بقلم: د. كاشف جمال
(باحث وأكاديمي من الهند)
شهد الجانب النفسي الأهوائي في الأعمال النقدية العربية اهتماما كبيرا من قِبل العديد من النقاد العرب الذين نستشفّ من خلال أعمالهم النقديّة شدّة تركيزهم على استنطاق علامات بروز الجوانب النفسية الأهوائية وذلك بضبط دلالاتها وتتبّع آثارها في مسارات حكائية مخصوصة في العمل الأدبي ومن بين هؤلاء النقاد الذين سلكوا هذا المنحى وتركّزت أعمالهم على ضبط هذه الظواهر نذكر الناقدة التونسية أسماء المصفار التي أثبتت براعتها وتفوّقها في المجال الأدبي المعاصر وذلك من خلال كتاباتها وأفكارها ورؤاها النقدية التي تتّسم بالتوازن والعمق والفكر السليم. ونستشفّ ذلك من خلال تسليط الضوء على أعمالها النقديّة، فقد نشرت خمسة كتب وهي على التوالي: “مقالات في النقد المعاصر: من التأويل إلى سيمياء الأهواء” صدر عن منشورات كناية، السويد، ويليه الكتاب الثاني “من النظم إلى المعنى، في مقوّمات إعجازية الاستعارة عند عبد القاهر الجرجاني”، صدر عن منشورات كناية، السويد، والكتاب الثالث يحمل عنوان “سلطة الأهواء، زول الله في رواية أخت الصفا” لنزار شقرون صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، والكتاب الرابع هو كتاب جماعي “البحث عن طوق نجاة” صدر عن منشورات كناية بالاشتراك مع جروب مجانين قصيدة للنثر، وأمّا الكتاب الخامس فعنوانه “سيميائية الأهواء في عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، يصدر عن دار النابغة المصرية. بالإضافة إلى نشر الكتب والمقالات في مختلف المنصّات والمجلاّت. إنّ ما رأيته من خلال التعمّق في ما نَحَتْه أسماء المصفار في كتاباتها يؤكّد أنّها دائما ما تُحاول التعريف بكل ما هو جديد بشأن النظريات النقدية، حيث تتمتّع بإلمام عميق بتطبيق النظريات الغربية على النصوص الأدبية العربية وخاصّة نظرية سيميائية الأهواء التي طوّرها “جوليان غريماس” و”جاك فونتاني”. فقد حاولت أسماء المصفار إبراز مفهوم السيميائية منذ ظهورها مصطلحا لغة ومتصوّرا، لذلك نراها قد ضبطت مفهومها (السيميائية) كما هي عند العرب القدامى منهم والمحدَثين، كما أنّها لم تغفل عن إبراز مفهوم السيميائية عند الغرب القدامى منهم والمحدثين أيضا. وقد سَعت كذلك إلى تحديد المفاهيم المختلفة التي تعلّقت بمصطلح الأهواء (جمع هوى) كما هي عند العرب: الفلاسفة منهم والأدباء والفقهاء وأعلام اللغة. واتّجهت بعد ذلك إلى الاشتغال على بعض النصوص الأدبية الشعرية منها والنثرية وذلك بتناولها لسيميائية الأهواء باعتبارها منهجا جديدا لفهم العواطف والمشاعر والانفعالات النفسية في الكتابات العربية بالتركيز على تأثير الأهواء في بناء العوالم الحكائية داخل العمل الأدبي. من يقرأ إنتاجات أسماء المصفار يستقر له الرأي بأنها تقوم بتفسير الظواهر الفنية والجوانب الجمالية استنادا إلى عوامل نفسية وذلك بترجمة النظريات المجردة إلى أدوات تحليل فعّالة.
إنّ الاهتمام الرئيسي للناقدة أسماء المصفار هو موضوع سيميائيات الأهواء في أغلب أعمالها النقدية. فقد ظهرت نظرية “سيميائية الأهواء” في التسعينيات من القرن العشرين، وبالتحديد سنتي 1991/ 1994م مع الباحثين “غريماس” و”فونتاني” في كتابهما “سيميائيات الأهواء من حالات الأشياء إلى حالات النفس”، وهو الكتاب الذي استفادت منه أسماء المصفار في أعمالها النقدية لأنّه يُعتَبر المرجع الأصل والأساسي لبلورة كيفية تشكّل الأهواء في العمل الأدبي وتحديد دلالات الهوى في الخطاب، ليكون هذا الكتاب هو الذي أعاد الاعتبار إلى الجانب النفسي الانفعالي في العمل الأدبي بعد أن كان مُغيَّبا في الدراسات البنيوية السابقة. وقد ركّز الباحثان على دراسة مجموعة من المفاهيم والانفعالات الجسدية والحالات النفسية، ووصف آليات اشتغال المعنى داخل النصوص والخطابات الأدبية.
فسيميائية الأهواء ترتكز على الاهتمام بالانفعالات الإنسانية المختلفة، ودراسة العواطف والمشاعر سلبية كانت أم إيجابية، ويذكر الباحث المغربي محمد الداهي أنّ: “موضوع سيميائيات الأهواء يتلخّص في دراسة الآثار الخطابية لعملية الإحساس”، كخطاب الغيرة، والبخل، كما أنّ الجسد قد برزت أهميّة ظهوره في حقل السيميائيات باعتباره منتجا للمعنى، وقد تركّزت أهميّة حضور الجسد في حقل سيميائيات الأهواء باعتباره علامة من علامات إنتاج تأثيرات على الحالات الإنسانية وتأثّرها يعدّ إنتاج ما ينشبُ داخل النفس الإنسانية من تأثيرات خارجية، لذلك فإن نظرية “غريماس” في الأهواء “تمكّننا من تحليل العواطف المتصلة بالجسد وفق نموذج سيميائي داخلي، يحتاج إلى تطعيمه بالتأويل الخارجي”.
تستند أسماء المصفار إلى المفاهيم التي قدّمها “غريماس” في تحليله لسيمائية الأهواء، وتستخدم نظريته لفهم أنّ الأهواء تحدّد العلاقات الاجتماعية والسياسية في النصوص التي اشتغلت عليها. أمّا من حيث التحليل الديناميكي للعواطف الذي يتعلّق بظاهرة التوتّر أو التوتريّة، فقد اعتمدت أسماء المصفار على منهج “جاك فونتاني” و”كلود زيلبرغ” وذلك من خلال ما درساه في كتابهما الموسوم بــ: “التوتّر والدلالة”. وإنّ ما نلاحظه من خلال ما عمدت إليه أسماء المصفار في معظم أعمالها النقدية بالاستناد إلى هذَين الكتابين المذكورين (سيميائيات الأهواء من حالات الأشياء إلى حالات النفس والتوتّر والدلالة) أنّها أظهرت نقاط اشتراك بين كِلتيهما والتي تتحدّد في اتّفاقهما في التركيز على ما هو نفسي أهوائي وذلك إن على مستوى تتبّع الآثار الأهوائية في الخطاب أو على مستوى تتبّع دلالات التوتّر الأهوائي للشخصية الروائية في العمل الأدبي من خلال قياس درجتَي الشدّة والمدى.
ونجد صدى كبيرا للجمع بين هاتين النظريّتين اللّتين جعلتهما أسماء المصفار في حالة تفاعل وتمازج، في كتابها الموسوم بــ: “سلطة الأهواء، زول الله في رواية أخت الصفا لنزار شقرون”، حيث قامت بإبراز أنواع الأهواء التي تعلّقت بالشخصية الروائية “ثناء” التي تعدّ البطلة في الرواية، كما عمدت إلى إبراز أهمية الجانب الأهوائي الانفعالي. والرواية التي درستها أسماء المصفار في هذا الكتاب كانت مليئة بالعواطف المبنية على التعدد والتناقض مثل هوى الحنين وهوى النفور وهوى الحب وهوى الكره وهوى الرغبة في التذكّر وهوى الرغبة في النسيان وغير ذلك. وهنا تتجلّى قدرة أسماء المصفار على خلق عملية تفاعل بين المناهج النظرية النقدية والنصوص التطبيقية التي تتناولها بالدرس حيث قامت بتحليل العواطف وتبويبها بدراستها دراسة عميقة من خلال الغوص في البنى العميقة للنصوص. لتتجاوز بذلك المستوى السطحي في النصوص باختراق المستوى العميق فيها من خلال تحليل العلامات اللغوية وغير اللغوية والغوص في المسائل التي يطرحها العمل الأدبي وفق المنهج السيميائي.
أمّا في كتابها الموسوم بـ: “سيميائية الأهواء في عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم” فقد تناولت أسماء المصفار ثلاثة أنواع من الأهواء وهي: هوى العشق وهوى الدين وهوى السياسة.
إذ يظهر هوى العشق في نصّ عصفور من الشرق مستحوذا على الشخصية الروائية المتمثلة في محسن الذي وقع في حب الفتاة الفرنسية سوزي، ولكنّ تجربة حبّه لها قد باءت بالفشل، وهو ما جعله يميل إلى هوى من نوع آخر هو هوى الدين الذي تشكل لديه من خلال إظهار ميله إلى السيدة زينب. وقد أدى به هوى الدين إلى خضوعه أيضا إلى هوى السياسة الذي أبدى فيه مواقف سياسية مختلفة ومتعدّدة جمعت بينه وبين الشخصية الروائية الأخرى إيفان الروسية، وهو ما أدى بهما إلى انخراطهما في هوى السياسة، ليتحوّلا إثر ذلك إلى ذاتين استهوائيتين.
يمكن القول إذن إنّ أسماء المصفار قد عمدت في هذا العمل إلى إبراز فاعلية الجانب الأهوائي للشخصيات الروائية التي تتحول من حالة إلى حالة أخرى بدافع أهوائي نفسي. وهذه الأهواء تبيّن حالة خاصّة من العواطف والمشاعر والانفعالات وكل ما يتعلّق بالنفس الإنسانية والتي تكون أحيانا ذات حالة نفسية معقّدة وأحيانا أخرى غير متوقّعة.
الخاتمة
بناء على ما تقدّم ذكره، نقرّ أنّ الدراسات النقدية التي قدّمتها أسماء المصفار قد اندرجت في منظور مختلف، باعتبارها قد اهتمّت بنصوص أدبية قديمة وحديثة، شعرية ونثرية درستها من زوايا جديدة ومختلفة. فدراسة الحالات النفسية المختلفة في أعمالها النقدية قد أظهرت قدرتها على تطبيق سيميائية الأهواء على النصوص التي تتناولها بالدرس، وهو ما يدفعنا إلى الإقرار بأنّ دراساتها النقدية تُعدّ خطوة حثيثة وقيّمة في مسار النقد الأدبي لأنّها ستكون عنوانا لتشعّب دراسات نقديّة أخرى تهتمّ بسلك السيميائيات وهو ما يجعل الأعمال النقدية العربية منفتحة أكثر على المناهج الأوروبية الحديثة التي تهتمّ بالجوانب النفسية في الأعمال الأدبية.
أضف تعليق