ الوطن ألاّ يحدث ذلك كله ..
من هنا ارتأى فتحي الرّحماني أن تتواصل الجملتان في عنوان روايته عبر متواليات لفظيّة أخرى تبدأ بواو الاستئناف تليها أداة الاستدراك ليثبت معنى الحدوث ،فينفي عنوان روايته “ولكنّه حدث يا صفية” جملة غسّان الثانية “الوطن ألاّ يحدث كلّ ذلك” ليصبح ولكنّه حدث.
إذا تجاوزنا التركيب النحوي إلى المضمون فإنّ السارد يصرّح في الصفحة 29 من الرواية بقوله “عندما استجوبوني مرّات ومرّات اعترفت أمامهم بكل السخرية التّي في الكون بإسمها ولفظته كاملا صفيّة غسّان كنفاني ! نعم هي صفيّة غسّان كنفاني .
بهكذا تصريح يكون الكاتب قد انطلق من اللحظة التّي توّقفت فيها رواية غسّان كنفاني لتنفي عن الوطن كل هذا الذي يحدث بينما تأتي رواية فتحي الرّحماني لتثبت في يقين صارخ كلّ الذي لا يجب أن يحدث..ورغم ذلك فقد حدث..
يتأكد النفس الغسّاني في الرواية أيضا من خلال العتبات وتحديدا في التصدير الأوّل، وكذا في قول السارد” لقد قرأت رسائل غسّان إلى غادة التّي استّلها من أضلاعه وغمّسها بالدموع والدّماء ” بهكذا اعتراف يجد القارئ – وهو في ساحة مواجهة – نفسه أمام إرباك التّلقي،فماذا يعني أن تكون صفيّة في الرواية هي ذاتها صفيّة غسّان كنفاني؟ هل يعني هذا أنّ الرواية استنساخ لرواية غسّان ؟ أم هو من قبيل التلاعب الفني الذي يفرض على القارئ قراءة أكثر تمعنا وتروّيا ليتأكد الإرباك في نص الافتتاح باعتذار من الراوي لأفراد عائلته وأصدقائه الذين قد يكون لحقهم أذى أو مسّهم الضرّ بسببه، فما الدّاعي الى هذا الاعتذار ؟ سؤال يطرح بداية ليشحن الرواية بالتوّتر وسوء التفاهم رغم لهجة الاعتذار الحانية ولكنّ معرفة ذلك كلّه تؤجل حتما كلّما تقدّمنا في القراءة عندها تهتك أستار الحجب شيئا فشيئا وتتبّدى خيوط اللعبة السرديّة “فللسرد دروب ومسارات ،وهو زئبقيّ مخاتل ولا مهرب منه إلاّ إليه ص 28 ”
بالتوازي مع استدعاء النّص الغسّاني يأتي التصدير الثاني للمفكر التونسيّ فتحي المسكيني” ما لا يمكن سماعه ينبغي قتله” متناغما مع طقس الحرب في الرواية وهو ما يتأكد في التصدير الثالث للشاعر الفلسطينيّ محمود درويش الموّجه إلى جمهور النّقاد بفعلين يقفان على طرفي نقيض “يغتالني النّقاد وأنجو من قراءتهم” بذلك يحوّل الشاعر فعل القراءة إلى ساحة حرب يغادرها بعد ذلك طوعا ليبحث عن قصيدته الجديدة .
تبقى الحرب بمنأى عن الخطاب التبريريّ ظاهرة إنسانيّة مدّمرة و تجربة نفسيّة ووجوديّة تترك أثرها العميق في نفوس البشر جميعا بلا استثناء، فمع كلّ حرب تشتعل نارها تُنسج خيوط المعاناة في القلوب و تستمر المآسي عقوداً طويلة مخلّفة ندوبا لا تمحى جيلا بعد جيل.
وهنا يأتي دور الأدب ملاذا ومتنّفسا للأرواح المعذّبة يسمح للحقيقة بالتّشكل على نحو مختلف عن ذاك الذي يرسم في كتب التاريخ الجّافة التّي لا تعبأ بالألم المستمر عبر الزمن، بل بما حدث وانتهى، تماماً كما لا تعبأ بالنفس البشريّة ولا حتّى بالبحث عن المعنى داخل الفوضى العارمة يقول جان بول سارتر “الحرب لا تصنع الأبطال، بل الضحايا فقط” ولذلك فمن الطبيعيّ أن يرتفع صوت الضحيّة عاليا وليس أقدر من الأدب على نقل هذا الصوت.
ولأنّ العالم العربي كان ولا يزال ساحة حرب دائمة ولأنّ سؤال الحرب ذي البعد الوجودي ما انفّك يفرض نفسه فإنّ الكاتب فتحي الرّحماني في روايته لم يكتف بمجرّد طرق موضوع الحرب بل فلسفها واتّخذها مرآة للتأمل في النفس الإنسانيّة عاكسا تجارب الإنسان في مواجهة الدّمار، وبحثه الحثيث عن الأمان والسّلام.
“هكذا بذّرت حياتي” جملة البداية في الرواية تسحبنا من عالم بطل غسّان لتضعنا أمام سارد سمّى نفسه راوي الصدفة يحصي خساراته بعد أن انتابه شعور مرير بالخيبة فأضحى غريبا منبوذا أشبه بصالح في ثمود وكذا كلّ مثقف مصلح في بلاده إذا قام خطيبا بين الناس “أخرسوا صوته وألبسوا روحه قميص اضطهاد” على حدّ تعبير شاعرنا أبي القاسم الشابيّ “يصرخ يصيح يجري، يستوقف الناس لكنّ صوته العاليّ لم يصل أبعد من ظلّه ،صوته العاليّ لم يوقظ من كان يعرفهم بل أيقظ مجهولين لم يكن يعرفهم ص 20 “
وهكذا وجد السّارد نفسه في دوّامة الحرب داخل أجواء مشحونة بمظاهر القتل والرعب والخوف “إنّ الحرب الطاحنة ليست وقائع، ليست أحداثا ليست خططا ولا خدعا ولا مجرّد ضحايا أو دمار وليست ماهيّة ولا حتّى فكرة فانية ص 22 /23 وليست بطولة بل هي ضرورة .”
باعتماد التعريف السالب ينفي السارد عن الحرب احداثياتها مقدّما تعريفا دقيقا لها بما هي “لعبة ” نعم هنا لا يمكن إلاّ أن نتماهى معه، فالحرب لعبة قذرة يلعبها الكبار بمهارة ليعيدوا تقسيم الكرة الأرضيّة بينهم سطوًا على نصيب الصغار وإقصاء لهم أو هي أشبه بطبخة يشارك فيها أبرز شيفان العالم لإعداد الطرطة ثم اقتسامها في ما بعد وفق مصالحهم الخاصة غير مبالين بالجياع.
بهكذا تعريف للحرب تستحيل فيه “مساحة للوجع وتاريخا للنسيان” يلج السارد مملكة السرد وفي ذهنه تتلاطم الأسئلة. فمن هو المحارب يا ترى ؟ ما الشخصية التّي تتلبّسه وهو يحارب؟ كيف يحارب ومتى واين ومن ؟
إنّ الحرب كما يقول ارنست هيمنغواي” تسرقك حتّى من نفسك” وتدخلك عالمها المتلاطم فها هو السارد يعترف بسيطرة إحساس التيه والضياع والاغتراب عليه “في الحرب لا يمكن أن تكون أنت، في الحرب تفقد ملامحك هوّيتك،شخصيتك وتتلبس هوّية جديدة بجسد جديد وعقل آخر “ما أشبه ما يقوله السارد هنا بما ورد في سيرة سبعون لميخائيل نعيمة الذي وجد نفسه مجبرا على تقمّص دور الجنديّ في حرب لا تعنيه ساقته الأقدار عنوة إليها، لكنّه فشل ولم يؤده على النحو الذّي أريد له فقضى شهور الحرب تلك في الحفر والخنادق ولم يقتل أحدا..
إنّ الحرب إذن لهي الخسران العظيم والفقدان الذي لا يعوض فقدان الأعضاء في الخنادق والأكثر إيلاما فقدان الروح فما ينقص المحاربين العائدين من الحرب حقّا هو الروح -ص 28
يخاتل الكاتب اللغة ويدخل لعبة الحروف والكلمات ببراعة وهو يفكّك مصطلح الحرب فيبحث عن الحرف الزائد ليحذفه ” ليس بين الحرب والحب ّغير حرف،فهل علينا أن نسقط الراء من الحرب لنخلّص الورود من الجنائز؟”- ص 23
سؤال الحرب يستدعي ضرورة توابعها النفسيّة ومنها شعور الخوف” أنت لم تجرّبي الخوف يوما يا صفيّة ؟ الخوف ليس مجرّد شعور، الخوف يعيد تشكيل المعاني ينشئ رؤية أخرى للعالم يتحوّل بموجبها كلّ شئ إلى عدوّ،الخوف حين ينقلب عليك الظلام ويخلو الليل من الرحمة، الخوف حين تكون الأشياء عارية من الأسماء وحين يضيع الدليل إلى الطريق والكلمات ..ص25 “
كما يستدعي سؤال الحرب فضاءها إذ يحرص الكاتب على تأثيثه بلوازمها كالخنادق ، خطوط التماس بين بحر وجبل،المحاربين العائدين، الأكفان، الجنائز، الجثث،الضحايا ،النعوش ،رائحة البارود، أزيز رصاصة وحيدة ..بهكذا حقل دلاليّ تتبّدى الحرب فضاء وجوديّا محتشدا للمعاناة الفرديّة والجماعيّة يعكس العبث المجسّد في القتل المجانيّ بسقوط الأرواح البريئة” لقد سقط من سقط هدرا ولم تنتصر غير النعوش ص 39″.
وأمّا زمان الحرب فهو زمن ليلي يكثف الشعور بالوحدة إنّه الظلمة المطبقة، هو شعاب الظلام التّي تتعفّر فيها الخطى بعد أن اختفت” صباحات الفلّ والياسمين” هو زمن “الثقوب السّوداء” وقد تثاءب المساء، هو الغروب وانطفاء النور
هو الظلام الدامس يتسلّل حثيثا إلى الأعماق…
غير أنّ هذا الزمن وهو يخيّم على الرواية يهبها استشرافا إلى زمن آخر منشود حين يشرق الصباح بوعد الحياة والحبّ وانجلاء الظلمة والعتمة .
تشكّل شخصيّات الرواية في أبعادها الحقيقيّة والرمزيّة عناصر أساسيّة في رسم عالم الحرب وأبرزها شخصيّة المراسل الحربيّ الواقف في الطرف النقيض للراوي وقد وسمه الكاتب بسمات القسوة، فصوته حادّ مسترسل في غير انقطاع كما جرّده من الموضوعيّة والحياديّة اذ “لا تصيبه رعشة المؤرخ وهو يقف على خطوط التماس “وحوّله إلى أداة طيّعة لخدمة أجندات إعلاميّة و سياسيّة “وتخيّلتُ المُراسل الحربيّ وهو يُدبّج تقريره بزُخرف الكلام، ويُغرق الحقيقة في قوالب جاهزة حفظها عن ظهر قلب واحتفظ بها لمثل هذه المناسبات. وتخيّلته يُلْقي بكلمات تسعى كالأفاعي “اليوم طُويت صفحة من تاريخ هذه المنطقة، وهي مُقبلة فيما يبدو على مرحلة جديدة..” ولا عصا في يديّ لألقف ما يأفك.”
كما أنّ له تأثيرا على المكان ” كلّما أطلّ بخوذته وسحنته علا الغبار وطارت الحمامات..” وهكذا وبتوّتر العلاقة بين السارد وبين المراسل الذي تجاوز مهمته الاعلاميّة ليصبح بطل حرب تتجه الرواية نحو بؤرة الصراع بين الحبّ والحرب، بين الفكر وضجيج الإعلام، بين المبدإ و البروباغندا الزائفة، بين ثقل المعنى و بهرج الصورة وبين الحقيقة وأوهام النصر ” تحسّست حزامي ، لا تزال في جعبتي بعض رصاصات ولا زالت في جعبة المراسل مخازن من ذخيرة تقارير لا تتوّقف” كما يحتدم الصراع كلما سلّط الأعداء مجهولي الهويّة الذين كانوا يلاحقون السارد في “بحثهم المحموم عن صفيّة” وعن الرسائل المتبادلة بينها وبين حبيبها عقابهم الجسدي والنفسي على بطل الرواية
يسم الغموض الشخصيات وتحوطها طقوس الحرب بسحابة من السمات..فاذا نحن أمام طرف مقاوم يجسّده السارد الحاضر في احداث الرواية وبدرجة ثانية صفيّة المرأة الرمز التي تتحدّى برسائلها جبروت الأعداء والتي يضفي عليها الكاتب ميسم الغموض لتبقى فكرة هلامية في ذهنهم ” اسما مستعارا او اسما حركيا لشخص أو تنظيم سري” ص 28.
وأمّا الطرف الآخر فهو العدوّ وقد تقصّد الكاتب إخراجه هو الآخر في صورة هلاميّة غير محددة تجلوها كل أشكال “القمع السلطوي المجّسد في الملاحقات الأمنية والاستجوابات والاعتقالات وحملات التمشيط و التفتيش” امضوا الليالي يقلبون النظر في مججوزاتهم ..ظلوا ينقبون عنك.. ص32
لعبة الضمائر وهي تتردد بين الحضور والغياب وقيام الرواية على مشاهد متتالية تتراوح بين السكون والحركة كلّ هذا منحها توّترها الداخلي وهيّأ الإطار وسط أجواء محتدمة لبروز بصيص أمل يجلوه حضور الرسائل ،وما حضورها الاّ حضورا للمعنى وسط العبث وللقيمة في عالم تلاشت فيه كلّ قيم الإنسان.لا يسجن الكاتب الرسائل في زجاجة كأنّها كوكب دريّ في نهاية الرواية إلاّ ليشهرها في وجه الحرب وبشاعتها كما كل العشاق متخذا اياها سلاحا عاطفيا يلوذ به كلما ارتفع ازيز الرصاص” رسائلك يا صفية أكثر اخضرارا من اشجار الزيتون وأكثر امتلاءا من سنابل القمح وأنقى من الياسمين واعطر ..
إنّ الكاتب فتحي الرحماني وهو يطرح سؤال الحرب يطرح بالتوازي معه سؤال الربيع العربي والثورات المغدورة التي أُفرغت من معناها وتحوّلت الى شتاء عاصف بعد انحرافها عن مسارها فعوض إيجاد منافذ ضوء للخروج من مآسي الواقع الذي يعاني من الاستبداد والإرهاب والحروب الأهلية،والتبعية الاقتصادية والفقر وتفاقم مشاكل المهمّشين والغرباء الذين يعيشون على هامش المدن وفي قيعانها يمتد الوجعٍ العربي خارج مدارات الحروب المفروضة عليه على امتداد التاريخ لتثخن همومه ّالاجتماعية فيه جراحا أعمق وأشد.
ومجمل القول اخيرا إن سؤال الحرب يظل يومض في ذهن المتلقي وهو يقرأ رواية فتحي الرحماني الرواية العميقة عمق القضايا التي تطرحها قادحا أسئلة اخرى يحبل بها الواقع العربي الراهن، مادام ولاّدا غير أنّ الأهمّ من طرح الأسئلة أن يُقيَّض لها من يقرأها، ويعالجها تفكرا وتدبرا إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وهل الحياة نفسها سوى سؤالٍ كبير يفضي إلى متاهات واسعة ودروب لا تنقطع..فطوبى للكتّاب يرسمون مسارات الخلاص وطوبى للمشائين يقفون الأثر.
5/ كما أشار الكاتب التونسي عبد الكريم جماعي إلى ملاحظات عن الرواية جاء فيها:
“ولكنّه حدث يا صفيّة” عمل روائي جديد للأخ الفتحي الرحماني.تشرفت بحضور حفل توقيعه اليوم الجمعة 30 ماي 2025 بمركز الفنون الدرامية والركحية بمدنين (جنوب تونس). وهي رواية قصيرة لكنها كثيفة المعاني و الصور بأسلوب فني مميّز. كتبت بلغة مليئة بالرموز و الإيحاءات.و بعيدا عن التقديم الرائع الذي أثثه الأستاذ سعيد بو الشنب والذي اهتم أساسا بتجربة الكاتب سياسيا و نقابيا و أدبيا.فالرواية جديرة بالقراءة و إعادة القراءة.
العنوان في حد ذاته يجعلك تتذكر رواية غسان كنفاني من الوهلة الأولى لكن بعد أن تغوص في ثنايا الكتاب و تحاول أن تجد الرابط بينه وبين رواية ” عائد الى حيفا” تجد أن أديبنا قد استطاع أن يخاتلك ببراعة حتى يجعلك تتوه وتعيد القراءة مرة أخرى وهي لعمري مراوغة جميلة جدا..فالحكاية كلها عبارة عن رسائل بين رجل و امراة وجدها الراوي بمحض الصدفة ثم لكي لا تصادر وضعها في زجاجة محكمة الغلق و رماها في البحر.
وحسب رأيي الخاص فالرواية ربما كانت تعبر عن رأي الكاتب في كل ما جرى في الساحة السياسية بعد 2011 و تشير إلى الخيبات التي وقعت فيها التجربة التونسية رغم حجم الأحلام و الآمال التي كان ينتظرها المجتمع التونسي و ما صفية الا اسم مستعار لوطننا تونس و ربما كان الكاتب يكتب لوطنه الذي تقاذفته الأطماع و الدسائس و تناهشته الذئاب و السباع لذلك آثر أن يكتب لواعجه و أمنياته -بعد تجربته الخاصة التي جرب فيها الفعل السياسي و النقابي لسنوات- ويرميها في البحر عسى ان تتلقفها الأجيال القادمة لتحاول صنع غد أجمل و أرحب و أحلى..!!
6/ وذهبت الكاتبة المبدعة الفلسطينية ميس داغر في قراءتها للرواية التي نشرتها على صفحتها إلى هذا الرّأي:
هذه الرواية مثل نشيد قصير، أخّاذ، حزين وساحر. وأما حجمها الصغير فهو خادع. فما إن تنتهي منها حتى تكتشف أنك بحاجة إلى تكرار القراءة مرات لفك مقاطعها ووقائعها و”لفائفها” المنقولة في لغة آسرة أقرب إلى المناجاة الشعرية.
تمثل رواية “ولكنه حدث يا صفية” للكاتب التونسي فتحي الرحماني احتفاءً تشوبه المرارة بالسردية الإنسانية الصادقة والحميمة، المضادة لسردية السلطة. احتفاء أخفاه الكاتب بفنية عالية، ليستعصي على الظهور في القراءة الأولى، ولا يفصح عن نفسه بيسر.
يظهر التضاد السردي المشار إليه في التقابل ما بين شخصية المراسل الحربي، بما يمثل من صوت مؤدلج له اعتباراته المتخطية لهمّ الناس، وما بين شخصيتين لحبيبن مضمنتين في رسائل مهربة، تمثلان رواية الإنسان الذي لايلقي بالاً إلا لهمّ الإنسان.
وقد يقول قارىء إنّ هذه الرواية ليست عن سرديتين متضادتين، على الإطلاق، بل عن عالمٍ آخر. وهذا ليس بمستبعد، فالرواية التي بين يدينا تنتمي إلى تلك النصوص المكثفة التي تسمح بتأويلات متعددة. إذ تتجلى براعة كاتبها في خلقه لهذه الكثافة الرمزية التي تحمّل النص دلالات متعددة.
وجدتُ في هذه الرواية انعكاساً لركامٍ نفسيٍ أنتجه واقع عربي متردي، غير مفهوم المدى الذي آل إليه في المفارقات وتكرار الانتكاسات. واقع، علّم على النفس ندوب الفقد والهزيمة والضياع. وكانت بدايةُ ربيعه فاتحة لمرحلة من النكوص الأشد، والاستبداد الأنكى، وإعادة التفاف الحبال المفكوكة على الرقاب.
تتكثف ضبابية عالية على امتداد صفحات هذه الرواية حول حدثٍ مركزي يبقى مجهولاً، متروكاً لكل قارىء أن يستقرئه بمنظاره الخاص. لا نعلم عن هذا الحدث شيئا، لكننا نهجس به من خلال الشخصيات التي تدور في عاصفته، وتوابعه من الوقائع ذات الصبغة الأمنية والعسكرية.
وبهذا التكتم الشديد حول مضمون الحدث الكبير، احتفظ ذاك الحدث لنفسه بماهية وزمان ومكان مفتوحة برحابة على التأويل، ومرتبطة بأينما تقود القارىءَ خلجاتُ نفسه. بالنسبة لي، وبرغم الإشارة إلى أنّ أحداث الرواية تمتد في الفترة بين عامي 2011 و،2013 إلا أن هذا النص حظي في نفسي بأشد التماهيات مع سريالية الفاجعة الأخيرة في غزة، ورأيتُ فيه مرثية العربي لنفسه العاجزة المتفرجة.
“أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله”
وها قد حدث كل ما يجب ألا يحدث، فماذا تراه تبقى من الوطن يا غسان!
أضف تعليق