تونس/ خاص، من موفد مجلة “كناية”:
في إطار سعيها لتعزيز الإدماج الاجتماعي وتطوير مهارات التواصل مع الأشخاص الصم، نظّمت المكتبة العمومية للشباب والكهول بقصور الساف، بإشراف أمينة المكتبة السيدة جوهرة الكرفاعي، وبالتعاون مع الكشافة التونسية – فوج قصور الساف بقيادة السيد فوزي العايب، دورة تكوينية مميزة في أساسيات لغة الإشارة. أقيمت الدورة يومي 22 و23 فيفري 2025، تحت إشراف الخبير في لغة الإشارة السيد عبد اللطيف الدلال، وبمشاركة المكوّنة السيدة إنصاف الجمالي. وشهدت الدورة إقبالاً كبيرًا من مختلف الفئات المهنية والاجتماعية، ممّا يعكس الوعي المتزايد بأهمية لغة الإشارة كوسيلة لتعزيز التواصل الشامل.
دورة تكوينية لتعزيز الإدماج والتواصل
هدفت هذه الدورة التكوينية إلى تمكين المشاركين من اكتساب مهارات أساسية في لغة الإشارة، مما يفتح أمامهم آفاقًا جديدة للتواصل الفعّال مع الأشخاص الصم، ويعزز روح التفاهم والاندماج الاجتماعي والمهني. وقد لاقت الدورة إقبالًا واسعًا من مختلف الفئات المهنية والاجتماعية، حيث ضمت موظفي الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة، ومعلمين وأساتذة، وعاملين في المجال الصحي، إلى جانب أولياء أمور يسعون لتعزيز تواصلهم مع أبنائهم الصم، وإعلاميين وصحفيين حريصين على نقل صوت هذه الفئة وإبراز قضاياها. لقد شكلت هذه الدورة فرصة فريدة لمد جسور التواصل، وكسر الحواجز اللغوية، وترسيخ قيم الشمولية والتعايش داخل المجتمع.
محتوى ثري وتدريبات تطبيقية
تضمن البرنامج التدريبي لهذه الدورة مجموعة من المحاور الأساسية التي شكلت حجر الأساس لاكتساب مهارات حقيقية في لغة الإشارة التونسية، مما أتاح للمشاركين فرصة فريدة لفهم هذه اللغة البصرية والتفاعل بها بثقة وسلاسة.
انطلقت الرحلة بمقدمة شاملة إلى عالم لغة الإشارة، حيث تعرف المشاركون على مبادئها الأساسية وأهميتها كجسر حيوي للتواصل اليومي مع الصم، مما رسّخ لديهم وعيًا أعمق بقيمة هذه اللغة في تعزيز الإدماج الاجتماعي. بعد ذلك، انغمسوا في تعلم مفردات أساسية، مثل الأرقام، أسماء العائلة، الأماكن، والعواطف، ما منحهم القدرة على التعبير عن مفاهيم متنوعة بطريقة واضحة ودقيقة.
ثم انتقل البرنامج إلى تمارين تفاعلية حول التواصل اليومي، حيث اكتسب المشاركون مهارات استخدام التحيات، طرح الأسئلة الشائعة، وتوظيف العبارات المستخدمة في مختلف المواقف الحياتية. ولم يكن التركيز على المفردات فحسب، بل شمل أيضًا فهم تراكيب الجمل والقواعد النحوية الخاصة بلغة الإشارة، مما أضفى على تعلمهم بعدًا أعمق ومكّنهم من بناء حوارات متكاملة.
واختُتمت الدورة بجلسات تطبيقية مثمرة، حيث تفاعل المشاركون بشكل مباشر عبر السكايب مع السيدة إقبال الجمالي وهي صماء تعمل بباريس في فرنسا، ما أتاح لهم فرصة فريدة لاختبار مهاراتهم في بيئة حقيقية، وعزز ثقتهم في استخدام لغة الإشارة بطلاقة. كانت هذه التجربة الغنية أكثر من مجرد تدريب؛ لقد كانت نافذة مشرعة نحو عالم جديد من التواصل الإنساني العابر للحواجز.
تفاعل إيجابي ومشاركة متميزة
سادت أجواء من التفاعل والحماس طيلة يومي الدورة، حيث أبدى المشاركون اهتمامًا كبيرًا بتعلم لغة الإشارة، مدفوعين برغبة صادقة في كسر حواجز التواصل والانفتاح على عالم الصم. لم تكن هذه الدورة مجرد دروس النظرية، بل كانت تجربة غنية اعتمدت على تمارين تطبيقية مكثفة، أشرف عليها المكوّنان عبد اللطيف الدلال وإنصاف الجمالي، اللذان قدّما للمشاركين فرصة حقيقية لاكتساب المهارات بطريقة تفاعلية وشيّقة.
وقد عبّر العديد من المشاركين عن امتنانهم بهذه التجربة الفريدة، مشيرين إلى مدى تأثيرها في تغيير نظرتهم للتواصل وتعزيز وعيهم بأهمية لغة الإشارة في الحياة اليومية. كما أكدوا أن مثل هذه المبادرات لا تساهم فقط في تحسين التواصل مع الأشخاص الصم، بل تزرع أيضًا قيم التفاهم، الاحترام، والإدماج داخل المجتمع، مما يعكس الحاجة الملحّة إلى نشر ثقافة التواصل الشامل وجعلها جزءًا من حياتنا اليومية.
امتداد للدورات المستقبلية
مع اختتام الدورة، سادت أجواء من الامتنان والفخر بالرحلة التدريبية التي خاضها المشاركون، حيث عبّر المنظمون عن عميق شكرهم وتقديرهم للحضور على التزامهم وتفاعلهم الإيجابي، الذي جعل من هذه التجربة محطة مميزة لتعزيز الوعي والتواصل الشامل.
لم تكن هذه الدورة مجرد فرصة لاكتساب مهارات جديدة، بل كانت خطوة أساسية في مسار طويل نحو بناء مجتمع أكثر إدماجًا وتفهّمًا لاحتياجات الأشخاص الصم.
حرص المنظمون على التأكيد بأن هذه المبادرة لن تكون الأخيرة، بل ستتواصل من خلال برامج تدريبية مستقبلية تهدف إلى تمكين المزيد من الأفراد من تعلم لغة الإشارة والانخراط في هذا المسار الإنساني الهادف. كما تم الإعلان عن توفر وثائق وموارد إضافية للراغبين في التعمق أكثر في هذا المجال، إلى جانب إمكانية اجتياز اختبار المستوى الأول لمن يسعى للحصول على شهادة معترف بها، تثبت مدى إتقانه للمهارات المكتسبة.
وفي لفتة تعكس التزام المنظمين بتوسيع دائرة الوعي، تم الإعلان عن فتح الباب أمام المؤسسات والجمعيات الراغبة في تنظيم دورات مماثلة، إيمانًا بأهمية نشر ثقافة لغة الإشارة وجعلها جزءًا لا يتجزأ من مختلف القطاعات، سواء في التعليم أو الصحة أو الإعلام أو غيرها.
واختتمت الدورة بحفل تكريمي، حيث تم توزيع شهادات المشاركة على جميع الحاضرين تقديرًا لجهودهم ومثابرتهم، وذلك بحضور معتمد مدينة قصور الساف السيد شكري الكشباطي. وكان هذا الحدث بمثابة تتويج لرحلة تعلم مثمرة، وخطوة جديدة نحو مستقبل أكثر شمولية، يُكسر فيه حاجز الصمت ليحلّ محله جسور الحوار والتفاهم.



أضف تعليق