كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

فندق حلاوة..

عمَّار كشيش

لم أكن مستعدا للمكوث هنا!
لم أتوقع أن يضعوني في هذا المكان. وقعت في فخ دعوى كيدية وهي أنّي قد سرقت جارتي التي تجمعني بها صلة قرابة بمسافة حبل الوريد، وسبب ادعائها بالسرقة هو ضغطي المتواصل للحصول على حقي من الإرث. ولكونها امرأة، ونحن تحت ظل نظام عشائري يعيب ان تتشاجر مع امرأة (ويجيز لك أن تضرب زوجتك) استغلت هذا الظل وأكلت أملاكي.
وصلتني للبيت ورقة تبليغ للحضور الى الشرطة من أجل التحقيق بشأن هذه القضية. في اليوم التالي ذهبت وسلّمت نفسي.
هذه المفردة (سلّمت) لا أفضّلها لكوني لم أرتكب جرماً. وباختصار، في المحكمة أجّل القاضي النظر في القضية لمدة يومين أقضيهما في التوقيف الذي هو سجن داخل سجن كخارطة أغلب السجون.
قادني الشرطي ودخلنا غرفة السجن الأولى الفارغة المتصلة بممر يفضي إلى الغرفة الثانية التي هي في العمق، بابها يحتوي كوّة تقابل كوّة باب الممر الصغيرة هي الاخرى.
لا يأتون اليك إلا في أوقات محددة. يرونك وأنت لاتراهم. وإذا احتجتهم تلوّح بيديك لإحدى الكاميرات في السقف، كتائه في الصحراء لطائرة عابرة قد تراك أو لا تراك، والأمر منوّط بمزاج إدارة السجن أو بمزاج الحرس.
الألم يضغط على المشاعر ويزيد من العلّة الموجودة في الرأس لكوني لم أرتكب شنيعةً، والعقاب ليس لي بل انا عطشان جداً لفيض الثواب والتعويض ولا دليل لدى المرأة التي اتهمتني بالسرقة، لكنها مسنودة من قبل شخص من الأقارب لديه علاقات مع بعض المسؤولين.
وجدت القاعة مليئة بالمساجين، والأفرشة تغطي الجوانب وتمتدُ في المنتصف ولا فراغ سوى ممرين ضيّقين بين الأفرشة ولا فراغ على الجدران، كلها مشغولة بما عُلق عليها من سلال وأكياس مليئة ببعض الأشياء التي يحتاجها المساجين. لمحت خبزا وصابوناً وأشياء أخرى تتعلق بالتنظيف. الذي يهمني هنا بعد الاستقرار البسيط هو القراءة، وأين هو الكتاب الذي أقرأه؟ لمحت كتابا أو كتابين، وعلى الأغلب هي كتب أدعية وقرآن، لكني بحاجة إلى كتب أخرى. وأنتبهتُ للكتابات الكثيرة على الجدران أو الأوراق المُلصقة عليها، وكتابات على الأجساد، أجساد محملّة بالكثير من النقوش: وشم ٌعلى الذراعيّن والساقيّن والوجه والظهر. وقرأتُ ما تمكنتُ من رؤيته: فندق حلاوة كلشي اتوقع/ ههههه.. الحمامات ترحب بكم (سمايل ضحكته عوجاء)/ رجاء(ن) لاتاخذها خليّها بمكانها.. شكرا جزيلا.. الكتابة على قفا آنية بلاستكية معلقة على الحائط وهي تشبه حافظة الخبز البلاستيكية في منزلي.
ثمة ملاحظة مكتوبة على قائمة مطبوعة تشمل الجرائم المشمولة بالعفو. شكرن جزيلن للحكومه.. قائمة عفو أخرى مكتوب عليها “ما تطلعون حتى يبيض الديك”..
ألتقطتُ كتابةً على رقبة أحد المساجين او المقيمين هنا، وأستخدم هذه الكلمة (المقيمين) بدلاً من المساجين تماشياً مع الاسم: فندق حلاوة.. ربما تماشياً ايضاً مع الأمل/ اللامبالاة. “يا وردتي”، هذه هي الكلمة التي ألتقطتها وهي خضراء بشدة كضوء أخضر ربما يمسح ضجراً ما.
الكتابات كثيرة وتحتاج الى ذاكرة ورقية ولا يوجد هنا ورق سوى علب السجائر ومن أجل صنع الذاكرة كانت طريقة العمل هي شق علبةً ما وإخراج أعقاب السجائر المدعوسة دعساً ونكث الرماد وتصبح العلبة ورقةً جاهزة للتدوين .
التدوين هنا بالنسبة لي هو تسلية وسط الكابة ورطوبتها.
الكتابة بطعم التبوغ والرماد.
برفقة هذه الكتابات الاستثنائية لابد من المشاهدة أيضاً، ولا تدري ما تشاهده هل هو مسلسل هندي طويل أو أبدي أم أنه فيلم قصير.
غالبية المقيمين متأقلمين مع المناخ ولا أحد يتذمر من الدخان سواي، ولا من برد المروحة سواي. ولا يتذمرُ من شحة المكان للتمدد والراحة سواي، ولا من الماء على أرضية غرفة الحمامات والرطوبة سواي. هنالك من يتمشى في الممر الضيّق بين الأفرشة لتنشيط الجسم وقتل الخمول، بينما أتمشى بدافع التوتر ربما بسبب فوبيا الاماكن المغلقة، ولكوني لم أرتكب جرما.
ربما الفوبيا تضمحل في روحي وأتطبع مع هذا الجو لكن لا أستطيع التطبع والاستسلام أبداً للعقوبة، وبراءتي ساطعة مثل شمس مدفونة بغيمة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.