عبد الجليل حمودي
قد يتّفق وأنت تعاشر كتابا أن تبرق في ذهنك أفكارٌ ثرّة تتراقص هناك في مظان النفس فيقوّي بعضها بعضا وقد تتقاتل لتحيا أفكارٌ على حساب أخرى تسيطر عليك فتجد في قلبك هوًى وفي عقلك مكانة فتستوي مجبرةً إياك على البحث عنها وفيها. حصل لي كل هذا وأنا أقرأ كتاب ” أنا ” لعباس محمود العقاد.
إنّ هذا الكتاب هو سيرة ذاتية يتناول فيه المؤلّف مسير حياته منذ النشأة الأولى محاولا اتّباع الواقعية في سرد الأحداث متّصفا بالصدق في نقلها واضعا في عين الاعتبار ما يقتضيه التسريد من شروط وطرائق تعبير. وأنا أتتبّع مسار الأحداث في الكتاب لفت نظري مقطع أكون مجبرا على نقله وأعتذر مسبقا إن طال على القارئ:
“وعذرٌ آخر للناس – وإن كان لا ذنب لي فيه – أن يذهب بعضهم من النقيض إلى النقيض في فهم رجل يعيش بينهم على قيد الحياة. عذر هؤلاء أنني مطبوع على العزلة والانطواء على النفس في أحسن الأحوال وأسوئها على السواء. ورثت حب العزلة من كلا الأبوين. وعرض لي حادث دون السابعة من عمري أتمثّله الآن كأنّي حضرته منذ يومين وهو حادث الوباء الذي كان معروفا باسم الهيضة أو الهواء الأصفر في أسوان.
أقفرت المدينة شيئا فشيئا من سكانها. مات كثيرون منهم ورحل آخرون وخلا الشارع الذي أقيم فيه فأغلقت الحكومة أبوابه ولطختها بالعلامة الحمراء التي معناها أنّ هذا البيت قد زاره الوباء. ومن لحظة إلى لحظة يتراءى في الشارع نعش عارٍ يمشي من ورائه رجلان أو ثلاثة وقد يكون بينهم وبين حمل هذا النعش مسافة الطريق وتوصيلة أخرى من توصيلاته التي لا تنقطع طول النهار. وبيتنا وحده فيه إصابتان. وليس في الشارع إذا خرجت إليه طفل واحد يحوم بين تلك البيوت المغلقة بالعلامة الحمراء.
وإذا نزلت إلى شارع النيل حيث كان يطيب لي التجوال على غير هدى وجدته مقفرا من الناس. ومن حين إلى حين تعبر النيل سفينة شاردة لا تجترئ على ملامسة الشاطئ خوفا من العدوى. صور لا أنساها ولا ألتفت إليها إلاّ تمثّلت وحشتها وبلواها وإليها ولا شكّ يرجع شيء من هذه الوحشة التي تحبّب إليّ الخلوة والانفراد” (ص 13-14 من كتاب “أنا”)
جاء هذا المقطع في سياق تبرير الكاتب لنفسه من الصفات التي ألصقها به الناس ومن بينها الانعزالية وعد الاكتراث لأمور الناس وقد حاول الكاتب فيه أن يدافع عن نفسه بأنّ ذلك يعود إلى سبب وراثيّ بما أنّ أبويه كانا انعزاليين وسبب آخر وهو ما شدّ انتباهي وأصرّ على أن أوليه عناية أكثر من غيره. لقد برّر العقّاد انعزاليته بسبب وباء الهيضة أو الكوليرا الفتاك الذي ألمّ بمدينته أسوان المصرية أواخر القرن التاسع عشر ما جعل الناس يتباعدون عن بعضهم البعض ويدفنون موتاهم فرادى ومُنعت الحركة من الشوارع. إنّه الأمر ذاته الذي يعاد بعد قرن وخُمس القرن تقريبا فقد عاش الناس زمن الكورونا وتصرّفوا بمثل ما وصف العقّاد مدينته في المقطع المذكور فكأنّني بالعقاد جالس معنا سنة 2020 والحال أنه توفّي من سنة 1964. إنه تاريخ الانسان يعيد نفسه مع المآسي والأمراض والأوبئة هذا واضح ومن السهل التفطّن إليه بما أنّ الإنسان تعامل معها بنفس التصرفات لكنّ الإشكال هل إن تأثير الأوبئة على الإنسان يكون بنفس الأشكال. فهل ستجدني مثلا في يوم ما أبرّر لك عزيزي القارئ سبب انعزالي بأني عشت زمن الكورونا والإجراءات التي اتخذها الناس حينها أثرت فيّ حتى جعلتني أميل إلى التفرّد والخلوة فأهجر مقاهي الأصدقاء ومجالستهم فلا يهزني الحنين إلى حكاياتهم ونكتهم ونقاشاتهم. وسأنزعج عندما يشرب أحدهم من قارورتي إنها لي وحدي لا يشاركني فيها أحد ولماذا أحرّك قهوتي -وأنا القابع وحيدا في ركن المقهى منفردا مع أفكاري وتأملاتي – بمغرفة حرّك بها قبلي الآلاف مشروباتهم. وهل أتهرّب من الأعراس وما تحويه من صخب وضجيج فتجدني قابعا في البيت أخطّط لأدلي بألف سبب لعدم الذهاب إلى حفل الزفاف حتى لا يغضب صاحبه وليغضب وما يهمني في انزعاجه مني وأنا أصلا لا أرغب في إرضائه. وهل سيزعجني أحدهم عندما يقرأ ما أكتب وينقده بكل صلف ولمَ أفعل وأنا لن أناقش أحدا في مجلس عمّا أفعل. أفكار وهواجس تدور في خلدي أثارها العقاد. هو يبرّر لنفسه في الماضي بماضيه وأنا أبحث لي عن صورة في المستقبل. هو يصرّ على تصوير نفسه بما يليق بها في الحاضر وأنا أخاف ألا أكون كما انا في المستقبل. إنه كتب ماضيه في مستقبلي. إنه كتب نصا لا يموت بما أن الإبداع استشراف لماهو آت.
أضف تعليق