بقلم: حكمت الحاج*
يعرض على منصة “شاهد” هذه الأيام (وقد وصل حلقته الحادية عشرة تقريبا) مسلسل عربي بعنوان “آسر”، وهو مقتبس عن المسلسل التركي الشهير “ايزيل”، من بطولة النجم السوري باسل خياط، والنجمة اللبنانية باميلا الكيك. وفي الحالتين، فهو مجرد اقتباس آخر مع بعض البهارات التركية وشيء من المقبلات اللبنانية لرواية الكونت دي مومنت كريستو الأصلية للكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس (الأب)، المتمحورة حول الانتقام من الأصدقاء الخونة.
وقد لفت انتباهي في حلقتين متتاليتين، يظهر فيهما النجم عباس النوري في دور “الخال” المجرم المافيوزي السجين مع “مجد”، الإنسان البريء المسجون ظلما (يقوم بالدور الممثل السوري لجين اسماعيل)، والذي سيتحول بعد خروجه من السجن إلى شخصية “آسر” وقد تغيرت ملامح وجهه وصوته، أقول، لفت انتباهي ان المافيوزي “الخال” ينصح السجين “مجد” بقراءة الكتب ليتعلم الحياة، وتبرز لنا لقطة مكبرة لغلاف كتاب “البومة العمياء” وهي رواية للكاتب الإيراني صادق هدايت، وفي الحلقة الموالية من المسلسل، يسأل “الخال” عن الكتاب الذي يطالعه “مجد” مؤخرا فتظهر لنا لقطة مكبرة لغلاف كتاب هو في الحقيقة ديوان للشاعر الآيرلندي “أوسكار وايلد” بعنوان “أنشودة سجن ريدينغ” كتبه في فرنسا عام 1897 بعد سنتي سجن مع الأشغال الشاقة في أحد السجون البريطانية.
فما دلالة هاتين اللقطتين في المسلسل؟ ولماذا خص هذين الكتابين تحديدا؟ وهل تشير النسخة التركية من المسلسل إلى نفس الكتابين؟
في الواقع، وحسب بعض مجهوداتنا في البحث والتقصي، فإن مسلسل “إيزيل” التركي المستوحى بشكل أساسي من رواية “الكونت دي مونت كريستو”، والذي كتبته دراميا بينار بولوت، لا توجد في حلقاته الأصلية إشارة مباشرة إلى أي من كتب أوسكار وايلد أو صادق هدايت. وقد يكون اختيار الكتابين في النسخة العربية “آسر” جزءًا من الإضافة الإبداعية التي قامت بها المؤلفة رغداء الشعراني لتعميق البعد الفلسفي للشخصيات. لكن في النسخة التركية الأصلية، التركيز كان على رحلة البطل للانتقام والتحول دون استخدام هذه الكتب بالتحديد.
وفي سياق استعراضنا للكتابين موضوع النظر في مسلسل “آسر”، نقول أن رواية “البومة العمياء” للإيراني صادق هدايت لا تتناول السجن كموضوع صريح كما في حالة أوسكار وايلد، لكنها غارقة في سجن من نوع آخر: السجن الوجودي والنفسي، الذي لا يقل قسوة عن القضبان الحديدية.
“هناك جراح في الحياة لا يشفيها الزمان. هناك لحظات تشتعل في النفس فجأة فتترك أثرًا لا يُمحى، كما تترك المخالب آثارها على اللحم الحي.”
هذا المقطع من مفتتح الرواية، يكاد أن يكون مرآةً روحية لكل ما سيتبع: غربة النفس، جراح الذاكرة، وثقل الحياة عندما تصبح مرآة متشققة لا تعكس سوى الألم.
نُشرت البومة العمياء للمرة الأولى عام 1937، وتُعتبر أهم أعمال صادق هدايت وأحد أبرز أعمال الأدب الفارسي الحديث. وهي رواية مكتوبة بلغة سريالية وذات طابع سوداوي، تستكشف الهواجس الداخلية والقلق الوجودي والانتحار والهلوسة والانفصال عن الواقع (وقد ترجمت إلى اللغة العربية ونشرت مرتين). ولكن، هل لها علاقة بالسجن، لكي تقحم في إحدى مشاهد “آسر”؟ نعم، ولكن ربما بطريقة رمزية فلسفية: حيث يعيش بطل الرواية (وهو الراوي في الوقت نفسه) عزلة خانقة ويكتب تحت ضوء مصباح خافت، كما لو أنه في سجن داخلي محاصر بالأفكار السوداء والكوابيس. وتصور الرواية العقل البشري كسجن لا فكاك منه، وتُظهر الإنسان وهو يواجه عبثية الوجود بلا يقين، بلا خلاص. العالم في “البومة العمياء” مشوّه، مشظّى، والزمن متداعٍ، كما لو أن الراوي قد كُبّل داخل رأسه. وربما يجدر ذكره إن صادق هدايت نفسه أنهى حياته انتحارًا في باريس عام 1951، بعد حياة حافلة بالتشاؤم، ما يجعل “البومة العمياء” نصًا نبوئيًا تقريبًا، يُكتب من حافة السقوط.
أما الكتاب الآخر الذي تم التنويه به بشكل واضح في المسلسل، أي: “أنشودة سجن ريدينغ”، فلعل واحدا من أشهر أبياتها قد أصبح رمزًا فلسفيًا في الأدب الحديث، وأكثر الاقتباسات تداولا على منصات وسائل التواصل الاجتماعي:
> “Yet each man kills the thing he loves…”
“لكن، كل إنسان يقتل الشيء الذي يحبه…”
وتكملته هي كالتالي:
لكن، كل إنسانٍ يقتل الشيء الذي يحبه،
وليكن هذا مفهوما من الجميع،
فبعضهم يفعلها بنظرةٍ حاقدة،
وبعضهم يلعلها بكلمةٍ ناعمة،
والجبان يفعلها بقبلة،
أما الشجاع، فيفعلها بحد السيف.
إن هذه الأبيات تُجسّد نبرة القصيدة كلها: إنها مرثية للحرية، ونقد عميق للعدالة القاسية، وتأمل مرير في التناقضات البشرية.
إن “أنشودة سجن ريدينغ” هو في الواقع قصيدة طويلة كتبها بعد خروجه من السجن عام 1897، لكنها تستند إلى تجربته المريرة خلال سجنه في سجن “ريدينغ” الإنگليزي، حيث قضى سنتين من الأشغال الشاقة بعد إدانته بسبب “السلوك غير الأخلاقي” بحسب قوانين العصر الفيكتوري، وهو ما كان يعني آنذاك علاقته المثلية.
وقد نشر الكتاب أول الأمر تحت اسم مستعار في البداية بصيغة C.3.3. (وهو رقم زنزانته في السجن المذكور). والقصيدة المعنية تفيض بالحزن النبيل والألم المتسامي، كما لو أن وايلد يكتب من جرح مفتوح، لا ليدين فقط، بل ليغفر. وربما كان يقول أيضا أن الحب نفسه يفسد، أو يغير موضوعه.
والآن، السؤال الذي يطرح نفسه: هل ثمة علاقة أو تقاطع ما بين الكتابين، كما تمت الإشارة اليهما في لقطتين مكبرتين من المسلسل المذكور، “آسر”؟
الجواب: يبدو الأمر كذلك. فكل من صادق هدايت وأوسكار وايلد كتبا من تجربة السقوط والخذلان والاغتراب. وكلا النصين يدوران حول فكرة: “كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا تحت أقسى الظروف؟” وكلاهما نصّان شِعريان بامتياز، رغم أن أحدهما رواية والآخر قصيدة.
* ينشر هذا المقال بالاشتراك مع مجلة “كناية” وموقع “الحوار المتمدن”. كل الحقوق محفوظة.
أضف تعليق