كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

من زهرة مدين إلى مدائن السّرد: في ملاحقة ظلّ حافية القدمين..

بقلم: فتحي الرحماني/

تصدير:
“من يكتب حكايته يرث أرض المكان ويملك المعنى تماما..”
محمود درويش

صدرت عن دار نشر الأدب الوجيز بتونس في 2025 مجموعة قصصيّة بعنوان “ظلّ حافية القدمين” للكاتبة التونسية الناشئة أم كلثوم المنصوري وهي باكورة أعمالها المنشورة. تقع هذه المجموعة في 154 صفحة وتتكوّن من 15 قصّة قصيرة تتراوح بين صفحتين (الرباب الحزين ص 117) و20 صفحة تقريبا (ظلّ حافية القدمين- ص53 إلى ص73).
استفرغت الكاتبة في هذه المجموعة طاقاتها الإبداعية ونوّعت تقنياتها القصصيّة بحثا عن أسلوبها الخاصّ في الكتابة كشأن الكتّاب الناشئين في بداية تجاربهم. المجموعة القصصيّة تلتقط لحظات تبدو لنا عادية ومألوفة لتكشف ما يكمن فيها من عمق إنساني نجحت الكاتبة في تسليط الضوء عليه ولفت الانتباه إليه سواء تعلّق الأمر بالمشاعر (مشاعر الحب والخيبة – الحذاء المقصّب- ص 5) أو بنماذج الشخصيات (حسّون بائع المثلّجات ص17 أو سي عبد الباسط معلّم الصبيان ص28 أومحبوبة المهبولة ص64) أو بوقائع فارقة في الحياة (مولود جديد في ص40 تقابله وفاة الرضع في المستشفى ص 131 وما بعدها).
وفي هذا التقديم الموجز لهذه المجموعة لن نقف عند المتعارف عليه من التقنيات أو المضامين بقدر ما سننبّه إلى قدرة الكاتبة أم كلثوم المنصوري على توظيف التفاصيل الصغيرة في تأثيث أقاصيصها. فقد استجلبت الكاتبة في سردها ووصفها روائح المكان وعبق قريتها زهرة مدين (قرية من قرى باجة بشمال تونس)، وانطلقت من قريتها نحو مدائن السرد الواسعة، أقاصيصها تلتقط مشاهد من عوالم صغيرة لتطوّح بها في أفق إنساني رحب، تحضر تفاصيل صغيرة مثل روائح الشجيرات الجبلية (شجرة الزعرور الجبلية ص56) والعطور ( الوشق والجاوي: أنواع من البخور عبقة الرائحة ص127) والشاي والقهوة (فاحت القهوة أخيرا وغمرته رائحتها النفّاذة- ص31)، بل نجحت الكاتبة في مواضع من مجموعتها في أن تجعل من عبق التاريخ ماثلا أمامنا وللأساطير رائحة. في المقابل قد تنبعث (رائحة غريبة هي مزيج من عطر رخيص وعنبر وعرق ص24) أو رائحة الموت الذي يترصّد كل طمأنينة ويذهب بماء الحياة (إنّي أرى أحد عشر قمرا ص132- هذا غريب في مستشفى لا تنبعث منه في الغالب إلا روائح الأدوية وموادّ التنظيف والتعقيم القويّة – ملابس مستعملة محشورة في سيارات وتنبعث منها روائح رطوبة عطنة- ص114)، وبذلك تكون الرائحة مكوّنا قصصيّا رئيسيّا في المجموعة تعكس روح الأمكنة و ثقل الزمان ووطأته كما تشي بتناقضات الحياة، فكلّ شخصيات المجموعة القصصيّة تكافح بشكل من الأشكال من أجل أن تطرد الموت وتتمسّك بحياة مّا، ولعلّ هذه المفارقة تتلخّص في قول المريضة في نصّ (وتريات ما قبل الرحيل) في ص 82 ( ما أصعب أن أتوه بين عالمين لا يلتقيان في وقت واحد. هل أنا في الحياة أم غادرتها؟ أخبروني ..أين أنا بحقّ السماء؟ أين أنا؟)
غير أنّ الرائحة ليست العنصر الوحيد الذي يسري في تفاصيل القصّ، إذ تزاحمه الألوان والأصوات والأشياء: أمّا الألوان فهي حدّ فاصل بين نور وظلمة (أغلب الأزمنة صباح باكر أو مساءات أو ساعات آخر الليل)، إذ تحاول الكاتبة جاهدة أن تُخرج النور من الظلمة المطبقة الغالبة على المشهد (وماهي سوى لحظات حتّى استعاد المساء صفاءه وتراءى ضوء شفيف، نور مشعّ في سماء غرفة أخرى – ص82) وأمّا الأصوات فمزيج عجيب من تلاوة قرآنية (سورة الرحمن –ص82) وأغنيات لأم كلثوم (صص 31-32- 36) والأهازيج والأغاني الشعبية من تراث المنطقة (الزغاريد والتعاشيق ص 58 أوأغنية ريت النجمة صص 91و 103 أو معزوفة عاشوراء ص127) أو أغاني حديثة (أغنية جوريزاليم ص85)، إنّ تمازج هذه الأصوات تساهم في تشكيل نصّ قصصيّ يخبر عن مصادر كتابته في نوع من المحاورة الفنيّة الشبيهة بالتناصّ، فيكون ثراء السرد من ثراء المسرود.
كما حرصت الكاتبة أن تؤثّث عوالمها السردية بما يناسب الشخصية أو الحدث من أشياء فاستدعت البضائع والسلع عندما قدّمت لنا نماذج من الباعة المهمّشين من أمثال باعة الروبافيكا- الملابس المستعملة (ص 114) أو حسّون بائع المثلّجات، أمّا حين تغوص بنا في عوالم الأساطير والطقوس والتراث المحلّي فتميل إلى توظيف ملابس وأدوات وأكلات شعبية محليّة مثل (الفولارة أو القوجة أي فرن الطين أو السدّة أو البرغل وهو أكلة تقليدية تونسية تُتّخذ من حبوب القمح أو الطنجرة وهي قدر الطعام أو الحرقوس وهو شكل من أشكال الزينة تتّخذه العروس..). إنّ هذه التفاصيل التي قد تضفي واقعية على النصوص وتوهمنا بنزعة تسجيلية أحيانا استطاعت الكاتبة أن تشحنها بعمق إنسانيّ كبير ساعدها على أن تكتب حكايتها وتطير من قريتها لتحلّق في سماء السرد وترتاد آفاقا بعيدة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.