متوالية شعرية (النشيد العشرون)
* حسين علي يونس
مدير الجلسة الذي يرتدي قبعة مهرج وربطة عنق صفراء وعريضة كمؤخرة حصان يتحدث عن الشاعر الذي دبغت جلده السجون حين كان يتعفن في سجنه بينما كانت تسمع أصوات الانفجارات وتتساقط أشلاء الضحايا داخل البناية الهرمة حين كان مقدم الجلسة يواصل حديثه عن الغيوم و زقزقة العصافير وكل ذلك الهراء.
ها هو ذا سيد القاعة يخوط إلى جانب الاستكان.
يقول أحدهم:
– ابني
يقول المعلم حمزة معترضا ومن ثم وازنا نظرته التي كانت تشبه نظرة عصفور كئيب تعيد ترميم العالم الذي كان يغرق وليس من الممكن لملمة ذكراه -كل شيء سيصبح ماضيا، يقول المعلم حمزة – كلما اهتز وجود الانسان على الارض يرى نفسه غريبا ومنعزلا ووحيدا وانت جاي تحجينا عن العصافير والزقزقة، وليدي شاعرك هذا لو يرجع للسجن هواي أريح له، ترى هسه هو جاي يفتقد إلى الحماية ويتساءل بينه وبين نفسه عن مغزى وجوده في الكون فخل يرجع إلى فطرته التي جبل عليها قبل أن تلوثه التجربة التي كبرت الأشياء بعينه وصغرتها. ترى احنا مو ناقصين لا تخليه يتحامق ويركب صاروخ الحماقة. أقترح أن يذهب إلى المقبرة ويعد موتاه.
كان ثمة رجل غريب وغامض يجلس في نهاية القاعة، كان يدعى زمن، ربما كان شيئا آخر، من يدري! مد ذراعه التي كانت ذات ثلاثة ايدي بخمسة عشر إصبعا إلى جيبه وأخرج بالونا ونفخ فيه فتحول البالون إلى تمساح أكل الشاعر النفاج ومقدمه الذي كان لا يزال يتحدث عن كل ذلك الهراء الذي لا نهاية له. كانت ربطة عنق المقدم تتدلى من جانب فم التمساح حين حمله الرجل الغريب ووضعه في جيبه وغادر، بينما كانت اصوات الانفجارات لا تزال تسمع وتتوالى لتصبغ وجه الكون.
خرجت من البناية التي كانت تقصف بقوة ووجدت مركبة كبيرة فتحت بابها ودخلت إلى قلب الوحش الحديدي وهناك وجدت معارفي كلهم اولئك الذين ورد ذكرهم في الأناشيد ومن الذين لم يرد ذكرهم. كانوا يريدون أن يغيروا حياتهم، هجروا عوالمهم الثقيلة واستعانوا بالحدايد التي تدعى الصحون الطائرة. في داخل الوحش وجدت القلقين كلهم: رضا علي، عبد الصاحب شراد، يوسف شاتي، ملاح حمود الباذر، سامي نسيم، كريم حنش، خالد المعالي، نصيف الناصري، كريم راهي، يوخنا دانيال، عبد الزهرة شذر، امير ناصر، محمد ثامر، نبيل شوفان، انور بن حسين، علي بن نخي، معتز رشدي.. يقودهم المعلم حمزة ومساعدوه: ياسين الرميثي وعبد الزهرة الكعبي، إلى سماوات مختلفة وبعيدة. لقد كتب عليهم أن يطيروا في الزمن.
نسيت أن أقول إن كاتب هذا النص الطويل الذي يتكون من عشرين نشيدا شخص مجهول الهوية كتب هذا الكتيب ودسه في جذع شجرة كبيرة بعد حملة المنع واعتقال صاحب اللحية الطويلة “نعم ولا” الذي قد يكون هو كاتبها. عثرت عليه وأرسلته إلى عواطف محجوب التي سلمته إلى حكمت الحاج الذي صححه وحققه ودققه وعمل له مقدمة طويلة، فلطالما كان الرجل محقق مخطوطات غريبة..
أضف تعليق