كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

نظرة ما إلى قواعد اللعبة: من المحيط إلى المركز..

(بمناسبة مرور أربعين عاما بالتمام والكمال على نشر هذا المقال لأول مرة)

حكمت الحاج*

ضمن تحديات الثقافة تقف مسألة دور الأدب واجتماعيته في الصف الأول من المسائل الجدلية، وذلك نتيجة لأزمة الصراع الإجتماعي وحركيته، وذلك بحسب نوعية الممارسة/ الفعل (البراكسيس) التي ينخرط الأديب فيها. والذي يراجع مسيرة الأدب العراقي من حيث هو تاريخ أشخاص وسير وتحولات تخصّ الذات في علاقتها مع المجموع، يرى بوضوح مواصفات تلك الظاهرة التي يمكن قولها بشكل مفاده أنّ الأديب يشق طريقا خاصة به وعامة مع غيره من أجل أن يصل إلى مركز الفعل الثقافي/ إنتاج الثقافة واستهلاكها. هذه الطريق بكل تعرجاتها ومحطاتها بدأ من لحظة خط الكلمات على الورقة وليس انتهاءا بأن تكون هذه الكلمات مطبوعة في جريدة أو دورية أو كتاب، أقول إن هذه الطريق هي التي تعنينا في حديثنا المقتضب هذا، لأنّ ذلك سيحدّد ضمنا جدل الصراع بين المراكز والأطراف، والمركز المعني هنا هو الحقل الثقافي العراقي، مؤسّسات وأفرادا تاريخا و”ظرفا”، والطرف هو أولائك الذين يسلكون هذه الطريق ويطرقون أبوابها، آملين أن تفتح لهم على يسر وعجل. وواضح لدينا كما لدى كل ناظر للشأن الثقافي، فإنّ الطرق إلى هذه المدينة وحقلها الثقافي ليست واحدة، وهي قد تكون معبدة ومفروشة بالنسبة للبعض إلاّ أنّها وعرة ومعتورة بالنسبة للبعض الآخر.
وفي عجالة، يمكن تقسيم السالكين هذه الطرق إلى قسمين:
أولا، جماعة يأتون من الطرف إلى المركز عبر دروب داخلية وهؤلاء عليهم أن يحظوا بمباركة أعضاء من الحقل الثقافي كأن يصبحوا تلامذة ومؤيدين، أو أن تكون أعمالهم الأدبية إتباعية، غير مبتكرة، وفي أحسن الأحوال تكرار لأعمال غيرهم. وهي على العموم محافظة ومقبولة من الذوق العام.
ثانيا، جماعة يجدون الدخول إلى هذا الحقل صعبا والطرق وعرة، والأبواب دائما مقفلة فيؤثرون أن يطرقوا أبواب المركز من خارج المكان، فيبزغ نجمهم في مجلات ودوريات تصدر في جغرافيا أخرى خارج العراق، يشاركون في مسابقات الجوائز الخاصة والعامة، يواصلون النشر في دوريات تصدر في عواصم مختلفة عربية وأجنبية، يجرون لقاءات مع أنفسهم أو مع بعضهم البعض، الخ.. ونتيجة لظروف التنوع في المطبوع والتنوع في الإيديولوجيات التي تقف خلف المطبوعات في الخارج، تجد أغلب أعمال هذا الفريق طريقها إلى النشر، وبعد كل هذا، يأتي الإنصياع.
فما هو الإنصياع؟
يرضخ القيمون على الثقافة ومسارب نشرها في الداخل إلى سلطان الإشاعة والضغط المستمرّ للأسماء، فيأخذون بقبول معظم الأفراد الذين حاولوا طردهم أول مرة بعد أن أصبح الوضع على شكل لا يمكن مقاومته، ثم يعمدون إلى الترويج لهم والدعاية لصالحهم وكأنهم هم الذين اكتشفوهم للوهلة الأولى، بل أنّ الأمر تعدى ذلك مثلا إلى استيراد ظاهرة بكاملها والترويج لها ألا وهي ظاهرة الجوائز والمسابقات. فبعد أن فاز شاعران عراقيان بجائزة يوسف الخال للشعر التي تشرف عليها مجلة الناقد اللندنية، وبعد أن فاز للسنة التي بعدها عراقي آخر بجائزة الرواية للمسابقة نفسها، وبعد أن فاز العراقيان طالب عبد العزيز وعلاوي كاظم كشيش بجائزة مجلة اللوتس للشعر، وغيرهم، عمد المسؤولون هنا إلى طرح مبدأ التسابق على الجوائز أسوة بالخارج، فأنشأوا جائزة الشؤون الثقافية وجائزة الأقلام وجائزة إذاعة بغداد وجائزة لست أدري ماذا، وهكذا…الخ
فإذا بكل هؤلاء الشباب أدباء مهمون في عرف الحقل الثقافي، وإذا كل هؤلاء يتمّ تطويبهم وتكريسهم ضمن تيار الحداثة الشعرية العراقية الراهنة.
أعداد أخرى من الشعراء لم ينشروا كتبا بعد، بل هم ينشرون أعمالهم هنا وهناك ولكن بتأثير ملحوظ. نصيف الناصري بعد أن نشر في مجلة الكرمل قصائده، أصبح معروفا ويكتبون عنه، الثمانينيون عموما عرفوا أول أمرهم خارج حدود البلد، وجاء الإعتراف بهم من هناك قبل أن يتمّ تكريسهم كجيل حقيقي هنا، وهم في هذا على عكس الجيل الأسبق، جيل المؤسّسات الإعلامية الكبرى الذين سرت عليهم أكثر من عشر سنوات دون أن ينشروا شيئا يذكر في مواقع الثقافة خارج بغداد، فمرحلة الثمانينات شهدت انحسار الإهتمام بتيار التجريب والتحديث في الأدب لصالح أدب آخر، وضعف التوجّه إلى احتضان الأقلام الإبداعية الصاعدة. وانعدمت مساحة التعاون معهم عبر الحقل الإنتاجي الثقافي، فتركوا لوحدهم ولم يجدوا بدا من التحرّك خارج الحدود، وهكذا كان نجاحهم واضحا.
والآن، ماذا نستنتج من كل هذا؟
من الواضح أنّه إذا لم يحسن التعامل مع القوى الجديدة القادمة والناهضة في مجال الأدب/ الشعر خاصة. فإنّ هذه القوى لن تنحسر عن ساحة الصراع ولن تنزوي تاركة المجال لقوى غير تاريخية بأن تسرق فرصتها، بل أنّها كطاقة نزوعة ستبحث لها عن مسارب أخرى للحياة والظهور، ولن تعدمها بالتأكيد، لأنّ الأدب هو من غرائز الحياة طاقة لا تقمع ولا تذوي ولا تكبت بل تخرج وتعبر عن نفسها على شكل تمثلات بديلة.
المشكلة ليست في الأدباء أنفسهم ولا في كيفية توكيدهم لذواتهم، بل المشكلة في الحاضنة الثقافية (صحافة، مؤسّسات، جامعات، وسائل إعلام) التي فقدت قابليتها على اكتشاف الصوت القادم واحتضان ورعاية المواهب الأصيلة، وأصبحت هذه الحاضنة تترقب نتائج مراكز ثقافية أخرى خارج الإطار الرسمي للثقافة العراقية من حيث تقديمها أو تبنيها لأسماء واتجاهات إبداعية، وبمجرد ما يحدث ذلك تسارع المؤسّسة الثقافية العراقية إلى ترديد نفس النغمات والألحان مع تزويق يناسب الوضع الداخلي. هناك شاعر مهم يعيش في بغداد ولا يعترف به لا كشاعر ولا كمترجم ولا حتى كإنسان سوي، ذلك انه لا يعمل موظفا في أية إدارة حكومية، نشر له الشاعر عبد القادر الجنابي مجموعة من قصائده في مجلة (فراديس) الممنوعة من الدخول (والمقروءة من الجميع)، فإذا بواحد من أهمّ نقادنا الآن ينبري للكتابة عنه بشكل احتفالي. ومن يدري فلربما ستنهال مقالات أخرى عن هذا الشاعر الذي أسمه جان دمو، ويقولون الآن أنّ إسمه بحد ذاته فيه موسيقى وغرابة وحداثة. ويا للمجد لشاعر لا يفضل حتى السيد الناقد الإلتقاء به على أي صعيد اجتماعي كان.
هذا مثال على جزء صغير من ظاهرة اسمها الإنصياع إلى ضغط المحيط الخارجي الذي يؤدي إلى تغيير البوصلة في الظرف المحلي الداخلي.
وللحديث بقية.

* حكمت الحاج، جريدة “الجمهورية” اليومية، بغداد، عام 1995. (ضمن عمودي الأسبوعي “نظرة ما”)، علما أنه لم تتم حينها الموافقة على نشر القسم الثاني من هذا المقال، كما وعدت به قرائي، وقيل لي أنه ضاع أو فقد بدون قصد!

* المعطيات والاراء الموجودة في المقال تخص تلك الحقبة البعيدة، وما القصد من إعادة نشره بعد أربعين عاما من نشره لأول مرة، إلا على سبيل توثيق الذاكرة الشخصية في الأقل.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.