كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الواقع والخيال في التجربة الشعرية للشاعر حسين علي يونس عبر أعماله الشعرية الكاملة.. *


أنور بن حسين

إن الواقع بما يحمله من متناقضات وصراعات لا يمكن أن يكون بمعزل عن التجربة الإبداعية ولكن تناول الواقع كمادة تحتاج إلى إدراك عميق بإرهاصاته والاغتراب الذي يمكن أن يتسبب للإنسان في حالة عدم قدرته على فهم الواقع والاندماج فيه، وشعر حسين علي يونس لا يخلو من هذه المفارقات حيث يتعامل مع الواقع من موقع المتأمل المتبصر، وكأنه الإنسان الذي شاءت الأقدار أن تجعله يرى الأشياء من زاوية مختلفة ولكنه لا يقف عند هذا الحد بل إنه يسخر من هذا الواقع، واقعه وواقع العراق البلد الذي ترعرع فيه. ومن واقع الإنسان على الأرض.
إلا أن الشاعر لفضح هذا الواقع سواء كان اجتماعيا او سياسيا وفي محاولة لتفكيكه وسبر أغواره وكشف هناته يلجأ إلى الخيال كوسيلة لإضفاء المعنى وتصوير هذا الواقع للملتقي كما ينبغي لشاعر متمكن وخبير بالواقع أن يصوره للآخر الذي لا نشك في درجات فهمه للأحداث وإدراكه لما يحصل حوله ولكن من منطلق أننا لا نرى الواقع من نفس الزاوية. الكاتب يحاول أن يكون موضوعيا إلى حد ما ويمكن أن يضع اصبعه على الداء أو أصل المشكلة لا من أجل البحث عن حلول ولكن دوره يقف عند الاشارة إلى الإخلالات في أسلوب سردي وشعري يحملك من الواقع المتدني إلى التفكير فيما بعد الواقع. فكل قصيدة يكتبها أي شاعر لا بد لها من بنية ترتكز على ثنائية الواقع والخيال، والخيال لا يكمن في مجرد ما نتخيله ولكنه يشمل كل ما يمكن أن نعيد توظيفه بطريقة تنزاح عن المألوف وتخرج عن السائد وكذلك من خلال استحضار الأسطورة والتاريخ لنسج نص خارق للأزمنة، مسافر بين الأمكنة يتجاوز الحدود الضيقة ويؤسس لنص عابر للحدود والأجناس وذلك ما تسعى إليه قصيدة النثر المعاصرة.
ويمكن أن نلمس هذه الثنائية بين الواقع والخيال من خلال تقصي بنية النص وما يمكن أن يعترضنا من عتبات توحي بهذا المزيج الذي يجعل من نصوص حسين علي يونس مفارقة ومتنوعة بتنوع مجالات الواقع واتساع الخيال وكأن بهذه السطور تحملنا إلى مستويات لا متناهية من الاستنتاجات والقراءات. ولهذا فإن اختيارنا لهذا الطرح يجعلنا منفتحين على كل ما يمكن أن يتداخل مع المبنى والمعنى، وهذا راجع للتداخل في المنجز النصي أي العلاقة بما هو خيالي ومرجعتيه في الواقع الذي يصفه الشاعر …
يحرص الشاعر في بعض قصائده على نقل الواقع بطريقة واضحة ومباشرة تتجلى من خلالها رؤيته للعالم والحياة ففي نص “أنا وزوجتي” تتجسد هذه الواقعية المرتبطة بذات الشاعر ونلمس ذلك خاصة من خلال استعمال ضمير المتكلم ليعبر عن تجربة إنسانية ووجودية تتسم بالاغتراب المزدوج وبتصدعات الواقع وفي هذا النص يبرز الشاعر كيف أن الإنسان عرضة للأقدار المجهولة، إنه السؤال الأبدي الذي يؤرق الإنسان منذ وجوده على وجه البصيرة “لماذا أتينا إلى هذه الحياة؟”
يقول الشاعر في آخر القصيدة: “في الواقع لقد تعودنا أن نعيش حياتنا وأن نتكاثر كجرذان المجاري”
إنها فلسفة “التعود” بحيث أن تكرار فعل أو تجربة معينة يؤدي إلى تقليل الاستجابة العاطفية أو الحسية تجاهها بمرور الوقت. بمعنى آخر، عندما نعتاد على شيء ما، فإن الإحساس بأهميته يتقلص مع مرور الوقت ويعتبر الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو من أوائل الذين تناولوا مفهوم التعود في كتاباتهم فقد لاحظ أن تكرار الأفعال يؤدي إلى اكتساب عادة، وأن هذه العادة تصبح جزءًا من طبيعتنا. وكأن الشاعر يريد أن يقول بأنه أصبح متعودا على الألم وعلى كل الخيبات التي يفرزها الصدام مع الواقع.
كما ينتقل الشاعر من واقعه الخاص إلى الواقع الجماعي بما أنه واقع ينتسب إليه، يوجد فيه، ولا يمكن الهروب منه. ففي قصيدة “وهذا يدعو إلى البكاء حقا” يقول الشاعر:
“نملك ثروات رائعة
لكننا نعيش على الكفاف
وأطفالنا يذهبون
إلى مدارس الصفيح …
هكذا نسمع جعجعة
ولا نرى طحينا
لأن الميزانية الذئبية
تدخل في جيوب قادة الكتل”
ينتقد الشاعر من خلال هذه الأبيات النظام السائد والفساد المهيمن على البلاد لأن “القادة يغطون في سبات عميق” وآخر همهم أحوال الرعية ومشاغلهم. وهذا النظام يعاني من مشاكل بنيوية وأخلاقية تؤدي إلى تدهور الواقع الذي يحاول الشاعر ترميمه في كثير من الأحيان. وكلما اقترب الشاعر إلى واقعه، ابتعد عن الشاعرية ربما لأن هذا الواقع المربك لا يفتح لنا أجنحة لنحلق خارجه بل يتركنا مكبلين عاجزين عن الحركة ويجعلنا نحلم بحياتنا التي خلفناها ورائنا، حياتنا القديمة لأنه لا مكان للحلم في هذا الواقع المرير. وهذا ما افصح عنه الشاعر في قصيدة “جان دمو يكتب تقريرا من الجنة”:
“فوجئت الآن وأنا منغرس في الكون كنبتة أبدية أنني ما زلت أحلم، أحلم بحياتي التي خلفتها ورائي، حياتي القديمة كنت أعتقد”
“أنني لم أعد قادرا على الحلم”
ذلك ما يحاول الشاعر تصويره من خلال لجوئه إلى الماورائي كطريقة للتعويض أو البحث عن البديل. هذا العالم الميتافيزيقي يبدو الملجأ الوحيد للإفلات من قسوة الواقع فعادة ما يميل الإنسان في حالات يأسه إلى التفكير في العالم الآخر أو “الجنة” كوسيلة للخلاص والتجاوز.
واختار الشاعر “جان دمو” استعارة تعبر عن الجرأة والصمود والنقد اللاذع للمجتمع. إن ممارسة فعل الكتابة يتطلب جرأة وهذه الجرأة شر لا بد منه. الشعر يقول ما يخشى البعض الإفصاح عنه، أو الدفاع عنه، أو تعريته وفضحه وكشف أقنعته التي تجعلنا نرى نصف الحقيقة. وهذا يذكرنا بمصطلح “المعنى الثائر” لأدونيس بحيث يقرب الكلام الشعري من كلام الناس في حياتهم اليومية، وبحيث يكون معناه، وفقا لذلك، “قريبا” و”دون تعقيد” (1)
إذن فالشاعر يحمل “رسالة الواقع” حتى لا يكون كلامه بمعزل عن قضايا العصر، متعاليا عن مشاغله، وبعيدا عن انتظارات الآخر الذي ينتظر من ينصفه، ولو بمجرد الكلام.
هكذا يثور الشاعر على النظام السائد، ينتقده، يفككه، ويعيد بنائه في الضفة الأخرى، في خياله الذي يشكل فيه أماله ورؤاه، ويرمم فيه الأشلاء التي يعريها الواقع. والنزوع للخيال تحكمه رغبة في التغيير، تغيير الواقع وتغيير الأنظمة السائدة، الموروث الذي لابد من مراجعته، المعتقدات التي تكبلنا وتضع قيودا للفكر المجنح. إنه “ليس تحررا وحسب، من الواقع السائد، بأفكاره وموروثاته، وغنما هو تحرر من طرق التعبير السائدة” (2)
جنوح الشاعر للخيال يحملنا للقول بحدود اللغة لأن التجريد يجعلنا نحس بالمطلق، وكلما تجردنا من الواقعية كلما فاضت الشاعرية وانزاحت الحدود وتبددت العراقيل الكلامية فيصبح الشعر تجربة وجودية لا ترتبط بالمكان والزمان بل تتجاوزهما لنحلق في فضاء لا حدود له، مكانه أزلي لا وجود له وزمانه أبدي مطلق. إنه نوع من التمرد غير المعلن على الواقع … ففي لحظات الالتباس أو التراكمات التي نعجز عن استيعابها نفر إلى الخيال حيث نجد ضالتنا أو ربما هو فضاء للبحث عن البديل. هذه الحركة من الواقع إلى الخيال هي حركة تتم في مساحة ذهنية مجردة تصور لنا الأشياء بطريقة غير مألوفة. في هذا العالم يمكننا أن “نسمع صوت الاطياف” ويمكن ان نرى “الفرح يجلس في مقهى ويكتب قصيدة” وأن نرى “الصيف يجر الشتاء فوق المدينة”. إن التخييل الشعري بكونه عملية توليد للصور تجعلنا ننزاح عن الواقع لنعيش عالما تكتنفه الغرائب. إنه عالم عجائبي يشرق من ذات الشاعر ليضيء زوايا بداخلنا لا يصلها النور ولكن تصلها الكلمات بسلاسة عجيبة.
هكذا يهرب الشاعر من حياته القديمة بالواقع إلى حياة مليئة بالمجازات والمجازفات. يقول الشاعر في قصيدة “هل عشنا حياتنا”:
“أقابل شبحا / يصغي إلى الحياة القديمة”
“الجرة التي انعتقت / من الماضي / تفكر منحنية الظهر” 
يجد الشاعر صعوبة في التخلص من رواسب الماضي رغم كل محاولاته ففي لحظة بحثه عن حياة جديدة يقابل شبحا يصغي إلى الحياة القديمة وكأن هذا الماضي لا يتركنا بسهولة يلاحقنا أنى ذهبنا حتى أن الجرة التي انعتقت من الماضي مازالت تعاني من آثار الماضي مما جعلها تفكر منحنية الظهر. فأين توجد الحقيقة يا ترى أفي الحياة القديمة أم في العالم المنشود؟ إنه بحث مستميت لا يتوقف ولا نهاية له لأن الحقيقة متعددة ومع كل حقيقة احتمالات لا حصر لها وهذه الحيرة جعلت الشاعر يرمي “حجرا يائسا في فم الليل” هذا الليل الذي يتسم بالغموض وغياب الرؤية الواضحة وكأن هذا الحجر يتكهن ضياعه في الظلمة.
إن المراوحة بين الواقع والخيال هو نوع من القلق الشعري ومن الحيرة التي تتملك الشاعر وتجعله طالبا أبديا للحقيقة وهل أن الحقيقة تكمن في الواقع المادي؟ أم في الواقع المتخيل؟ ذاك هو الصراع الذي يؤرق الشاعر ويجعله كائنا متشائلا، نصف إلاه، بطلا من أبطال الأساطير القديمة وحلما من الآتي الذي لا نعرفه.
يقول الشاعر:
“لقد تعبنا من المجازات
والصور كسرت حياتنا”  – ص 20
هل أن مهمة الشعر هي الكشف عن الحقيقة؟ وكيف ننقل هذه الحقيقة؟ إن هذه الأسئلة التي تبدو فلسفية تجعل الشاعر متأرجحا بين الشك واليقين، هو يعيش بين هذا وذاك، “كغصن ينمو في اتجاهات متعاكسة” (قصيدة يأسنا ساحل ممزق) وبذلك تصبح الحقيقة مفهوما متعددا تحتاج إلى وحدة عقلية لإدراك تجاذباتها ومساراتها. إنها ليست شيئا ثابتا بل إنها عملية كشف مستمر، هذه النظرة للحقيقة ترتبط بالوجودية، التي تؤكد على حرية الإنسان ومسؤوليته في البحث عن المعنى.

هوامش:/
* كل الاستشهادات في المقال تحيل إلى: حسين علي يونس، هل عشنا حياتنا (الأعمال الشعرية 1990-2024)، دار قارات للنشر والتوزيع، بغداد 2025.
* سياسة الشعر، ادونيس، دار الآداب، 1996
* نفس المصدر ، ص 137
* نص المداخلة النقدية المقدمة لندوة “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات” المنعقدة يوم 21 فيفري بمناسبة الاحتفاء بصدور الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حسين علي يونس.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.