كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

بين ضجر الملوك ووجع الهزيمة..

التناص الرؤيوي في مسرحية “حكاية ضجر”، بين لطفي ابراهم وسعد الله ونوس
بقلم: حكمت الحاج*

تبدو مسرحية “حكاية ضجر”* للكاتب لطفي ابراهم (هي الثانية له بعد “زمن الجنرال”) وكأنها قصرٌ حكائيّ مزيّن بالمرايا، لا تُظهر فقط ملامح شخوصها بل تعكس أيضًا وجوه نصوص أخرى تسكن ذاكرة المسرح العربي الحديث، وعلى رأسها نصوص سعد الله ونوس، وتحديدًا في “الملك هو الملك” و “سهرة مع أبي خليل القباني” و”حفلة سمر من أجل 5 حزيران”.

فمن حكاية الملك الذي يحس بالملل والضجر فيقرر رفقة وزيره أن يلبسا ملابس التجار، والذهاب متنكرين نحو “الشعب” ليلعبا لعبة لا تقل دناءة عن كونهما “حاكمين ضجرين”، كما عند ونوس، الذي أخذها بدوره عن حكاية هارون الرشيد ووزيره جعفر البرمكي وتنكرهما في زي تاجرين لينخرطا في الشعب المسكين، إلى الملك ووزيره مثلما عند لطفي ابراهم وهما يتنكران أيضا بملابس التجار، ليصبح التداخل المسرحي ما بين عالمي الكاتبين، السوري والتونسي، طريقا ممهدا للدرس والتنقيب، عبر إعطاء كل كاتب على حدة، حقه في الانجاز والإبداع والروح الفردية المتمايزة.

في هذا السياق، لا يمكن للقارئ الحصيف أن يغفل عن التناص الخفي، ثم الصريح، بين شخصية “أبو خليل” في مسرحية ابراهم وبين “أبي خليل القباني” كما صوّره ونوس. كلاهما هامشيّ، مستضعف ظاهريًا، لكنه حامل جوهريّ لوَهَج الرفض، والعشق، والتغيير. أبو خليل القباني يواجه سلطة المجتمع المحافظ عبر المسرح، بينما نظيره في “حكاية ضجر” (الذي قد يكون المجذوب، أو بائع اللوحات) يواجه سلطة العرش والدم عبر نبوءة الحكمة الشعبية المرمّزة.

اللوحات المغبّرة في دكان الشيخ تُحاكي المسرح نفسه: كل واحدة منها تمثّل مشهدًا مختصرًا لحكمة مُغفلة أو مصير محتوم. وكل من يقرأ اللوحة، يفتح على نفسه بابًا من الإدراك والوجع، وكأنه يُجبر على اعتراف باطنيّ أمام مرآة فكرية لا ترحم. هنا، يستدعي النص تقنية “المسرح داخل المسرح”، بل ويذهب أبعد حين يكسر الحائط الرابع كسرًا ناعمًا على طريقة (برتولد بريشت)، فيُشرك المتفرج في اللعبة، في الإحساس، في الإدانة.

وهذا يقودنا إلى التناص البنيوي الصريح مع “حفلة سمر من أجل 5 حزيران”. فكما صنع سعد الله ونوس مساءً مفتوحًا على البوح، تتخلله لحظات انكشاف بين الشخصيات والجمهور، كذلك يفعل لطفي ابراهم حين يجعل اللوحات تنطق بحكم تتقاطع مع حاضر المتلقي وتتجاوزه. في كلتا المسرحيتين، ننتقل من المسرح كمكان للتسلية إلى المسرح كأداة جذرية للسؤال والمساءلة.

لكن الفرق بين الكاتبين جوهري أيضًا: ونوس يكتب تحت وطأة الهزيمة السياسية بعد نكسة الخامس من حزيران، فيجعل من المسرح منبرًا احتجاجيًا. أما ابراهم، فيكتب في زمن الرماد الطويل، زمن الضجر الأبدي الذي تحوّل إلى فلسفة قائمة بحد ذاتها. الضجر هنا ليس مجرّد ملل، بل هو مأساة روحية يعيشها من فقد المعنى وسط الترف والسلطة.

ليست “حكاية ضجَر” (بينما أفضل العنوان أن يكون “حكاية ضجِرٍ”، بكسر الجيم بدلا عن فتحها) مسرحية تأخذ من سعد الله ونوس لتنسج على منواله، بل هي تحاوره، تحلم معه، وتعيد صياغة أدواته ضمن خطاب جديد أكثر رمزية وأشد مكاشفة وجدانية. إنها امتداد لمسرح السؤال، ولكن من داخل القصر، لا من هامش الخشبة. هي حفلة سمر جديدة، لكن هذه المرة من أجل ضجرٍ لم يعد مؤقتًا، بل صار قدرًا نهائيًا.

* حكاية ضجر، لطفي ابراهم، مسرحية ذات فصلين، دار خريف للنشر، تونس 2025.
* زمن الجنرال، لطفي ابراهم، مسرحية ذات فصلين، منشورات مومنت، لندن 2018.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.