قراءة في رواية “أميلكار” لشوقي الأجنف..
بقلم: فتحي الرحماني*
تمهيد:/
يقدّم شوقي الأجنف اسمه ككاتب تونسي يطرح أولى تجاربه الأدبية من خلال رواية تحمل طابعًا تاريخيًا تسجيليا. فبخبرة طويلة في مجال التصميم والإنتاج المرئي، يحاول المؤلف الشاب أن ينقل لنا معرفته العميقة بخبايا الصورة ومكوناتها إلى عالم السرد الأدبي، ليقدم تجربة جديدة تمزج بين الكتابة والحركة بشكل متناغم. روايته الأولى هذه، هي ثمرة شغفه بالتاريخ وفهمه العميق للدراما البصرية،حيث يستعرض من خلالها حقبة مميزة من تاريخ قرطاج، مع إحياء شخصيات تاريخية بأبعاد إنسانية نابضة بالحياة”. (من تقديم الرواية للناقد حكمت الحاج).
1/ المسمار والتميمة:/
يُنسب إلى الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف قوله “إذا علّق البطل مسمارا في بداية القصّة فيجب عليه أن يشنق نفسه عليه في نهايتها”، وهي قولة تلخّص بكثير من التكثيف والإيحاء الحبكة القصصيّة المحكمة ووظيفة الأشياء- مهما بدت بسيطة – في بناء النصّ السردي. ويبدو أنّ الكاتب التونسي شوقي الأجنف وهو يستلهم سيرة الأب أميلكار والإبن حنّبعل من تاريخ قرطاج في رواية “المهد” و”العهد” قد أعاد إنتاج “مسمار تشيخوف” في “تميمة العرّافة الإيبيرية”، إذ تتلخّص كلّ الحكاية في تلك النبوءة وتلك التميمة التي وضعتها العرّافة العجوز في كفّ حنّبعل في الصفحة 97 من الرواية: “فتقّدمت العجوز نحو القائد وهي تمّد كلتا يديها متحسسة وجهه بكفّيها، ثّم أخذت تقول بنبرة أشبه بالصياح:
ستبكي السماء حتى تعود لبايتيس- أكبر أنهار إيبيريا – تنزل إليه فيرتفع ظلّك..تنزل إليه فيرتفع ظلّك. ثّم سكتت العجوز برهة وبدأت تدور حول نفسها وتلتفت يمنة ويسرة،وكأنها تبحث عن أحد وسط دهشة الجميع، وأخذت تتحّسس وجوه رفقاء أميلكار الواحد تلو الآخر حتى بلغت حنّبعل، وقد تجّمد دون حراك عندما بدأت العجوز بملامسة وجنتيه ومنها انتقلت إلى يديه بلغت كّفيه،فقالت وهي تبتسم في نبرة حنونة: لا بأس يا صغيري، سيندمل هذا الجرح، وسيفتّت هذا الكفّ الصخر الأبيض،سيحرسك هذا. ثّم أحسّ حنّبعل بالعجوز تضع له شيئا في كفّه، وتضّم أصابعه عليه قبل أن تغادر ..”
ليقرّر حنّبعل بعد الانصراف أن يفتح كفّه فيجد فيه تلك “التميمة” التي هي عبارة عن “تميمة صغيرة من العاج الأبيض في شكل حيوان منحوت بعناية فائقة.لم ير هذا الحيوان من قبل،فهو بأربع قوائم كالحصان، ولكنّ رأسه ضخم وله أنياب طويلة بارزة يتوسّطها خرطوم طويل. لقد أحبّ شكل هذا الحيوان الغريب،ربّما لطرافة بنيته الضخمة، ولكنّه أحسّ بأّنّه يُخفي وراء ذلك سرّا ورهبة”. تلك التميمة التي ستحدّد مستقبله وستُلهب خيال القارئ ليستبق أحداث الرواية ويستدعي صورة حنّبعل من المستقبل وهو يُحّول تميمة الفيل العاجي إلى فيلق من الفيلة الضخمة يعبر بها جبال الألب ليطبق على روما كالكمّاشة. تلك التميمة/النبوءة ستتجسّد في مشهد ملحمي في نهاية الرواية يتّحد فيه الأب أميلكار والابن حنّبعل وهما “ظهرا لظهر يُقاتلان كأنّهما سيفين وقلبين لروح واحدة في مواجهة الموت “- ص258، وهو مشهد شبيه بسباق التناوب إذ يتسلّم فيه حنّبعل “الشاهد” من أبيه أميلكار ليبني مجده الخاصّ وليكون سببا في استئناف الحروب البونية بين قرطاج وروما.
2/ محاذير الكتابة التاريخية:/
لا يخفى الجهد الكبير الذي بذله الكاتب شوقي الأجنف في التنقيب عن تفاصيل تلك المرحلة التاريخية، إذ نجح الكاتب في أن ينقلنا بطريقة سلسة إلى سنة 241 ق.م وأجواء قرطاج بعد الحرب البونيقية الأولى، ولم يُغفل أدقّ التفاصيل سواء في الملابس أو الأدوات أو الأثاث أو الجغرافيا أو المعمار والموانئ والأسواق، كما حفر عميقا في بنية المجتمع فكشف عن طبقاته من تجّار ونوّاب وحرفيّين وجنود وكهنة وقادة، بل نجح في إماطة اللّثام عن العلاقات والتحالفات المتشعبة في هذا المجتمع من ذلك قول أميلكار موجّها حديثه للتاجر سودار وآشمون مساعد الكاهن في ص19 “أنا لا أستبشر خيرا عندما يُعانق المال أعمدة المعبد” . ومنها التلميح إلى تحالف بعض النوّاب مع طبقة التجّار في الفصل (3) ، ومثاله أيضا كلام القائد هانو مخاطبا أميلكار في ص145 ” ها أنت تُذكّرني بأبيك لطالما كان يؤمن بأهميّة الحاضنة الشعبية والقرب من الطبقات الكادحة”…
غير أنّ الأهم – في نظري- من هذه التفاصيل التي وظّفها الكاتب في تأثيث حكايته، هو قدرته على “السّير على حبل مشدود” إذ لم تتحوّل هذه التفاصيل إلى مجرّد مادّة تسجيلية توثيقية، بل استطاع الكاتب أن يصهرها في بوتقة السرد ولم يمنعه حضورها من بناء حبكة روائية متماسكة ومتينة.
ومن المزالق التي نجا منها شوقي الأجنف أنّه لم يقع فيما وقع فيه كثيرون من كتّاب الرواية التاريخية ونعني الفانتازيا من جهة والإسقاط من جهة ثانية، أمّا الفنتازيا فتعني التصرّف والتضخيم وحتّى قلب الوقائع إن اقتضى الأمر كلّ ذلك في عالم من الخيال الجامح والأجواء السحرية والخرافية الغرائبية والفضاءات الوهمية العجيبة، وبمقتضى ذلك يفقد الأبطال أبعادهم التاريخية والواقعية ويتحوّلون شيئا فشيئا إلى كائنات خارقة وهو ما تجنّبه الكاتب، فحتّى الانتصارات والمعارك والمغامرات التي خاضها أميلكار بطل الرواية في البحر والبرّ لم تخرجه عن صورة المحارب الشرس والقائد المحنّك وأبقته دائما في دائرة البشري الفذّ من دون أن تدفع به إلى مدارات أسطورية . كما أنّ الكاتب اعتمد على مادّة تاريخية “عالمة” في بناء روايته ولم يستند إلى المخيّلة إلا فيما يقتضيه الإبداع الأدبي والبناء الفنّي.
وأمّا الإسقاط التاريخي فهو أحد المحاذير الأخرى التي نجح الكاتب في تجنّبها. فهو استطاع تحويل مادّة تاريخية إلى مادّة روائية. فالتاريخ يقدّم للروائي خليطا من الأحداث والمواقف والأبطال ولكنّها تظلّ في حاجة إلى صياغة فنيّة تُحكم الربط بينها وسدّ ثغرات التأريخ الموضوعي، فالسرد الروائي للتاريخ هو بمثابة “محاولة لملء وترميم تلكم الثغرات والفجوات والهوامش المنسية، وإضاءة المناطق المُعتمة بواسطة الفنّ”، وهذه هي الحدود الفاصلة بين المؤرّخ والروائي: فالأوّل يتجرّد من كلّ عاطفة بينما الثاني لا يكتفي بدراسة التاريخ في سياقٍ موضوعي، بل إنه يخلع عليه شيئًا من ذاتِه عن طريق خياله الأدبي فيُطعّم المادّة التاريخية في الرواية بالعاطفة والوجدان والدراما التي تسدّ النقص الذي يفتقر إليه النصّ التاريخي عادةً فيقدّم الروائي بذلك البُعد الغائب في الكتابة التاريخية، وهو البُعد العاطفي والوجداني الذي تسكت عنه المصادر التاريخية عادةً، وقد ذهب الكاتب شوقي الأجنف بعيدا في بناء شخصياته وخاصّة أميلكار بناء دراميا من خلال الزجّ به في أتون صراعات داخلية (مواجهة الخيانة والتآمر) وصراعات خارجية (أطماع روما) ومشاعر متضاربة، كما تمّ تطويع المادّة التاريخية دون إساءة إليها وإعادة إنتاجها في بناء نصّ روائي يرصد التاريخ في تفاصيله الصغيرة وفي بعديه العمودي (تاريخ الحكام والقادة) و الأفقي (تاريخ الطبقات والمجتمعات) وهو ما عبّرت عنه رضوى عاشور بالقول “الروائي له قدرة كبيرة على اصطياد التفاصيل ومنها روائح المكان وجراح الزمن، وبفضل خياله الخصب يخرق كل الحدود التي يقف عندها المؤرخ عاجزا” .
وبذلك يمكننا القول إنّ الكاتب في هذه الرواية قد مزج بين نوعين من الرواية التاريخية: النوع الأول تعيدك فيه الرواية إلى التاريخ بكل تفاصيله وطقوسه، وكأنها تردّك إلى الحياة فيه. أما النوع الثاني فإنه يستعيد المناخ التاريخي فقط ثم يترك لنفسه قدرًا من الحرية النسبية داخل إطاره. وبهذه الطريقة من المزج تجنّب شوقي الأجنف محذورا آخر في الكتابة التاريخية هو الإسقاط الذي يحوّل المادّة التاريخية إلى مجرّد وجهة نظر أو “ليّ عنق” التاريخ ليعبّر عن راهن أو يصبح مساحة لاستعراض مقولات ليست من طبيعته في شيء. إنّ الإسقاط هو أن تفرض على النصّ أن يقول فلا نسمع صوت التاريخ بقدر ما نسمع صوتك الخاصّ بينما نجح شوقي الأجنف في جعل نصّه يقول دون فرض ولا إكراه خاصّة حين تعمّد أن يهديه للتاريخ نفسه،وهكذا ظلّ صوت التاريخ يزاحم صوت السّارد على امتداد الرواية.
3/ السرد الروائي والسّرد السينمائي:/
وظّف الكاتب شوقي الأجنف ثقافته في مجال السينما والصورة في كتابة هذه الرواية، إذ نزع في أغلبها إلى اعتماد ما يمكن أن نسمّيه السرد السينمائي الذي يتأسّس على نظام حكي مبني على توالي اللقطات والمشاهد، فهو سرد يتحقّق عن طريق متواليات من الصور والمواقف ويكاد يكون سردا بصريّا يُعطي الانطباع بأنّ عين السارد أشبه بعين كاميرا تتنقّل بين المشاهد والأمكنة العامة (ميناء قرطاج، روما، ملقا…) والخاصّة (معبد، شرفة قصر، مشغل نجّار أو خزّاف، سوق…) فتلتقط الأحداث دون أن تسمّيها (خاصّة في الجزء الأوّل من الرواية) في نوع من التلميح والإيحاء لتترك للقارئ فرصة ربط المشاهد بعضها ببعض واستخلاص ما سيقع من أحداث، ومثال ذلك أنّ السارد حين يسلّط الضوء على خنجر الغريب وعُملته الفضيّة في المشهد (4) من الفصل (1) يجعلنا ننتبه مع الحمّال يُوبا إلى خيوط المؤامرة التي تحيكها روما ضدّ قرطاج، وتدفعنا إلى توقّع ما سيجري من مواجهات.
ولا يقف الكاتب عند هذا الحدّ في كتابته المشهدية، بل يوظّف تقنيات سينمائية أخرى في روايته من بينها:
* الكادراج:
يعتبر الكادر أو عملية الكادراج من الألفبائيات في العمل السينمائي ويعني من الناحية التقنية ذلك الإطار البصري الذي يختاره المصوّر أو المخرج للتركيز على مشهد محدّد وتوجيه المتفرّج للاهتمام به، وهي تقنية متواترة في هذه الرواية إذ يُشكّل تقسيمها إلى فصول وكذلك تقسيم الفصول إلى وحدات نوعا من الكادراج البصري الذي يحتضن الأحداث خاصّة وأنّ الكاتب فصل بين هذه المشاهد والوحدات بعلامات (هكذا***) هي أشبه بالفواصل المعتمدة في الكادراج السينمائي أو التلفزيوني حتّى بدت الرواية وكأنّها شريط سينمائي مكوّن من لقطات متتابعة تتشابك فيها الأصوات والأفعال والأضواء، الأمر الذي يعزّز تحوّل السرد الروائي إلى سرد سينمائي.
اللقطة الكبرى واللقطة العامّة:
يعتمد الكاتب تقنية اللقطات السينمائية فراوح بين ما يسمّى “اللقطة الكبرى” التي يتمّ توظيفها لتسليط الضوء على تفاصيل دقيقة تهمّ حدثا أو شخصية و”اللقطة العامّة” التي توفر سياقًا شاملا للمشهد. فقد استهل شوقي الأجنف أغلب فصوله ومشاهده بلقطات عامّة تحدّد الإطارين الزماني والمكاني وهي لقطة تأسيسية تظهر في البداية،وتهدف إلى وضع المشاهد/ القارئ في السياق العام للحكاية،من خلال تأطير شمولي يشمل منظرًا عامًا أو مكانًا من مسافة بعيدة أو ديكورًا واسع المساحة يمكن للشخصيات أن تتحرك داخله. إنها لقطة تشمل مجموع المشهد،وصفية صرف في الغالب ومن أمثلتها التنقّل من فضاء ميناء قرطاج في الفصل (1) ومنه إلى المعبد ثمّ إلى قصر أميلكار وفي بقية المشاهد يكون التأطير متدرّجا من ساحة كبيرة صباحا إلى مشغل الخزّاف والشمس تشارف على الغروب في حين ينتقل بنا السارد في بداية الفصل (2) إلى ملقا ليجعل ميناءها وحانتها ومناجمها أطرا للأحداث، وأحيانا ينقلنا السّارد في فصول أخرى إلى روما..
بينما تظهر ” اللقطات الكبرى” أو “اللقطات الكبيرة جدّا” عندما يسلّط السارد الضوء على أفعال أو ملامح أو مشاعر بعينها كما هو الحال في مشهد “الوليمة” في الفصل (2) حين يتمّ التركيز على اقتحام الحفلة وقتل الحرّاس واحتجاز الضيوف، أو حدث “الاغتيال” في الفصل (4) حين يمتلئ المشهد بتمثال “بعل” الذي سيسقط في النهاية ويقتل كبير الكهنة بدل أميلكار، أو حين يتمّ “التبئير” على شخصية حنّبعل وهو يعبث بعربة التاجر سودار ،أو حين يتمّ تضخيم بعض الأشياء ذات الدلالة مثل الخنجر الروماني والشريط الذهبي الذي سيكون رمزا للغدر والتآمر أو السيف الفولاذي القرطاجي “الفالكس” (الفصل 6) في إيحاء لما سيكون عليه حنّبعل في المستقبل.
* المونتاج:
من التقنيات السينمائية الواضحة في هذه الرواية ما يسمّى “المونتاج” وهو عمل تنسيقي تجميعي يجمع بين القصّ والتركيب، وهذه التقنية لا تقلّ إبداعا عن الإخراج والتصوير في السينما. ونحن في هذه الرواية نجد شوقي الأجنف يقوم بهذه الأدوار جميعها فهو يجمع بين الكتابة والتصوير من جهة والإخراج والمونتاج من جهة ثانية.
ولعلّ أوّل تجليات المونتاج في روايته اعتماد نظام الفصول والمشاهد: فالرواية مكوّنة من 4 فصول ينقسم كلّ فصل منها إلى مشاهد وتحتوي هذه المشاهد مناظر أو وحدات صغرى هي أشبه باللقطات السينمائية، ولكنّ هذا التفريع والتقسيم لا يحجب خيوطها الناظمة التي أشرنا إلى بعضها أعلاه في العنصر الأوّل، فهي مشاهد متفرّقة في الظاهر وهي في الباطن تكوّن نسيجا روائيا شديد التماسك. فالتقطيع يسمح للكاتب بالتحكّم في نسق حبكته الروائيّة وإيقاع الأحداث ووتيرة تصاعدها.فمن المشاهد الجزئية يشكّل الكاتب مشهدا عامّا ويبني برنامجه السردي. وهذه المشاهد لا تنقل الأحداث فقط ولكنّها تتشكّل من عناصر أخرى أيضا كالإضاءة والألوان (أشعّة الشمس، خضار بين زرقتين مع مسحات زمرّدية في الفصل 7) والأصوات (أصوات النوارس،جلبة البحّارة والمسافرين، قعقعة السيوف في المعركة..) والشرفات والأماكن المغلقة (غرفة الخلاص في المعبد، مشغل الخزّاف أو النجار مثلا) والأماكن المفتوحة ( الميناء، عرض البحر،غابات الصنوبر..)،ذلك أنّ النصّ كما يقول الناقد والكاتب الفرنسي آلان روب غريّيه ” لا يتكوّن من الكلمات فقط وإنّما أيضا من الضوضاء والأذواق والمشاعر والروائح والأصوات”.
هذه المشاهد تجسيد لنوع من التقطيع الفنّي المسمّى سينمائيّا بالمونتاج وهو ما أتقنه شوقي الأجنف إتقانا كبيرا، إذ مزج بين أنواعه المختلفة ومنها:
المونتاج المتسلسل أو الخطّي أو التتابعي: وهو مونتاج بسيط يقوم على تقديم الأحداث في تسلسلها الزمني ترجمته في الرواية فيما نسمّيه بالسرد الخطّي الذي يتابع أطوار الحكاية من “المهد” إلى “العهد” فينقل لنا سيرة بطل من أبطال قرطاج الذين تركوا بصمتهم في التاريخ من لحظة قرار مواجهة المخاطر وانتهاء بمعركته الملحمية الختامية، فتتتابع المشاهد في نسق تصاعدي يؤدّي هذه الوظيفة من كتابة رواية هي عبارة عن “سيرة غيرية”.
المونتاج المتوازي: وهو تقنية مونتاج تتيح عرض أحداث مختلفة في نفس الوقت، مما يخلق شعورًا بالتشويق أو التوتر، وقد لجأ الكاتب إلى هذه الطريقة كثيرا فنراه يتنقّل في مشاهده وفصوله بين قرطاج وروما (خاصّة في مشاهد الفصلين 3و4) بما يخدم بناء الصراع في الرواية ويعمّق الإثارة فيها خاصّة وأنّ القارئ يدرك مسبقا أو من خلال الأسطر الأولى في الرواية وجود هذا الصراع بين الطرفين.
المونتاج الديالكتيكي أو الجدلي: وهو تقنية مونتاج يعتمد على فكرة الصراع بين الأفكار أو اللقطات، مما يؤدي إلى توليد معنى جديد أو تأكيد لموقف معين. ويتضمن هذا المونتاج استخدام مجموعة من اللقطات المتضادة أو المتعارضة، ومن مظاهره في الرواية ما نجده مثلا في المشهد الأول من الفصل (1) عندما يدير المخرج/الكاتب أو المصوّر/ السّارد الكاميرا من ميناء قرطاج إلى “تلّة بيرصا” حيث قصر أميلكار ومعه يتمّ الانتقال اجتماعيا من الهامش (الحمّال يوبا) إلى عالم القادة والسادة. ويتكرّر الأمر عندما يجمع الكاتب في مشهد واحد بين تاجر القماش سودار والعجوز بائعة التين الشوكي في مواجهة انحاز فيها الطفل ذو السبع سنوات حنّبعل للعجوز واشتبك مع التاجر في رسالة تكشف التركيبة الاجتماعية وصراع الطبقات في قرطاج آنذاك وتلقي الضوء على ميول حنّبعل باعتباره قائدا مستقبليّا.
تبدو رواية الكاتب التونسي شوقي الأجنف جدلا بين التاريخ والإبداع، في مضمونها الحكائي، ونموذجا للتفاعل بين الكتابة الروائية والكتابة السينمائية في أدواتها وتقنياتها بما يرشّحها لتتحوّل إلى فيلم تاريخي متكامل خاصّة وأنّ الكاتب قد نجح في تجاوز المأزق الذي عبّر عنه الفرنسي آلان روب- غريّيه في التوفيق بين الكتابة والسينما في قوله “لم أولد كاتباً. المخرج والكاتب، يلغي أحدهما الآخر، وفق النشاط الذي تجري ممارسته. وربّما استطعت القول: إن السينمائي لا علاقة له بالكاتب؛ فأنا عندما أمارس الإخراج أنسى أنني روائي.” إذ كتب شوقي الأجنف بعين المخرج وتوفّق في المزاوجة بين الصفتين.
أضف تعليق