بقلم: حكمت الحاج *
يُعد كتاب “نزهات في روما” (بالسويدية: Promenader i Rome) الصادر مؤخرا عن دار نشر خويسالا فورلاغ، من الأعمال المميزة للكاتب الفرنسي ستاندال (الاسم المستعار لهنري بيل، 1783-1842)، والذي يختلف في طبيعته وأسلوبه عن أعماله الروائية الشهيرة مثل “الأحمر والأسود” و”صومعة بارما”.
وجاء هذا الكتاب الهام في سفر ضخم بواقع 782 صفحة، قامت بترجمته من الفرنسية، ووضع ملاحظاته وحواشيه، مارغريتا زيترشتروم.
نُشر كتاب “نزهات في روما” لأول مرة عام 1829 في مجلدين كبيرين. ومثل هذا العمل دليلاً سياحياً شاملاً لمدينة روما، مكتوباً بأسلوب يوميات تبدأ من 3 أغسطس 1827 وتنتهي في 23 أبريل 1829. يغطي الكتاب المعالم والكنائس والفنون في روما، مع تركيز خاص على أعمال رافائيل ومايكل أنجلو المفضلة لدى ستاندال. ويمكن تصنيف “نزهات في روما” ضمن أدب الرحلات، مع عناصر من المذكرات الشخصية والتحليل الفني والتاريخي. يختلف هذا العمل جوهرياً عن روايات ستاندال الواقعية التي تركز على تحليل نفسية الشخصيات وتصوير المجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر.
يتميز كتاب “نزهات في روما” بالوصف التفصيلي للمعالم الرومانية حيث يقدم ستاندال وصفاً دقيقاً للمعالم التاريخية والفنية في روما، مثل مبنى “الكولوسيوم” الذي يصفه بأنه “له السمو بالنسبة لنا، لأنه ذكرى حية لأولئك الرومان الذين شغلت قصصهم كل طفولتنا”.
ويخصص ستاندال مساحات واسعة لتحليل الأعمال الفنية، خاصة لوحات رافائيل ومنحوتات مايكل أنجلو، مع تقديم قوائم شاملة لأفضل الكنائس والفنانين في روما.
كما يتناول ستاندال، من وجهة نظره في الاقل، تلك الثنائية الرابطة ما بين الإمبراطورية الرومانية والكنيسة الكاثوليكية ليتحدث عن التوتر بين عظمة الإمبراطورية الرومانية القديمة وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا.
ولكن، مع ذلك، فالكتاب هذا هو مسرد للانطباعات الشخصية ليس إلا. إذ يشارك ستاندال انطباعاته الشخصية حول الموسيقى والثقافة والطعام والسياسة في روما، مما يضفي طابعاً شخصياً على الكتاب.
ومن المفارقات الدالة، فإنه لطالما تم النظر الى هذا السفر الضخم بقلم روائي عظيم، على أنه دليل سياحي عملي يقدم نصائح عملية للزوار، بما في ذلك دليل لما يمكن رؤيته في روما خلال عشرة أيام، مع إمكانية تمديد الزيارة إلى عشرين يوماً.
وبالمقارنة مع أعمال ستاندال الروائية، وهذا الحديث موجه لعشاق أدبه على وجه الخصوص، يظهر كتاب “نزهات في روما” فروقا جوهرية في الأسلوب والمحتوى والغاية، مع أعماله الشهيرة مثل “الأحمر والأسود” (1830) و”صومعة بارما” (1839). فمن حيث الأسلوب، يتبنى “نزهات في روما” أسلوباً وصفياً توثيقياً، مع تنظيم يومياتي وقوائم تفصيلية، وانطباعات شخصية مباشرة، بينما “الأحمر والأسود” و”صومعة بارما” تتميزان بأسلوب سردي روائي، مع حبكة متماسكة وتطور درامي للأحداث، وتحليل نفسي عميق للشخصيات.
يركز “نزهات في روما” على الأماكن والمعالم والفنون، مع اهتمام بالتاريخ والجماليات، بينما نرى أن “الأحمر والأسود” تتناول صعود وسقوط جوليان سوريل، الشاب الطموح في مجتمع فرنسي طبقي بعد هزيمة نابليون بونابرت. أما “صومعة بارما” فتصور مغامرات فابريس ديل دونغو في إيطاليا ما بعد نابليون، مع تركيز على الحب والسياسة.
من حيث التقنيات السردية، يستخدم ستاندال في كتابه “نزهات في روما” السرد المباشر بضمير المتكلم، مع تداخل بين الوصف والتحليل والانطباعات الشخصية. بينما في أعماله الروائية غالبا ما يعتمد على راوٍ عليم واحد، مع استخدام الحوار والمونولوج الداخلي لتطوير الشخصيات.
يمكن النظر إلى “نزهات في روما” كنص يتطلب مشاركة فعالة من القارئ في بناء المعنى. على عكس الروايات التي تقدم عالماً متكاملاً. يدعو هذا الكتاب القارئ للانخراط في تجربة استكشاف روما من خلال عيني ستاندال. يقول ستاندال: “النصيحة بالذهاب إلى إيطاليا لا يجب أن تُعطى للجميع. روما يجب أن يمنع دخولها على كل من هب ودب”، مما يشير إلى وعيه بتباين استجابات القراء للتجربة الإيطالية.
إن قراءة نص “نزهات في روما” ستكشف للقاريء تلك التناقضات الداخلية في رؤية ستاندال لروما. فبينما يمجد الإمبراطورية الرومانية القديمة، يبدي انتقادات للكنيسة الكاثوليكية. وبينما يأتي إلى روما “حباً بالفنون الجميلة”، يعترف أن هذا الحب قد يتحول إلى كراهية. هذه الثنائيات المتناقضة تعكس تعقيد العلاقة بين الذات والآخر، بين الماضي والحاضر.
من زاوية نظر أخرى، يمكن اعتبار “نزهات في روما” مثالاً مبكراً على الفن العلائقي الذي يخلق فضاءً للتبادل والتفاعل. يبني ستاندال جسوراً بين الثقافة الفرنسية والإيطالية، بين القارئ والمدينة، بين الماضي والحاضر. هذا الكتاب ليس مجرد دليل سياحي، بل هو دعوة لإقامة علاقة حميمة مع روما، تتجاوز الاستهلاك السطحي للمعالم السياحية.
وإنه من المثير للاهتمام في ختام حديثنا هذا أن نقول إن ستاندال كتب هذا العمل قبل رواياته الكبرى الشهيرة، وقد شكلت تجربته مع روما وإيطاليا مصدر إلهام لروايته “صومعة بارما” التي كتبها بعد عشر سنوات. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار “نزهات في روما” مختبراً أدبياً طور فيه ستاندال أدواته الوصفية والتحليلية التي استخدمها لاحقاً في أعماله الروائية، وعلى رأسها رائعته “الأحمر والأسود”.
* ينشر هذا المقال بالاتفاق بين “مجلة كناية الرقمية الثقافية المستقلة”، وموقع “الحوار المتمدن”. كل الحقوق محفوظة.
Kinaya Metonymy
Kinaya Magazine
كناية قروپ Kinaya Groupe
أضف تعليق