كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

في مديح السينما الإيرانية..

حسين علي يونس

1
عندما كنت صغيراً سحرتني السينما، أدهشتني عوالمها الغريبة، فانشغلت بهذا العالم الذي يتشكل من الطيف، أحببت كينونة الصور التي اختلطت بحياتي كما يختلط الخمر بالماء، أحببت تلك الصور، التي كانت تعيش حياتها على الجدران البيض وقطع القماش الكبيرة، أحببت ذلك العالم النوراني الذي جرني إليه بقوة وغير حياتي، أحببت شاشة العرض، وما كانت تعرضه تلك الشاشة من دون تمييز، كنت متطرفاً في تيهاني في أزقة وسطوح صورها، وحين كبرت كففت عن تطرفي الحميد ذاك، وشذبت مشاعري وأكتفيت بمحبة سينما الهامش . أحببت أفلام شابلن و باستر كيتون وهاري لانغدون الصامتة، أحببت الأفلام الأولى ” البحث عن الذهب” “أضواء المدينة” “الطفل” “الجنرال” “المصور” “السراويل الطويلة” . أحببت السينما الصامتة، فتنتني صبيانية شابلن، وبراءة هاري لانغدون، و بلاهة باستر كيتون، أحببت لغتهم السينمائية واشرطتهم القديمة ، و حين كبرت قليلا أحببت الأفلام التعبيرية الألمانية، أحببت أفلام فريتز لانغ و ف . دبيلو.مونرو، وروبرت فيين وعشقت أفلامهم الخالدة، عيادة الدكتور كاليغاري، متروبولس. نوسفيراتو،شهادة دكتور مابوس، يدا اورلاك، أصيل، فاوست، الضحكة الاخيرة، ماكس، .. أحببت أيضاً السينما الإطالية الواقعية أحببت أفلام كينو فيسكونتي، روبرتو روسيلليني، فيتوريو دي سيكا، جوزيبي دي سانتس، كما أحببت أفلام فيلليني وانطونيوني وبازوليني . كان فيضا من الجمال عاش لسنوات وشغل العالم، لكنه نفق مع الوقت بسبب تسطيح الوعي وتحول الإنسان “الرأسمال الأعلى” إلى سلعة رخيصة! وعلى حساب ذلك الفيض نمت السينما الأميركية لكنها للأسف قتلت الواقعية الإطالية والتعبيرية الألمانية ومحقتهما تماماً، لتحتكر صناعة السينما فطورتها إلى الاسفل نزولا على الرغم من إمكانياتها التقنية والمالية الكبيرة، وهكذا صنعت سينما متن ارتكز جل نشاطه على السطح، هجرت العمق واعتاشت على فقاعات السطح وحاصرت ذلك الحلم، الذي كان يتبنى حياة الهامش، وقتلته في مهده … واليوم حين تريد أميركا ان تنتج فلماً جيداً تصنع فلما بميزانية محدودة ترتكز ثيمته على الهامش الذي قتلته من قبل ومن بعد، ربما نتيجة لشعورها بالذنب و لتستغله حياً وميتاً، لهذا كرهت السينما الأميركية، وتعلقت بسينما الشعوب، سينما الأطراف، سينما الجنوب الحزين وتوقفت طويلاً عند السينما الإيرانية تلك السينما التي اكتشفتها منذ سنوات قليلة حين شاهدت أفلام عباس كياروستمي ومجيد مجيدي وغيرهما من المخرجين الإيرانيين الكبار حين شاهدت “طعم الكرز” و”ثلاثية اين منزل الصديق ” “وتستمر الحياة ” “بين أشجار الزيتون “” كلوز آب ” المسافر” ” واجبات منزلية ” محمد رسول الله ” بيضة النعامة ” ” انفصال ” …
ومن ثم شاهدت أفلام بهرام بيضائي صاحب فلم” باشو الغريب” ” الغريب والضباب” “عاصفة مطرية” وأفلام داريوش مهرجوي ،أحببت فلم “البقرة” “هامون” “ليلى” وأحببت أفلام رسول ملا قلي وفلمه “الطير في الليل” وفلم ” اللاجئ” . أحببت أيضاً أفلام مجيد مجيدي و أفلام اصغر فرهادي ومحسن مخملباف، أحببت أفلامهم ” سائق الدراجة” “وقت الحب” ” البائع المتجول”الممثل ” ” السفر إلى قندهار” “المقاطعة ” أحببت أفلام سميرة مخملباف صاحبة فلم” اللوحة” الذي حصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان، أحببت أيضاً أفلام بوران درخشنده، اول مخرجة إيرانية بعد الثورة و صاحبة الأفلام بالغة الاهمية ” العلاقة” و”طائر السعادة الصغير ” “أطفال الأبدية” و أحببت كذلك أفلام رخشان بني اعتماد وأفلامها” نرجس ” وفلم “تحت جلد المدينة” “سجن النساء “” الكناري ” وأدهشني صاحب فلم ” حياة ساكنة ” و أفلام جعفر بناهي، أحببت أيضاً أفلام إبراهيم حاتمي كيا، سعيد سهيلي، تهمينة ميلاني وأفلامها “الامراتان” و”النصف الخفي” وكذلك أفلام مسعود كيميا ئي وأفلام بهرام بيضائي صاحب “عاصفة مطرية ” و”سارا ” الغريب والضباب ” وفلم “ليلى” .. شاهدت في مراهقتي فلم” عاصفة مطرية ” وفلم “البقرة” للمخرج الكبير داريوش مهرجوي وهكذا جرت المسبحة.
2
في بداية عيد الفطر ذهبت إلى بيت عمتي مشياً، كانت المسافة بعيدة جداً، كنت أعاني من دوار الرأس، وفي منتصف الطريق توقفت أمام مجموعة من الصبية قرب بيت متوسط الحجم، كان ذلك هو نادي الفارس العربي الذي كان يعرض الأفلام، قطعت تذكرة، وشاهدت فلم سبار تكوس، وكان العرض مستمراً، وأمضيت عدة ساعات أمام شاشة العرض، ومنذ ذلك اليوم الذي بات بعيداً جداً، شاهدت آلافاً من الأفلام، وأقتنيت المئات من الكتب التي تتحدث عن السينما الأميركية، والروسية، والإطالية، والألمانية، والهندية، والعربية، واليابانية، والصينية. كنت أتابع الأفلام كلها، وذات يوم شاهدت فلم “عاصفة مطرية” فظل هذا الفلم الجميل عالقاً في ذاكرتي، وحين تعرفت بعد سنوات على السينما الإيرانية بشكل جيد اعدت مشاهدته مراراً وتكراراً، ومن ثم عرفت لاحقاً اًن مخرج الفلم، هو بهرام بيضائي صاحب النظرية الذهبية التي تقول ” في الأفلام يجب أن نتحدث عن أكثر مما نريد” هذه النصيحة الذهبية التي يمكن اعتبارها مفتاح سمسم أو عصا الساحر الذي يخرج الأرانب من القبعة.
اشتغلت السينما الإيرانية على سد الفراغات والفجوات، ومررت أصواتها المضادة لسطلة الرقيب الذي لم يكن يريد فنا بقدر ما كان يريد التزاما وحشمة وهذا ما تحقق له في نهاية الأمر. فبموجب هذه الكلمة المفتاح اشتغل الجميع لقد تم مسك الثور من قرنيه كما يقول المثل الذي أجهل مصدره، وها نحن اليوم نشاهد سينما بالغة الجمال والكمال، سينما إنسانية تمتاز بالشعرية والاقتصاد والتلقائية التي نجدها في كومة الأولاد الذين يتجمعون في ساحة مدرسة يلعبون الغميضة، أو ونحن نتأمل منظر النهر في الشتاء، حيث يكثر الضباب وتبدو الجهة التي نشاهدها من بعيد مقبضة للنفس حيث يشعر المرء بالحزن، وهو يتأمل تلك المناظر البعيدة في الضباب. فما الذي صنع السينما الإيرانية وجعلها ترتفع بهذا العلو؟ كنت أقرأ كتاب” السينما الإيرانية تأريخ سياسي” لحامد رضا صدر، ووجدت هذه الجملة ” كان من أهم أهداف سينما بعد الثورة تأسيس موقف معاد من الغرب، يرى الغرب بوصفه قمعياً ـ وقوة إجرامية، يدفعها سعي غير إنساني، وأهدافها الأساسية أن تهزم العالم الإسلامي وتسرق ثرواته الطبيعية، وتستغل العمالة الرخيصة للشعوب المضطهدة، وتخلق سوقا آمنة، متسعة للسلع المصنعة، وتسحق روحه “. إن هذه الجملة تمثل(روح الحقيقة) وقلبها التي تميل الأنظمة المهادنة لمحوها، وتغييبها من أجل إدامة فعل الهيمنة المسكوت عنها في أدبيات وإعلام الدول الخانعة والمحتلة بشكل واضح و مضمر. ولعلنا نتساءل هنا مرة بعد أخرى عن كيفية تطور السينما الإيرانية؟ التي انطلقت من أيديولوجية دينية بارعة في استخدام عصي الدواليب، وتعطيل العجلة. طالما أن هذا التطور لم يكن ممكناً، عبر الايديولوجية الدينية المتزمتة، والجواب بالطبع يكمن في استحضار تلك الجملة الذهبية التي اطلقها بهرام بيضائي، فكان من الضروري تذكر تلك الجملة التي سبق ذكرها تلك التي يقول فيها لكل من أراد أن يعمل في هذا المجال ” ربما ليس من المناسب لنا أن نفكر بحصر ما نريده على وجه التحديد، بل يجب على صانع الأفلام ان يقول شيئاً أكثر مما يريده، كما عليه أن يقول أشياءً لا يعرف أنه يريدها، حسناً في هذه الحالة أعتقد أنني أنتمي إلى هذا النوع من العقلية ” .

3
السينما معطى جمالي ، وقبل ان تكون معطى جمالي على السينما ان تعنى بالحديث عن الناس وواقعهم، ويجب قبل هذا وذاك ان تحافظ على هويتهم وثقافتهم مهما كانت الصعوبات، وهنا يجب ان نتذكر جملة بيضائي سالفة الذكر دائماً .
اتذكر انني شاهدت فلمه “عاصفة ممطرة ” في بداية الثمانينيات وقد بقي هذا الفلم الذي اعاد ترميمه مارتن سكورسيزي في ذاكرتي إلى ان عثرت عليه مؤخرا، بينما كنت اكتب هذه المادة فشاهدته مرارا وتكرارا، ربما لا ستعيد زمن تلك اللحظات التي مضت إلى غير رجعة فثيمة الفلم بسيطة وليست معقدة، معلم تقدمي فقير ابن عائلة يدعى حكمتي يطرد طالبا من صفه، بسبب مشاغبته فتحتج اخته عاطفة التي تعيل امها المقعدة واخيها، وتذهب إلى مدير المدرسة لتعيد الأمور إلى نصابها، لكنها تجد المدرس في غرفة المدير ومن ثم تنتشر حولهم الشائعات . لسنوات طويلة ظل مشهد التقاء حكمتي بعاطفة في حديقة جرداء وقد تحول التلاميذ الذين يعتلون الاشجار كالغربان إلى ثمار غريبة بينما يهيمن على عاطفة وحكمتي سوء الفهم، وهما لا يعرفان عن ما يتحدثان بالضبط حين يعرب حكمتي عن اعجابه بعيني عاطفة بينما يحتل ثقب حذاء حكمتي ربع الشاشة . فيما بعد شاهدت فلم ” البقرة ” الرائع الذي يتحدث عن مأساة فلاح يتخيل انه بقرة بعد موت بقرته، كنزه الوحيد على الارض، ومن ثم انشغلت بمشاهدة المزيد من الأفلام الإيرانية .شاهدت حياة ساكنة، باشو، كراسة الرسم، عن ايلي، انفصال،الساعة 25 سجن النساء، طعم الكرز، اين منزل الصديق .. ولا ازال اغرف من ذلك البحر لقد اعادتني السينما الإيرانية إلى تطرفي الاول الحميد بالطبع، وها انا الشيخ ارجع إلى الطفولة في العيش بين طيات مخيال الصور، ورسومها الطيفية الخيالية، حيث يسود الفراغ الإنساني وتزهر العذابات .

4
ما ميزة الأفلام الإيرانية؟ يحق لنا ان نطرح هذا السؤال، وان نجيب عنه أيضاً . بالحقيقة ان ميزة الأفلام الإيرانية على وجه الدقة انها سينما هامش ، سينما يسار من الطراز الاول، ومن هنا تكتسب قيمتها الرفيعة تمثلت الهامش وعاشته بكل سلبياته و ايجابياته ،و لم تكن تعير كبير اهمية للفروقات الطبقية التي تضع حواجزا بين الذات وموضوعها، اعتمدت على ما تحت يدها فعلا واستخدمته بحنان كبير ونزاهة، و لم يكن البخل التقني عائقا امام تطورها، وكان موضوعها الإنسان في الطبيعة، الإنسان داخل نفسه، والإنسان منبوذا . اما على المستوى التقني فكانت تعتمد بجانب كبير منها على ما هو كائن تحت يدها و في الطبيعة الجبلية الصخرية لخريطة إيران وسهولها الخضراء .. اضافة بالطبع إلى حواريها الضيقة، والانهر الساكنة الغارقة في الضباب، كانت تعتمد على البلاغة الرمزية، والصمت والسرد الهادئ، ويرجع سبب فتنتها انها لم تعتمد على الزخرفة، إذ كانت سينما تأمل ذات ثيمة بسيطة وسهلة، تستعين بكوادر محدودة من عامة الناس من الذين يعشقون السينما أو من الذين يصادف وجودهم في مكان تصوير الفلم أي فلم، ثم تزينها بوجوه من الممثلين المحترفين.

5
قدرة المرء على التعبير عن نفسه بشكل جيد توصله إلى نتائج باهرة، هذا ما ادركته السينما الإيرانية على وجه الدقة . و تتبع الطرق التي يمر عليها الإنسان بشكل يومي والاستثمار بها بصريا، عبر هذه الطرق، ينتج فنانو إيران أفلاما رائعة و جيدة تظل في الذاكرة .
لا يوجد شيء فائض عن الحاجة، النخلة اساسية والغراب الذي يقف على الشجرة بفخر . الإنسان والحجارة . التراب ومسير النمل حين يلتم على جثة كلب أو ما شابه .. أشياء كثيرة لسنا بوارد ذكرها الآن تحتل اماكنها من قبيل التفاؤل، لا تفتقد السينما الإيرانية إلى الغموض بقدر ما تفتقد إلى نقيضه . على الرغم من انها في جوهرها سينما مضمرة، كما التواضع من مميزاتها الجمالية الكبيرة فضلاً عن انها سينما ساكنة هادئة وحميمية . سينما استحضار لحياة لم تعش كما ينبغي كذلك كونها سينما طفولة يتتبعها الشيوخ من امثالنا .

6
كيف قدر لسينما لا تمتلك أدنى ما يمكن من الحضور الشعبي والدولي، ان تقفز وان تكون قفزتها مصدر دهشة العالم، على الرغم من انها لم تكن سينما تقنية، محكومة بمحليتها وافتقادها إلى السوق وإلى مصادر رأس المال ، تتحكم بها طبقة اليغارشية متزمتة تنحصر آليات عملها بعدد قليل من الارشادات التي تغلق باب الامل بوجه أي مخرج طموح وتسلبه حرية العمل ،اعتقد ان ابرز عوامل نجاح السينما الإيرانية وانتشارها عالميا انما يكمن في قوة وعيي مخرجيها، وثقافتهم العالية، الثقافة العالية توجد الحلول، وتفتح الابواب المغلقة على الخيال . ايجاد الحرية من نقيضها، يبدو هذا هو جوهر عمل المخرجين هناك، انهم يبحثون عن الجمال في اكوام كبيرة من القش، بميزانيات محدودة وخيال رحب واحساس عال، يتمكنون دائماً من ايجاد (بؤر جمالية) نائمة في البنايات المتهالكة والواح الخشب واسلاك الكهرباء التي تنام في الضباب .

7
قبل سنوات قدر لي ان اشاهد استعدادات و تحضيرات تصوير مشهد من فلم لمخرج عراقي كبير اخرج كومة من الأفلام الرديئة التي صرفت عليها الدولة ما يعادل ما صرف على الأفلام الإيرانية منذ وجدت . راقبت الرجل بكثير من الفضول ، كان يريد ان يصور مشهدا في معهد الدراسات النغمية، المعهد الذي عملت به لسنوات، كان يبحث عن اماكن تناسب تصوير فذهب إلى مصطبة واختار اكثر الاماكن رداءة ليصور بها وترك تلك الاماكن التي وضع الزمن تصدعاته عليها، أنظر إلى كمية البؤس قلت لمرافقه ثم فكرت بعباس كيارستمي وقلت لحالي – آه لو قدر لكيارستمي ان يكون بديلا لهذا المخرج لذهب اذن إلى الشجرة الغريبة المنعزلة، في زاوية البناية الكبيرة ولتوقف امامها مطولا، ولركز على درب النمل على جذعها وتصدعات ليفها، ولجلبت تلك الشقوق التي في جدران البناء والظلال الحزينة انتباهه أيضاً، هذا هو الفرق بين فنان مرهف مثقف وعميق وبين فنان مرتزق يفكر ببطنه وجيبه، وخياله لا يتجاوز حدود انفه على الرغم من الميزانية الكبيرة التي وضعت تحت يده .

8
متى سيدرك صناع السينما عندنا ان السينما ليست مجرد ” صراع أيديولوجيات ” كما يقول سلافوي جيجيك بل شدة من الفنون التي تجمع الصورة إلى الموسيقى والعمرنة إلى الشعر .

أفلام علامات

ستحملنا الريح بعيدا، اين منزل الصديق، عبر اشجار الزيتون، لقطة طويلة، طعم الكرز، لكاريستمي ،السبورة، لسميرة مخلباف، جمعة، لحسن يكتنابا، وقت للخيول المخمورة، لبهمان قوبادي، التفاحة، لسميرة مخملباف التي تسمى موزارت السينما الإيرانية .
في 15 أيلول 2016 اجتمع في مدينة نيويورك عدد كبير من الفنانين المعجبين بعباس كياروستمي الذي كان قد توفى قبل هذا التأريخ بعدة ايام من اجل الاحتفاء بذكرى رحيله وبمنجزه، الذي عدّوه فريدا من نوعه ومؤثرا، خاصة ان الرجل لم يكن مخرجا فحسب، بل كان شاعرا ومصورا وكاتب سيناريو من طراز خاص . نظم الحدث اصدقاؤه بيتر سكارليت ونازي بيجلاري بهدف التحدث بأبسط طريقة ممكنة عن الرجل وانجازاته، وشمل المشاركون مارتن سكورسيزي و جيم جارموش بينما ارسل آخرون غير قادرين على الحضور، مثل روبرت دي نيرو و ايرول موريس كلمات مؤثرة في مديح الرجل الغائب اتليت نيابة عنهم بسبب تعذر حضورهم . كانت كلمة سكورسيزي هي الكلمة الاطول الذي قال إن: ” .. السينما الخاصة به تدل بالنسبة لي (أي لسكورسيزي ) هي شكل من اشكال العبادة انها عمل من اعمال الايمان لقد تعرضنا لصدمة مدمرة منذ ان علمنا برحيل هذا الفنان العظيم ” كما أبدى اعجابه الشديد بثلاثية كيارستمي” وفلم كلوز اب ” الذي اثر فيه ابلغ الاثر . بالحقيقة ان الاحتفاء بكيارستمي هو احتفاء بهذه السينما التي اعادت إلى الفن السابع وجها فقدته منذ سيادة العولمة وهو وجهها الإنساني، وجهها الطفولي .

9
السينما بوصفها فنا محضا، والسينما بوصفها خطابا موجها، لا يتعارضان في طبيعة مآلاتهما النهائية و مغزاهما، لأن ثمة خطاب ثقيل وصلب وثمة خطاب سائل وهش، ثمة خطاب مرن وثمة خطاب مضمر، كلاهما يلتقيان في مصب واحد دائماً وابدا، لهذا نقدر ان نقول ان السينما بصفتها خطابا لا تتعارض مع طبيعة فعل الخطاب الذي تنتجه تلك الصور السينما او السينما بشكل عام، لأن الافكار تلتصق بكل فعل، بصرف النظر عن هذين المآلين ( السينما بوصفها خطابا محضا والسينما بوصفها خطابا موجها ) و لأن الامور لا تجري في مكانين مختلفين أيضاً، يطيب للبعض ان يتحدث عن السينما الإيرانية على اعتبارها سينما اطفال وهي” تستغل الاطفال لتحسين صورتها امام العالم ” هذا الكلام سبق ان قرأته في مادة كتبتها الصحفية فاطمة المحسن في تعليق على صفحتها الشخصية ،كانت تتحدث عن السينما الإيرانية بصفتها مجرد ملصق او اعلان سياسي يتم استغلاله والاستفادة منه سياسيا و ايديلوجيا على الرغم من ان المحسن لا تنتبه إلى شيوع ظاهرة السينما بصفتها اداة تغيير مرنة لطرق التفكير في العالم كله الا حين يتعلق الامر بإيران، طبعا المحسن لم يخطر ببالها تلك الأفلام العظيمة التي انتجت للكبار والأفلام السوداوية التي انتجت في اوقات مختلفة قبل الثورة الإيرانية، وبعدها مثل الفلم الرائع ” حياة ساكنة” ” البقرة ” ” عاصفة مطرية”أو” الساعة الخامسة والعشرون” ” والعداء” و”الأبد ويوم واحد “” شيرين وفرهاد ” و”كلوس آب” و”شجرة الزيتون” و”طعم الكرز” و”كراسة الرسم”” اليوم الذي مات فيه بوذا من العار” ” اغنية العصافير “” انفصال نادر عن سيمين “” البائع ” ” المفتاح “” الماء والريح والتراب “”اطفال السماء””المطر”” لون الجنة “ميم مثل ماما “”الفرس” السجادة “.” رائحة قميص يوسف “” المقاطعة “” العين الزجاجية” ” المروج البيض”… هذا اضافة إلى أفلام الضد التي تكاد ان تكون أفلام معارضة في جوهرها اضافة إلى الأفلام التي انتجت خارج إيران في أوقات مختلفة ، بالحقيقة ان ما يميز أفلام إيران انها منفتحة وليست منغلقة كما انها سينما شجاعة ولا تجامل وهذا التناقض الذي يبدو ظاهريا بين مجتمع يبدو متزمتاً ومنغلقاً بصفته يمثل ولاية الفقيه وما شابه، لا ينتج أفلاما تحمل هذه السمات وهذا ما يصيب بعضهم ومنهم المحسن بالحيرة لهذا يفضلون ان ينقلون سبب نجاح تلك الأفلام إلى جهة أخرى ثانوية
هل السينما الإيرانية سينما هامش؟ الاجابة انها كذلك بسبب انها تعتمد بنيويا على الثيمة الشعبية ، و الاليات البسيطة والسهلة، كما تعتمد على النساء، والصغار، ونجوم الهامش، وغير المحترفين، كما تعتمد على اللقطات البعيدة ،والبطء في تتبع نمو الحد ث، و لا تبالغ في الديكورات، و الاكسسوارات، ويتم تصويرها عبر كاميرات زهيدة الثمن، وثمة وشائج كثيرة بينها وبين الأفلام الوثاقية، التي تجتر وجودها من وظيفتها، فهي سينما وظيفية تعنى بإيجاد حلول وطرح اسئلة، فضلاً عن كونها سينما جمالية تتبع خطى سينما فيرتوف .. مشحونة بالحياة، وتحمل في طيات اشرطتها الكثير من الشعر الإنساني العميق، وهذه الظاهرة قلما نجدها في سينما اليوم للأسف على الرغم من انها كانت شائعة في السينما الإطالية الواقعية وفي السينما التعبيرية الألمانية والسينما السوفيتية لكننا فقدناها إلى الأبد بسبب سيادة الفراغ وطغيان ثقافة التسلية و بسبب الهيمنة العدمية للتقنية ،لقد اصبح هذا الفن الذي يعتمد في وجوده على الصورة يعمل في مجال التجريب والفراغ الذي لا يقول شيئاً لهذا يلجأ اليوم إلى آليات الابهار والادهاش التقني لهذا انتهاء فن الأداء او حل تاليا بعد سيادة السطح وتهميش العوالم الخلفية للحياة .
ان سبب هبوط مستوى السينما في العالم وتقهقرها يرجع إلى الاحساس بالعار والتخفي خلف رتوش واقنعة تخالف طبيعة عمل السينما الإنساني الطفولي في جوهره لهذا تتخفى بشكل كامل خلف الحضور الطاغي للسطح .

10
السينما الإيرانية على الرغم من انها لا تتجاوز ضغوطات الايديولوجية الا انها سينما صمت بليغ سينما انسان وليس سينما وحش ينبغي رعايته من اجل الايديولوجية أيا كانت وجهتها، سينما تهتم بإعادة خلق الإنسان سينما تهتم بروحه و جوانيته تهتم ب مشاكله الظاهرة والقسم كبير مما تعالجه استعارة كونية لإنسان حي يكافح أيا كان جنسه وهويته، لهذا تحظى هذه السينما اليوم بالكثير من التقدير والانتشار، بالحقيقة لقد اعادت السينما الإيرانية للسينما جزءا كبيرا مما فقدته في سنوات ازدهار العولمة وغياب الدولة الوطنية. من المفيد ان اذكر هنا ان لكل سينما منطلق تعتمده منهجا لمسيرتها والسينما الإيرانية اضافة إلى كل ما تقدم تنطلق من محور شعري بسبب سيادة الألوان في السجاد الفارسي وتنوع الطبيعة وانفتاحها .

خاتمة
العامل الابرز لتطور السينما الإيرانية يعود لظاهرة تزايد المخرجين الكبار اصحاب الثقافة الرفيعة . وجود مخرج واحد لا يقدر ان يتكفل بمهمة انهاض وتقويم سينما دولة بكاملها، حتى إن كان هذا الفنان “ساجيت راي” الذي صنع أفلاما عظيمة لكنه للأسف لم يصنع سينما هندية عظيمة فمخرج واحد غير كاف لصناعة سينما هندية عظيمة، يعوزنا كومة من ” ساجيت راي” ليقوموا بهذه المهمة . في السينما الإيرانية حدث العكس كان لدى إيران هذه الشدة الذهبية التي صنعت هذه المرتبة العالية لهذه السينما التي كانت وحيدة و معزولة بشكل عدائي . لقد توجب انتظار سنوات ليتجاوز العالم تصوراته المغلوطة عن السينما الإيرانية، التي كانت تعد سينما (عالمثالثية) متخلفة ورجعية، واحتجت انا إلى ان اتجاوز عدد كبير من السنوات لتجاوز تعلقي بسينما المتن التي كانت ابهارية ومتصنعة غالبا . سينما برجوازية،آلية، عقيمة في مجملها، وخالية من الروح التي كنا نجدها في سينما” ساتيا جيت راي” وفي فلمه الرائع “انشودة الطريق “وأفلام اكيرا كوروساوا، تاركوفسكي وبعض المخرجين الروحانيين . لقد انتظرت طويلا لتعلمني الحياة كيفية ان اكون موضوعيا لتجاوز تلك السينما التي كان ينبغي ان تتبنى الحس الرثائي، واخيرا ينبغي ان نشيع هذه الحقيقة المسكوت عنها لدى الكثيرين ان السينما الإيرانية سينما واعية تدهشنا امانتها وايقاعها فهي سينما لا تتوقف عند سطح الحياة، لقد اثبتت السينما الإيرانية انها سينما يسار مثل أي سينما عظيمة بحكم كونها سينما مثقفة تقف مع الإنسان، وتتبنى قضاياه على عكس ما يقال ويروج له من قبل اعلام يمين اليمين ويمين اليسار الذي يعمل في خدمة المؤسسات تلك التي تتبنى أطروحة الهيمنة التي تمولها الشركات الاحتكارية، ومعامل الاسلحة التي تضع القواعد والخطوط الحمر لكل شيء في هذا العالم عبر هيمنتها الثقافية، وتحكمها بحركة السوق بوساطة قوة الدولار، وقواعدها التي تنتشر على سطح الكوكب.

قائمة ببعض صناع السينما:/
داريوش مهرجوئي – بهرام بيضائي -عباس كيارستمي – سهراب ساليس- اصغر فرهادي – مجيد مجيدي – ابراهيم كلستان – تهيمنة ميلاني – رخشان بني اعتملد – سميرة مخملباف – امير نادري – محسن مخملباف –بهمن قبادي – جعفر بناهي – مرضية مشكيني – محمد رسولوف – ابراهيم فروزش -مسعود كيميايي- ” ابي الفضل جليلي “شيرين نشاط- ابراهيم حاتمي كيا- فرهاد سافينيا – برويز شبهازي- هومن سيدي- علي حاتمي – مسعود ده نمكي – محمد حسين مهدويان -ايرج طهماسب- كمال تبريزي -علي حاتمي- خسرو سينائي – رسول ملا قلي بور ” “حسين قاسمي جامي ” ” علي زكان “-
ومن الممثلين عزت الله انتظامي – بيمان معادي – باران كوثري – برويز برستوئي – نكار جواهريان – سوسن تسليمي – نويد محمد زادة – هادي حجازي فر – حميد جيلي- رضا ناجي- شهاب حسيني – ليلى حاتمي – نيكي كريمي – نرجس محمدي- افسانة باكر- ريحانة بارسا – اكبر عبدي- ترانة عليدستي – ميريلا زارعي – مهدي هاشمي- ديانا حبيبي – بروانة معصومي – برويز فنيزاده – محمد علي كشاورز – جمشيد لايق – رقية شهرة ازاد – كلشيفته فراهاني –همايون ارشادي- محمد ريزا شعبان نوري- نعمت الله غورجي -جهانغر ميرشيكاري- جعفر بزركي.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.