كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

“غمسيس” مدينة الديستوبيا..

* عبد الجليل حمودي

لئن اعتبر الكثير من النقاد أن الرواية هي ابنة المدينة بامتياز. ولدت بين شوارعها الواسعة وأنهجها المتعرجة وأزقتها الضيقة، فإن مفهوم المدينة تجاوز المنظور الجغرافي، فلم تعد في الأدب مقتصرة على الجانب المعماري أو الحضري لينظر إليها من زاوية أقرب إلى التفكير الفلسفي. إنها الفضاء الذي يحقق داخله الإنسانُ وجوده فتتجلّى بين حدوده القيم والأفكار والنظام الاجتماعي والثقافي والسياسي. لقد تناول الفلاسفة المدينة موضوعا لتفكيرهم. كلٌّ ضمن رؤيته الشاملة للوجود الإنساني. فأفلاطون مثلا رأى في المدينة كيانا أخلاقيا يعكس النفس البشرية لا مجرد مكان للعيش، أما فوكو فإنه رأى فيها مكانا للسلطة والمراقبة عبر المؤسسات التي تتحكم في الأجساد والعقول.
وانقسمت المدينة في الأدب بشكل عام، وفي الرواية خاصة، إلى نوعين: أما الأول فهو مدينة اليوتوبيا حيث تنكشف القيم الفاضلة وتتجلّى في أبهى حلّة فتكون المدينة مليئة بالحب في جميع زواياها تنشد التآلف بين البشر فيعيشون مع بعضهم في توادد وتراحم. الإنسان فيها يشعر بإنسانيته يحقق وجوده عبر القيم الفاضلة ويرى في غيره ندّا له ونديما يسير معه ليشيّدا صرح الإنسانية معا. إنّ اليوتوبيا تسعى إلى تشكيل مشروع عالم مثالي إن انعدم وجوده عينا على أرض الواقع فهي ترنو إليه وتتوق إلى بلوغه. وأما النوع الثاني فهو مدينة الديستوبيا يتعرّى فيها المجتمع الإنساني من كل قيم الفضيلة والصلاح ليبرز الفساد مكشوفا يعمّ المدينة ينثر الفوضى في كل الاتجاهات لا يرى فيها الفرد نفسه إلا متسلطا على غيره كارها له حاقدا عليه تتكاثر في مجتمعها الجريمة والقتل والسرقة وما شابه ذلك من أفعال الرعب والتخويف والاستبداد. إنّ الديستوبيا هي مدينة الشر المطلق حيث ينزع الإنسان عنه رداء الإنسانية ولعل الرواية الأبرز التي عبّرت عن مدينة الديستوبيا هي رواية ” 1984 ” لجورج أورويل.
وضمن هذا المنظور الذي انقسمت فيه المدينة إلى يوتوبيا وديستوبيا، نفترض منذ البدء أن الرواية المشتركة التي جاءت تحت عنوان “غمسيس”، لكاتبيها: حكمت الحاج وعواطف محجوب، إنما تتحدث عن مدينة الديستوبيا، “غمسيس”، وسنحاول الكشف عن تجليات ذلك في الرواية التي صدرت سنة 2023 عن منشورات كناية (ستوكهولم- تونس) في طبعة ورقية وأخرى إلكترونية، لضمان مزيد الانتشار.
إنّ قارئ هذه الرواية يلاحظ منذ العنوان أنها رواية مدينةٍ، فغمسيس يظهر أنها مدينة متخيّلة شكّلها المؤلفان في بلاد واقعية هي تونس. وإذا تعمّقنا في التعريف، وسمح لنا المنهج العلمي بذلك، لأنّه لا سند لنا إلا حدسنا النّقدي ومعرفتنا الجيّدة بالمؤلّفين، فإنّا نزعم أنّ “غمسيس” اسمٌ نُحت من اسمين لمدينتين واقعيّتين تقعان في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية، هما ” غمراسن”، المختبئة بين الجبال تحسّبا لمخاطر الصحراء المتأهّبة أبدا للانقضاض عليها لولا بركة الجبال، و”جرجيس” الحاضنة للبحر في مشهد حبٍّ عنيف بينهما يجمع بين الشغف والخوف. هي إذن مدينة ترفل في الخيال، لكنّ جذورها واقعية، ويعضد ذلك ما ورد في التصدير الذي عُنوِن ب”كلمة لا ضرورة لها” إذ لم يتوان مؤلّفا الرواية عن الاعتراف بكونهما شكّلا مدينة ونسباها إليهما فقالا “فلربّما حقا قمنا كما المعلمين الكبيرين (جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمان منيف) بخلق مدينة لكلينا. عمّورية لجبرا ومنيف، وغمسيس مدينة لنا. هما جمعا بغداد بدمشق بمدن الملح والرمال. نحن كتبنا تاريخ الرمل والبحر والريح في المسافة ما بين تونس والوجدان”.
إنها إذن مدينة نُسبت إلى الروائيين كما تنسب المدن المشيّدة إلى الغزاة الفاتحين، وتستمر شامخة عبر التاريخ، تضاهي في ذلك الإسكندرية والكوفة وسامراء والقاهرة والقيروان، مدنا تشهد بعظمة من بناها. ألا تشهد غمسيس بإبداعية من شيّدها مدينة متخيّلة داخل رواية حملت اسمها؟
تتحدّد المدينة داخل الرواية بكونها مدينة ساحلية تجاور البحر لكنّ هذه المجاورة لم تعط للمدينة ميزة إيجابية بقدر ما كان ذلك نقمة عليها. “فعلا غمسيس هذه المدينة المنسية تدّعي أنها مدينة بحرية لكنّ البحر براء منها”. وهي مدينة بلا ملامح بما أنها تحمل صفات البحر الذي يحاذيها، لذلك تقول الشخصية الرئيسية “أبجد” عن غمسيس كونها “مدينة مسطّحة مثل مياه البحر المجاور التافه الذي هو عار على البحار كلّها حتى وإن كانت واقفة تحت الشمس”. وبما أنها كذلك كان يجب أن يكون فيها ميناء، ومن المعروف أنّ الميناء هو البوابة المشرّعة على العالم الخارجي الذي يجعل من المدينة مزدهرة منفتحة تتحلى بصفات القبول لدى الغير فتحتضن الآخر. والميناء عنوان للتبادل التجاري المساهم في تطوير اقتصاد المدينة، إلا أن غمسيس ترفض كل تلك الصفات، فما الميناء فيها إلا وسيلة للانغلاق أكثر على الذات، وما هو إلا مكان تترعرع فيه التجارة الممنوعة. جاء في الرواية أنّ الميناء “ميناء تعيس مظلم بناياته شبه متهالكة حوائطها غزاها الخزّ وزاد في تآكلها. غرفة تخزين باردة في الوسط بجانبها مقهى وحانة ثم مطعم للأكلات السريعة لتمتد على الجانبين سلسلة من ورش التصليح… كان كل شيء يباع ويشترى على أرض هذا الميناء. وكانت الأخلاق آخر ما يفكّر فيه الرواد والبحارة. آه كم فيك من موبقات يا غمسيس” صرخة يصدح بها “أبجد” تخفي تألما من الوضعية التي وصلت إليها مدينته فهو كان ينتظر بحكم موقع مدينته الجغرافي وميزتها الساحلية واحتوائها على ميناء تجاري كبير أن تكون مدينة ترفل في الخير أخلاقا والخيرات اقتصادا إلا أن أمله يخيب فيصبح الميناء لعنة على المدينة ولعنة عليه بما أنه عمل هنالك لكنه وجد نفسه مضطرا أن يسلك طريق الموبقات الممتلئ على حافتيه بالمخدرات والبغايا والإجرام. كان مترجما يسهّل التواصل بين مرتادي الميناء من أجانب وقاطني المدينة ويساعد بعض التجار على تهريب بضائعهم خارج البلاد وداخلها. يقول عن نفسه “كنت قد استقرّيت على العمل في الميناء كمترجم للغة الإيطالية التي درستها في الجامعة، والفرنسية التي تعلّمتها في المدارس، والانجليزية التي تعلمتها من التلفزيون. أحيانا كنت أرافق بعض التجار إلى المعابر الحدودية التي تبعد حوالي الساعتين عن غمسيس وأعود من هناك بمؤونة تكفيني لشهرين أو أزيد مع بعض الإكراميات المجزية في حال توصل أولئك التجار إلى عقد صفقات استيراد وتصدير مربحة عبر تجارة شرعية أو عبر طرق تهريب للسلع والبضائع عبر الحدود بين غمسيس وبلدان الجوار”. هكذا نكتشف هذه العلاقة المعقّدة بين الشخصية الرئيسية والميناء فالمكان يوفّر له موطن شغل ومصدر استرزاق إلا أنه يقذف بها في أتون عالم خارج إطار القانون فتضطر أن تتعامل معه بكثير من الحذر والخشية من التورط في حبائل القائمين على عالم الإجرام. يقول “أبجد”: “دعاني الكثير من الناس إلى صداقة وصحبة لكني لم آمن لأحدهم. قد تربّوا جميعا في الميناء. والميناء لا قلب له ولا أصدقاء سوى المال والسكاكين والبغايا وعملاء البوليس”.
كلّ هذه الحيطة والتوقّي من الانغماس في عالم لا يريد “أبجد” أن يكون أحد أفراده برفضه لقيمة الصداقة والصحبة داخل الميناء لم تشفع له في التورّط في تهريب السلاح إلى داخل البلاد وما ينجم عن ذلك من حرب أهلية. لقد وجد نفسه في لحظة من لحظات الرواية “مجرما رغم أنفه” أوقعت به حبيبته السابقة وزوجته الأولى “محاسن” في حبائل الإجرام بعد رفضه الرجوع إليها. كان ذلك في وسط البحر حيث نوافذ الهروب قليلة ومسارب التهرب من الوقوع في المحظور تضيق على راغبها. ذاك البحر الذي تحتضنه “غمسيس” لم يكن أبدا مكانا للرومنسية أو مصدرا لرزق الكثير من أهلها. هي مدينة على الساحل لكنها لم تكن ساحلية بما أنّ البحر لم يؤثر في عقلية أهاليها. فلم يكن يتعاملون معه إلا لكونه سبيلا إلى الهروب من المدينة فيما يعرف بالهجرة غير الشرعية. “وهكذا بدت مقاهي ومطاعم القرية المنفوخة التي أعيش فيها على بحر ملطّخ بدماء أسماك الصيادين الفقراء وببقايا أكياس الشباب الحارقين إلى أقرب جزيرة إيطالية لتحرير الحلم وتحلية اللقمة. وقد ضاعت أرواحهم في هذه اللعبة المتكررة دون فوز وغالبا ما يطلقون عليها اسم الهجرة غير الشرعية بينما اسمها الحقيقي هو امتطاء قوارب الموت”. لقد تحوّل البحر إلى مقبرة للشباب وأحلامهم. صورة قاتمة رسمها الراوي للبحر مبينا تحوّل الأشياء الجميلة إلى رعب لكن المفارقة أنّ ذلك الرعب يبقى دائما مرغوبا فيه لا أحد يمتعض منه عندما تضطره التجربة إلى الخوض فيه بمن فيهم “أبجد” نفسه الذي امتطى هو ذاته أحد “قوارب الموت” وهاجر إلى إيطاليا ثم إلى باريس هروبا من وضع متردّ في ” غمسيس”.
لقد اكتشفنا من خلال دراستنا للمكان كيف تحول كل من الميناء والبحر من مكانين يمكن أن يكونا إيجابيين في المألوف من الحياة إلى فضاءين ينشأ فيهما الفساد وقيم الرذيلة. وإذا ما ولّينا وجهة التحليل إلى الشخصيات سنلفى أن “محاسن” هي الشخصية التي تلعب دور الشر المطلق، فهي وإن كانت حبيبة “أبجد” وزوجته الأولى إلا أنها تتعامل معه كفرد من أفراد عصابتها على أن يكون دائما تحت إمرتها وإن حاول التحرر من عالمها اعتبرته خطرا عليها وجب الاستغناء عنه. يقول “أبجد”: “تبحث (محاسن) عني لأجل أن تنتقم انتقاما لكي يكون قويا يجب أن يكون شاملا كما هددت ووعدت وأوعدت…. فلا فائدة في هذا النوع من التفكير بعد أن قابلت امرأة ربع الساعة الأخيرة. امرأة الوباء. امرأة الموت الوئيد” إنها الشخصية التي تحرك خيوط اللعبة في الخفاء. فكل الأحداث المأساوية التي حصلت لأبجد (الشخصية الرئيسية) تقبع وراءها “محاسن” حتى أن قارئ الرواية أصبح ينتظرها متى ستخرج على ساحة الأحداث وتتلاعب وجها لوجه مع “أبجد” بما أنها التقت مع جميع المقربين منه خاصة ” نور” الحبيبة الأقرب إلى قلبه. أما “نور” فهي شخصية لا يمكن أن نصنّفها ضمن دائرة الشر المطلق غير أننا نلاحظ فعلين قاسيين قامت بهما، الأول عندما قتلت القط ” غوست ” والثاني عند محاولتها قتل “رقية” الحبيبة الثالثة لـ”أبجد” وإن كان ذلك بفعل الغيرة المفرطة منها. حتى الحب في “غمسيس” قد يتحوّل من معناه السامي وقيمته الراقية إلى دافع من دوافع الموت وقادح يقدح فعل الانتقام بما أنها مدينة لم تخلق للحب. “كان أبجد يحب نور من جواجيه والجواجي مفردة تونسية تعني أعماق الروح. كان يقضيان الليالي معا يشعران بالحب والأمان في مدينة ليس فيها حب ولا أمان”. أفسدت غمسيس كل ما هو جميل بما في ذلك الحب، فما بالك بالأشياء الأخرى التي تنتمي إلى عالم الجمال لكنها لم تسلم من الإفساد فهذه الموسيقى وجلالتها في تنمية الذوق الرفيع تنحط في غمسيس إلى الدرك الأسفل من الإسفاف فقد تحوّل “أحد الدكاكين الماثلة على حافة الشارع الرئيسي بقدرة قادر إلى قاعة للموسيقى. كانوا الآن يعلقون إعلانا قماشيا على شكل يافطة مستطيلة… لقد كان عرضا سخيفا أن تسجّل أولادك بهذا المبلغ المعلن لقاء تعليمهم الرقص والغناء لمناسبات أعياد الميلاد والطهورات وسهرات الأعراس الفقيرة المقيتة التي تؤمّها كل النساء من فئة التماسيح والرجال من فئة القرود”.
إنّ عالم “غمسيس” هو عالم مدينة الديستوبيا بما هي مدينة للفساد وقيم الرذيلة مما جعل “أبجد” كثيرا ما يشتمها ويبيّن سخطه عليها فها هو يخاطبها “ها أنني أخيرا أوليك ظهري أيتها المدينة المتقلّبة بين العطش والملح بين الصحراء والبحر. لعلي أجد فضاء أرحب منك يسعني… لكنك أيتها المدينة الحمقاء لا تريدين البياض دائما ما يشوبك طارئ مدلهم.” ويصفها بأبشع النعوت فردّد “آه كم فيك من الموبقات يا غمسيس” واتّهمها بالسادية فهي تفرح لحزن الآخرين وتسعد لآلامهم “تلهو بضجر ساكنيها وتتسلى بجرائم مهربيها وبعض الدخلاء عليها من المناطق البعيدة”، بل نسبها إلى الموت قائلا “أنا من غمسيس تلك المدينة التي لفظتها الحياة”.
هكذا تضافرت عناصر الرواية لتشكّل مدينةً يعمّ فيها الفساد فتغرق في أتونها فأماكنها لم تعد إطارا يحتوي الأحداث وأنما أضحى دليلا على عالم الجرائم والموت بما في ذلك الميناء والبحر وكذلك الشخصيات مثل “محاسن ” التي احترفت الإجرام وأتقنته فأضحت أفعالها تقود مباشرة إلى الانتقام والقتل وحتى الأشياء الجميلة وقع تقبيحها في “غمسيس” إذ أضحى الحب دافعا للانتقام تُرتكب الجرائم باسمه وكذلك الموسيقى لُخّصت في حفلات اجتماعية أبعد ما تكون عن الفن والذوق الراقي.
ولكن بالرغم من كل هذا الجو القاتم الواصف لغمسيس بكونها مدينة الديستوبيا بامتياز فإنّنا نلاحظ من حين لآخر بعض الإشراقات التي تشير إلى عالم اليوتوبيا. فالحب منتشر في هذه المدينة، وكذلك الوطنية، فلولاها لما أنقذ أبجد غمسيس من كارثة تهريب الأسلحة ناهيك عن العلاقة الحميمية بينهما في بعض الأحيان إنه يتعامل معها حبيبةً يغضب منها فيُسمعها أنواعا متفرقة من الشتائم ولكن سرعان ما يدعوه حضنها إلى البكاء فيه حتى أنّ “نور” أعجبت “بوفائه الدائم لهذه المدينة. إذا حدث وبقي هناك كثيرا لن يصمد أكثر من ثلاثة أشهر ويعود لاعنا التي أنسته غمسيس كل هذا الوقت الطويل”. إن علاقة “أبجد ب”غمسيس” علاقة عاشق بعشيقة جموحٍ لا يقرّ لها قرار لذلك تبقى مشاعره تتأرجح دائما بين اليأس والأمل بين الهروب منها وإليها يقول لها “آه يا غمسيس كم خططت للهروب منك حين أملّ كلّ شيء وكم كنت أهرب إليك حين تضيق بي العاصمة المجنونة”.
غمسيس مدينةٌ يغلب عليها الفساد فتكون مدينة الديستوبيا لكنها تحتضن في داخلها الكثير من الخير فتكون مدينة اليوتوبيا. غمسيس معشوقة أبجد الرابعة رتبةً بعد محاسن ونور ورقية والأولى عاطفة وحبا لذلك كان قاسيا عليها بدافع الحب كما كان المؤلفان قاسييْن عليها بدافع النقد.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.